تقارير البيان: ملف العلاقات المصرية الامريكية ملغوم بالأزمات

تشهد العلاقات المصرية الامريكية توترا موسميا يكشف عن نفسه بين فترة واخرى ويبقى طي الكتمان غالبا, ويحرص المسؤولون في كل من القاهرة وواشنطن على نفي واستبعاد حدوث ازمة, كلما كثر الحديث عن بوادرها . ويحفل ملف العلاقات المصرية الامريكية بالكثير من التناقضات, التي توحي في ظاهره بوجود علاقات خاصة, ويكشف باطنها عن صراع يؤججه اللوبي اليهودي, ويدفع به الى حافة الازمة, وربما كان اخر فصولها التجاهل الامريكي للمبادرة المصرية الفرنسية لانقاذ عملية السلام. تأتي المعارضة الامريكية في اطار ازمة بين القاهرة وواشنطن والمستمرة بسبب المواقف المصرية التي تؤكد حرص مصر على المصالح العربية كما ذكر لـ (البيان) مصدر دبلوماسي مصري رفيع. ووفق تصريحات لوزير الخارجية المصري عمرو موسى فقد اتهم جماعات الضغط في واشنطن (بمحاولة الانتقام من الموقف المصري لمصلحة اسرائيل) . ووفق مصادر مصرية لـ (البيان) يبدو ان جماعات الضغط في الولايات المتحدة والتي تقف مباشرة خلف القرار السياسي لواشنطن لم تكتف بوسيلة واحدة لاجراءات عقابية ضد مصر بسبب مواقفها العربية فسعت الى (استخدام كل اوراق اللعبة دفعة واحدة) بدءا من اثارة ما عرف بأزمة (الاقباط) مرورا بقضية صواريخ سكود في سويسرا, وانتهاء بتدشين الهيمنة الامريكية على القارة الافريقية ومحاولة تهميش الدور المصري او بمعنى ادق اقتلاعه خاصة في منطقة شرق افريقيا التي شهدت تطورات مثيرة بنهاية شهر مارس الماضي حازت اهتمام كافة الدوائر المصرية. وحذر تقرير للموساد ــ تعمدت الاستخبارات الاسرائيلية تسريبه لوسائل الاعلام ــ من ان القوة العسكرية المصرية اصبحت تهدد السيطرة العسكرية الاسرائيلية على منطقة الشرق الاوسط وتجعل من مصر التي يتجاوز عدد سكانها 60 مليون نسمة اكبر قوة عسكرية في المنطقة. وهو الامر الذي اعتبرته مصادر مصرية (جانبا) من الضغوط التي تمارس ضد مصر بسب مواقفها القومية ودفاعها عن الحقوق العربية ورفضها لسياسات اسرائيل المتعنتة) . وفي هذا السياق اعتبرت المصادر تسريب الموساد لهذا التقرير بأنه (جانب من خطة اسرائيلية تهدف الى التضييق على قدرة مصر في شراء الاسلحة اللازمة لحماية امنها وحدودها) . ويذكر هنا ان التقرير الاسرائيلي نفسه تحدث عن (الارهاب وعدم الاستقرار السياسي في مصر) !! ويمكن تلخيص نتيجة تلك الحملات على محاور ثلاثة: الاول: النيل من الاقتصاد المصري واضعافه... وهو الامر المحقق بالفعل على ارض الواقع اذ تقدر خسائر مصر من قطاع السياحة بنحو أربعة مليارات دولار وهو مايزيد على ثلثي الدخل القومي المصري خاصة اذا ما عرفنا ان دخل قناة السويس يبلغ 1.8 مليار دولار, ودخل قطاع البترول 2.3 مليار دولار. الثاني: تشويه صورة مصر في الخارج, وبدلا من كونها داعية للسلام ومحورا فيه بالمنطقة فانها تفقد مصداقيتها لكونها تعد آلة الحرب. الثالث: وهو ما يشير اليه تقرير الموساد الاسرائيلي الاخير صراحة اذ انه بالوقت الذي يتحدث فيه عن تنامي قدرة المؤسسة العسكرية المصرية, فانه يتحدث عن الارهاب وعدم الاستقرار في مصر الامر الذي يعني ان جماعات الارهاب مرشحة بشكل او بآخر لتكون في موقع سلطوي في يوم ما وهو ما يمثل خطرا مصريا اقليميا عماده امتلاك مصر لترسانة متقدمة من السلاح وقدرة بشرية تفوق قدرات المنطقة ممثلة في أكثر من 60 مليون مصري. وعلى جانب آخر ارتبطت عملية تدشين الهيمنة الامريكية على القارة الافريقية بهجوم حاد ضد مصر ودورها الافريقي بخاصة في منطقة شرق افريقيا... وفي نفس الوقت الذي كانت قد بدأت فيه