نافذة: تغريب المسلمين ومزاعم هولندا: بقلم - سعيد السبكي

بعد كفاح طويل وصراع مع البيروقراطية ونظم الديمقراطية الملتوية, نجحت الجالية الاسلامية في هولندا والبالغ قوامها اكثر من مليون ونصف في افتتاح اول كلية اسلامية كبداية لمشروع جامعة متكامل لتدريس العلوم الاسلامية بشتى فروعها للراغبين من ابناء الجالية وايضا الهولنديين, وعلى الرغم ان الكلية التي اصبح مقرها روتردام لاتستوعب اكثر من 20 طالبا كدفعة اولى, الا انها تعد نواة امل طال انتظاره طويلا من ابناء الجاليات الاسلامية, سنوات دأبت خلالها الجالية على مطالبة الحكومة بالمساندة والمساعدة ومد يد العون المالي, ولكن دون جدوى, وقد اصطدمت الجالية الاسلامية خلال السنوات الماضية بجدران الصمت الهولندي وعدم الاستجابة, وضاع هذا المطلب العادل بانشاء جامعة اسلامية في غياهب البيروقراطية المتعمدة. فما كان من الاقلية المغربية والتركية الا ان اعتمدت على سواعدها وجهودها الذاتية في وضع لبنة هذا الصرح الاسلامي, ولاتمام مشروع اسلامي متكامل, بدأ ابناء الجالية بانفسهم في اقامة 27 مدرسة اسلامية على مستوى هولندا, ومدرسة ثانوية واحدة ثم الآن كلية اسلامية. ولقد لعبت المؤسسات الحكومية الهولندية دورا كبيرا في تأخير خروج هذا المشروع الاسلامي للنور, وكانت تسوق مبررات تمثلت في الخوف من تنمية الاصولية الاسلامية والارهاب عبر هذه الجامعة الاسلامية وتذرعت هذه المؤسسات دائما بالاحداث الفردية التي تحدث هنا او هناك في بلدان اسلامية او عربية حتى ان جهاز الاستخبارات الهولندي (بي في دي) قد خرج بتقرير يؤكد هذه المخاوف, مستندا على استنتاجات وتخمينات بعيدة كل البعد عن واقع الجالية المسلمة في هولندا, ثم مؤخرا خرجت الحكومة الهولندية باقتراح ظنت انه الحل الذي سيلجم السنة ابناء الجالية الواعين المخلصين, فاعلنت استعدادها لاقامة معهد ديني يخضع لاشراف الحكومة على غرار المؤسسات التعليمية الهولندية الاخرى, على ان يقوم هذا المعهد بتخريج الائمة المسلمين ليحلوا محل الائمة الذين يتم جلبهم من البلدان الاسلامية والعربية, وقد هدفت الحكومة بذلك ان تضمن تغريب الاسلام وابعاده عن مضمونه واصوله على ايدي الهولنديين المسلمين او المسلمين المتغربين, ولقد ادرك ابناء الجالية الاسلامية هدف اللعبة الهولندية فقامت الدنيا ولم تهدأ حتى الان بين ابناء الجالية رفضا لهذا المشروع الهولندي الذي يرمي الى السيطرة التامة على الاسلام والمسلمين وتسييسه واخضاعه للبنود الهولندية, ومنذ ذلك الاعلان في نهايات العام الماضي والمسلمون في هولندا لم يهدأ لهم بال او يغمض لهم جفن لانقاذ الاسلام من الوقوع في براثن الايدي الهولندية (فهلدنة الاسلام) ستعني ضياعه وتغريبه عن قواعده واسسه القويمة, ومن هنا كان الاسراع بانشاء الكلية الاسلامية قبل ان تبذر الحكومة بذرة المعهد الديني الاسلامي الهولندي, ونجح المسلمون الواعون في اثبات ان التعليم الاسلامي سيقوم بدور كبير وفعال وايجابي في المجتمع الهولندي وسيحافظ على امنه وامانه, بوصف ان الاقليات اصبحت جزءا لايتجزأ من المجتمع الهولندي. والصعوبات التي لاقاها المسلمون ولا يزالوا يواجهونها في اثبات ترسيخ هويتهم الاسلامية والحفاظ عليها من خلال مؤسسات تعليمية لاتدخلها الايدي الهولندية مثيرة للدهشة والتعجب في بلد يدعي الديمقراطية المطلقة مثل هولندا. فقد اعتمدت الحكومة الهولندية على كوادر غير مؤهلة للاشراف على المساجد والفصول التعليمية الاسلامية منذ منتصف الستينات, وكانت تتمنى ان تبقى تعاليم الدين الاسلامي متوارثة في هذه الكوادر غير المؤهلة. وبمقارنة مايحدث على ايدي الديمقراطية الهولندية بما يحدث في بلداننا العربية التي هي اقل في التطبيق الديمقراطي بالمقارنة, نجد ان بلدا مثل مصر لم تعارض او تضع العراقيل في وجه قيام مدارس مسيحية, ولم نسمع ان القاهرة منعت افتتاح مدرسة الراعي الصالح او نوتردام دي ذابوتر الانجيلية. والتصور الوحيد المقبول لما يواجهه المسلمون في هولندا او اي دولة اوروبية اخرى, هو ان الاسلام وحده هو المستهدف وليس الاشخاص الحاملين للديانة الاسلامية, والا فما سر المنظومة الدعائية الهولندية ــ الاوروبية ــ التي تشوه صورة الاسلام والمسلمين. البحث في اجابة هذه الاسئلة سيضعنا امام حقيقة واضحة كالشمس, ان الاسلام بما فيه من ترابط وتماسك يخيف الغرب, رغم سماحة الاول وجبروت الثاني, حتى ان وسائل الاعلام الغربية ترقب المظاهرة الاسلامية في مسيرة الحجاج كل عام بعين الخوف والترقب والحذر, وترتعش قلوب الساسة الاوروبيين من هذا المشهد المهيب حول الكعبة, وسيظل الاسلام مصدر خوف للغرب حتى نثبت لهم بالعلم وحجة العقل والاقناع اننا حملة لرايات السلام والحب لا الحرب والسيف, ولن يتم هذا الا بانتشار تعاليم الدين الاسلامي المعتدل داخل البيت الاوروبي.

تعليقات

تعليقات