اللواء الركن دكتور ياسين سويد يحاكم الشهابية: شهاب نجح كقائد جيش وفشل كرئيس يبدو اوليا ان عودة العسكر الى حكم الرئاسة الاولى والواجهة السياسية بعد انتهاء ولاية الرئيس الهراوي باتت وكأنها شبه مؤكدة فهل يمكن ان ينجح عسكري في قيادة سياسية على اعلى المستويات؟ هل يتخلى العسكري عن طبيعته اذا تحول الى رجل سياسي؟ وهل عكس ذلك هو ان يغلق العسكري الحاكم ابوابه امام السياسيين؟ يقول: اللواء الركن في الجيش اللبناني الدكتور ياسين سويد الذي استمرت خدمته العسكرية اربعين عاما, وكان من ابرز المقربين لتجربة وصول (الجنرال) فؤاد شهاب الى حكم الرئاسة انه (اذا اردنا ان نتحدث عن التجربة الشهابية, اي اثناء تولي قائد الجيش فؤاد شهاب لرئاسة الجمهورية (بين عامي 58 و 1964) فانني اريد قبل اي شيء ان اصحح فكرة اعتبرها خاطئة وهي ان العسكري اي عسكري, يتسلم الحكم, فان ذلك يعني انه سوف ينقل كل مبادىء العسكرية الى الحكم فيصبح هذا الحكم عسكريا اعتقد ان هذا خطأ كبير لكن العملية تبقى مرتطبة بشخصية المسؤول الذي يتسلم الحكم سواء كان عسكريا ام غير عسكري وهنا اريد ان اشير الى ان اعتبار فترة حكم اللواء شهاب هي نموذجية للحكم العسكري, هو خطأ كبير. اين الخطأ في هذا الاعتبار؟ ـ نجح فؤاد شهاب كقائد عسكري وكان نموذجا لقائد الجيوش, ولكنه فشل كرئيس للجمهورية فشلا ذريعا. اسباب الفشل ما الاسباب الكامنة وراء هذا الفشل وهل هي عائدة الى كونه رجلا عسكريا؟ ــ عندما تسلم شهاب الحكم والتف حوله اللبنانيون جميعهم بعد صراع مرير ومسلح عام 1958. لم يعرف كيف يستفيد من هذه الفرصة, او انه لم يرد ان يحصل على هذه الاستفادة الامر الذي يجعله اشبه (باتاتورك لبنان) . هل كان شهاب طائفيا في الحكم؟ ـ هذا هو السؤال الحقيقي اذا كان شهاب طائفيا اذن فانه ليس عسكريا. - تجربته ماذا تقول بالنسبة لك؟ ـ انا افهم ان العسكري هو ذلك الانسان الذي يتقيد بالمبادىء العسكرية التي تنزه المرء, في نظري اما ان فؤاد شهاب كان ضعيفا الى حد لم يجرؤ معه على مس الكيان الطائفي في لبنان, واما انه كان طائفيا. - من خلال تجربتك الم تجد جوابا على احد هذين السؤالين: اما شهاب ضعيف واما انه طائفي؟ ــ اعتقد ان الجواب للسؤالين هو نفسه, سواء كان شهاب رئيسا فانه سقط امام التجربة الطائفية, وان كان قويا ولم يمس الطائفية اذن فهو ربما كان طائفيا مثلا, عندما قدم استقالته وحمله اللبنانيون جميعهم كان بامكانه عندئذ ان يحكم باسمه كفؤاد شهاب وليس باسم المخابرات. النقيصة الكبيرة في عهد شهاب انه تخلى عن الحكم وخصوصا منذ ان اعلن حل المجلس النيابي واجرى انتخابات تشريعية عام 1960 ليس هو الذي اجرى هذه الانتخابات انما الذي اجراها هو انطوان سعد (رئيس الشعبة الثانية, المخابرات العسكرية في الجيش اللبناني انذاك) ولايزال ضباط مخابرات الجيش احياء حتى الان. ويمكن ان يردوا هم اذا ارادوا ما حصل. بالاضافة الى ذلك وعندما حصلت محاولة انقلاب الحزب السوري القومي الاجتماعي عام 1962 غرق فؤاد شهاب اكثر في الخوف فسلم قيادة الحكم للمخابرات كليا, ويقال ان انطوان سعد كان يفزعه, يقول له مثلا: هناك مؤامرة لاغتيالك فخامة الرئيس فيتهالك ويقول له اعمل ما تريد. وقد حكم انطوان سعد لبنان وليس فؤاد شهاب هذه هي وجهة نظري. اذن لا استطيع ان اقول ان الحكم في عهد فؤاد شهاب كان حكم شهاب بل كان حكم المخابرات اللبنانية بقيادة سعد وانا لا استطيع ان اجري هذه المقارنة على اي قائد جيش آخر يمكن ان يتسلم رئاسة الجمهورية في لبنان. فرصة ضاعت -ربما بالامكان اجراء المقارنة حسب تقلبات الظروف, فالبلد اليوم مشتت سياسيا بمايشبه تقريبا تشتته في العام 1958 عندما تسلم الرئيس شهاب مقاليد الحكم؟ ـ يمكن اجراء المقارنة على الظروف وهذا صحيح لكن ايضا حسب شخصية الحاكم, ولا تنسى ان الظروف هي نفسها تقريبا, اذ ان الحمى الطائفية لاتزال على اشدها, في نظري ان فؤاد شهاب فشل في الحكم يقال انه عمل مؤسسات مدنية لكن هذا لا يقيم دولة, ما يقيم هذه الدولة المنشودة هو ان تضرب الآفات والامراض الاجتماعية فيها في اعتقادي انه لو تجرأ فؤاد شهاب بعد ذلك الاجماع الكبير عليه (لعودته الى الحكم) واصدر قرارا فوريا بتعديل الدستور, وطلب من مجلس النواب الغاء الطائفية لكان حصل على مايريد وقامت الدولة وعندئذ يكون قد فعل الامر الذي لم يستطع ان يحققه حتى الان اي رئيس جاء بعده لكان (اتاتورك لبنان) . - هل يفهم من كلامك ان المخابرات لم تشأ ان تطلب من الرئيس شهاب او توعز اليه التوجه نحو تعديل الدستور وما مصلحتها في ذلك؟ هل المخابرات هي المسؤولة انذاك؟ ـ لان الامر يتعلق بنفسية الضباط الذين حكموا في ذلك الحين وهي نفسية لم تكن بمستوى رجل الدولة, يعني عندما يحكم الضابط بعقلية العسكري (المتطيف) فانه يكون في حكمه اسوأ من المدني في الصفة نفسها, لانه ليس من المفروض في العسكري ان يكون ذا افاق رقابية وسياسية واسعة, ثم تغلب عليه ايضا نزعة التسلط الفردي, والحضور الخاص, بينما ربما يكون السياسي اكثر ليونة وتفهما للواقع, من هناه فان الطاقم المخابراتي الذي حكم في عهد فؤاد شهاب كان ينظر الى الموضوع من زاويتين الاولى المصلحة المتعلقة به اي بجهاز المخابرات والذي كان يهمه ان يحكم ولذلك كان ضباطه يقودون الانتخابات ويجعلون مرشحين للنيابة يفوزون, ويعينون الوزراء وانا اعرف كيف كانوا يتصرفون كان هناك (حزب) في الجيش اسمه (حزب فؤاد شهاب) وهو حزب المخابرات والذي كان يفرض لوائح انتخابية. من هنا نجد ان هذا (الحزب) لم يكن يعمل لمصلحة لبنان بقدر ما كان يعمل لصالح ديمومته في الحكم اضافة الى ان هذا (الحزب لم يكن ينظر الى مصلحة فؤاد شهاب ليدله كرئيس للجمهورية الى الطريق الصحيح. لو كان ينظر لمصلحته لما كان وضعه في خوف دائم بعد محاولة انقلاب القوميين السوريين كما انه كان بامكانه ان يدله الى الطريق الصواب وهو تقدمه باتجاه الطائفية السياسية واعتقد ان الحرب التي خضناها عام 1975 كان قد زرع بذورها حكم فؤاد شهاب منذ العام 1958 لم يداو شهاب الجرح الاساسي لم يعالج المرضى تلهى بمعالجة الامراض الظاهرية والخارجية ولكن المخابرات اللبنانية التابعة له اساءت اليه كما للبلاد بصورة عامة. لو كان حكم المخابرات حكما صحيحا لما وصلنا بالتالي الى احداث العام 1975 ومابعدها من حرب طائفية. للحكم العسكري نعم ام لا - هل يعني ذلك اسقاطا لمفهوم الحكم العسكري؟ ــ ليس ذلك هو المقصود انما الامر يتعلق بالسؤال التالي: هل ينجح في الرئاسة فلان من الناس في الحكم السليم ام لاسواء كان عسكريا ام غير عسكري؟ مثلا هنالك عسكريون حكموا العالم الثالث, ومثلا جمال عبد الناصر في مصر, وفي السودان, وفي سوريا, لكننا نجد ان بعضهم قد نجح في حكمه, والاخر قد فشل, هل يمكن ان نقول ان حكم الرئيس الاسد قد فشل؟ اطلاقا هذا غير صحيح, لكن هناك (في العالم الثالث تجارب مماثلة قد فشلت) . من هنا فان الحكم هو على شخصية الذي يحكم, سواء اكان عسكريا ام مدنيا. لذلك اقول انه جرى انتخاب فؤاد شهاب رئيسا للجمهورية, لكنه لم يعرف كيف يدير البلاد هذا يطرح الفارق بين ان تدير جيشا وبين ان تدير شعبا, وتحكمه, قائد الجيش يكون (عادة) محدود الثقافة والاطلاع والتجربة ومحكوم باعتبارات عديدة لكن ذلك لا ينطبق على كل العسكريين الذين يمكن ان يحلوا محل فؤاد شهاب. ميزة الرئيس شهاب انه عندما تسلم قيادة الجيش كان مثالا للنزاهة والتجرد وانه كان يمنع على الضباط والعسكريين التعاطي في الشؤون السياسية, من هنا اكتسب مصداقية, وظل على هذا الحال حتى اصبح رئيسا للجمهورية كان شهاب حتى توليه رئاسة الجمهورية مثال الشخصية العسكرية والوطنية والجادة الرصينة ولا غبار اطلاقا على سلوكه الشخصي, والانساني والوطني. - عندما كان قائدا للجيش كيف كان يتعاطى مع رئيس الجمهورية انذاك وهو مر كقائد للجيش في عهدين رئاسيين, بشارة الخوري وكميل شمعون؟ - كان يتعاطى مع رئيس الجمهورية كقائد للجيش بانضباط ولكن بوعي, كان ينظر الى مصلحة لبنان من خلال هذا التعاطي, وفي الاحوال العادية كان انسانا منضبطا ينفذ اوامر السلطة. اما اذا حدثت ازمة بين السلطة والشعب فكان ينحاز بصراحة الى جانب الشعب, وهذا ما حصل في عامي 52 و 1958. لم يدخل شهاب في انقلاب عام ,58 كان بامكانه ان يقلب الرئيس شمعون ويحكم, ولكنه خشى ان تتحول عملية الانقلاب الى عادة في لبنان فميزته انه لم يدخل في دوامة الانقلابات وهذه حسنة له لكنه اتى الى السلطة عن طريق الشرعية, لكن ربما, كانت السلطة انذاك كبيرة, ولم يستطع الرئيس شهاب ان يتحملها في ذلك الوقت فالقى همها على الضباط في المخابرات والذين لم يكونوا, برأيي في مستوى المهمة, فحكموا بشكل سيىء جدا, وقادوا البلاد الى مشاكل, وهذا ما اوصلنا الى بداية الحرب والتقاتل الداخلي في العام 1975. اين الجنرال لحود؟ نصل من خلال ذلك, وتلك التجربة الى الرئيس الجديد المرتقب للبنان, حصل هو قائد الجيش الحالي العماد (الجنرال) اميل لحود؟ وماذا تعني المقارنة مع ما حصل في الماضي؟ اولا اريد ان اشير الى ان فؤاد شهاب اعطى (مخدرا) للقضايا الاساسية في الحكم, حتى اذا ما ذهب حكمه استيقظت هذه القضايا والتي في مقدمتها مشكلة الطائفية. حتى الآن لم يستطع اي رئيس حلها الرئيس شهاب حذر الطائفية بدل ان يحلها, ولم يعمل اطلاقا في سبيل الغائها. انا عندما تسلمت مهماتي في الجيش كمسلم سني, ورئيس المخابرات ماروني, ورئيس شؤون الافراد ماروني ايضا, يعني اننا في الجيش ومدينون للطائفة معنى ذلك ماذا فعل (الرئيس) الياس الهراوي؟ ماذا فعل الحكم الحالي كله؟ بعد اتفاق الطائف يمكن القول انه جرى تجذير الطائفية فكيف يجوز, مع هذا الواقع التحدث عن مشروع الزواج المدني, تحت شعار انه يلغي الطائفية؟ هذا المشروع يضع العربة امام الحصان. بيروت ـ البيان