حملة سكود ــ اوائل شهر ابريل ــ والبيان الامريكي الداعي لعدم زيارة مصر بسبب خطر الارهاب, وقصة اضطهاد الاقباط التي كانت تتواصل, فقد شهدت القاهرة حملة جديدة اثيرت في الاعلام الامريكي والبريطاني وبعض الدول الغربية تتعلق بأزمة مصرية اثيوبية حول مياه النيل, وتنال بشكل مباشر من دور القاهرة في اتفاق السلام بين الفصائل الصومالية... واضافة الى ذلك تنامي وتطور العلاقات المصرية مع السودان الذي تعتبره الولايات المتحدة والغرب قاعدة للارهاب. وبعد جولة كلينتون الافريقية بأيام قليلة نجد ان (ميلس زيناوي) رئىس وزراء اثيوبيا يشن حملة عنيفة ضد مصر, ويعتبر ان اتفاق 1959 بين مصر والسودان بشأن مياه النيل والذي تم بموجبه موافقة السودان على انشاء السد العالي يهدر حقوق الآخرين ويقول بوضوح (كأنه ليس هناك اي وجود للدول التسع الاخرى على حوض النيل) ... او ان الامر لا يعنيهم) . بل إن زيناوي لم يكتف بذلك وإنما قلل أيضا من الدور المصري في اتفاق القاهرة للسلام بين الفصائل الصومالية والذي تم بوساطة مصرية, مشيرا إلى أنه لا يحقق طموحات عدد كبير من القبائل الصومالية. وقبل ذلك بنحو عشرة أيام شهدت منطقة شرق أفريقيا قمة غير مسبوقة دعا إليها الرئيس الأمريكي بيل كلينتون ليشارك فيها كل من أوغندا التي اتخذها كلينتون مقرا لاقامته وكينيا, تنزانيا, رواندا, الكونغو الديمقراطية, أثيوبيا, زيمبابوي بوصفها الرئيس الحالي لمنظمة الوحدة الافريقية, واريتريا. ووفق مصادر موثوقة لـ (البيان) فإن مباحثات قد جرت بين الرئيس الأمريكي والمشاركين بالقمة بشأن وضعية جنوب السودان تهيئة لدعم قرنق في انفصاله بالجنوب, وتمهيداً لقيام دولة جديدة يترأسها الزعيم الجنوبي في إطار صفقة تمثلت في دعم أمريكي تنموي لهذه الدول. تم ذلك في السابع والعشرين من مارس, وفي اليوم نفسه في كامبالا ووفق المصادر نفسها جرى لقاء بين كلينتون وجون قرنق - رغم نفي واشنطن وأوغندا - بأحد الفنادق الكبرى الذي يأتي ضمن سلسلة عالمية, وبعد ساعتين من مباحثات كلينتون وقرنق التي تمت في إطار من السرية المطلقة شهدت كامبالا إجراءات غير معتادة لتأمين سرية نقل أسلحة من بعض الطائرات العسكرية التي وصلت في وقت سابق إلى مناطق غير معلومة, وفيما يبدو أنها كانت إحدى ثمار علاقة خاصة جدا بين واشنطن وقرنق. وبالقطع فإن ما حدث في شرق إفريقيا لايمكن وصفه بأنه مجرد (رياح خماسينية) تهب على مصر قدر ما يمكن وصفه بأنه (عاصفة عاتية) تحاول اقتلاع الجذور المصرية من هذه المنطقة فلقد مثلت جولة كلينتون في إفريقيا ضربة أخرى للدور المصري خاصة في إطار منظمة الوحدة الافريقية. ويمكن القول ان الأزمة في العلاقات المصرية - الأمريكية تجاوزت حد التوترات من حين إلى آخر إلى حد المواجهة وإذا كانت (جماعات الضغط في الولايات المتحدة تحاول الانتقام من الموقف المصري لمصلحة إسرائيل) فلن نحتاج الى قدرة كبيرة للاستنتاج العقلي الذي يقول ان تلك الجماعات تسيطر عليها الحركة الصهيونية, وهي بالتالي تضغط على صانع القرار الامريكي بداية من فرض الآراء مرورا بالانتخابات الرئاسية, ومن ثم فيبدو ان أمريكا كلها تعمل ضد مصر لصالح اسرائيل وبهدف تهميش دور مصر التي تصر على انحيازها للحق والعدل وقضايا أمتها العربية وإرساء أسس جديدة لعلاقات دولية تقوم على الندية والتوازن والسلام. وتحاول الولايات المتحدة ايضا عرقلة الجهود المصرية لإنقاذ السلام رغم أنها بدأت تنسحب من دورها في رعاية التسوية السلمية وهو الأمر الذي ينذر بعواقب وخيمة قد تفجر الأوضاع بكاملها في الشرق الأوسط. القاهرة ـ أحمد رجب

تعليقات

تعليقات