عبد المجيد فريد رئيس مركز الدراسات العربية في لندن لـ (البيان) : عمق العلاقات العربية التركية يفرض تجاوز

ايمانا من ان العلاقات بين العرب وتركيا علاقات ذات جذور بعيدة تواصلت عبر عدة قرون تجسدت في كيان واحد عرفناه تاريخيا باسم الامبراطورية العثمانية, وفي مسعى لا يكل لايجاد مناخ يساعد على فهم متبادل من اجل علاقات اقوى واعمق يكرس عبد المجيد فريد رئيس مركز الدراسات العربية في لندن والوزير السابق وامين عام رئاسة الجمهورية في مصر خلال عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر جزءا كبيرا من وقته وجهده لتناول هذا الموضوع من خلال المركز الذي يقوم على رئاسته, وفي هذا الاطار ناقش المركز من خلال الدورية التي يصدرها تحت عنوان (الباحث العربي) هذه القضية في اكثر من عدد, تزامنت مع تصاعد نبرة الحديث بشأن العلاقات العربية التركية على مدى خلفية عدد من القضايا لعل ابرزها العلاقات التركية مع اسرائيل والتي يرى العرب انها علاقات تصل الى مستوى التحالف ما يضر بامنهم القومي, وقضية التعامل مع الاكراد, هذا الى جانب قضية مياه الفرات في ضوء الدراسات المختلفة التي ترجح ان الحروب المقبلة, خاصة في منطقة الشرق الاوسط ستكون حروبا على مصادر المياه. وتكثيفا لمسعى محاولة التقريب بين الجانبين العربي والتركي على الاقل لحصر نقاط الخلاف ما يساعد في التوصل الى حلول لها نظم مركز الدراسات العربية ندوة دولية في لندن اواخر ابريل الماضي بعنوان (العلاقات العربية - التركية ... الحاضر والمستقبل) دعا اليها عددا من السياسيين والاكاديميين من الطرفين, فضلا عن بعض الباحثين المتخصصين في قضايا الشرق الاوسط. (البيان) انتهزت فرصة زيارته لدبي مؤخرا للقيام بمهمة خاصة واجرت معه هذا الحوار؟ - لماذا تركيا بالذات؟ اقصد لماذا ينصرف جانب من جهد مركز الدراسات العربية في لندن تحت رئاستكم لتناول هذا الموضوع؟ - يمكنني القول ردا على تساؤلك ان هناك اسبابا عديدة لذلك ابسطها الاسلام والذي كان ومازال يشكل الرابطة الروحية التي تجمع العرب وتركيا, فالثقافة الاسلامية هي التي كللت المناخ الاجتماعي الذي ترك اثره في مجموعة القيم والعادات والتقاليد لدى كل من العرب وتركيا على السواء, واذا فتشنا في جذور بعض العائلات العربية فسوف نجد منها اصولا تركية. والعكس كذلك صحيح ان فتشنا في جذور بعض العائلات التركية فسوف نجد فيها اصولا عربية الى هذا الحد وعلى ذلك القدر امتزجت الدماء العربية والتركية تحت راية الاسلام. واذا تطرقنا الى التاريخ فسوف نجد نموذجا آخر لتجسيد هذه الوحدة في مصر حتى قام احمد عرابي برفع مطالبه الى خديوي مصر توفيق باشا عام 1881 ... كانت انتفاضة عرابي ضد الخديوي الحاكم في مصر ولكنها لم تكن ضد الباب العالي في الاستانة, وفي موقف آخر للزعيم المصري مصطفى كامل دعوته لطرد الاحتلال البريطاني من مصر فانه ايضا لم يدع الى فصل مصر عن الدولة العثمانية. واذا كان مجمل الاوضاع السياسية الدولية والاقليمية قد قاد في النهاية الى تمزيق الدولة العثمانية ووضع الدول العربية تحت رايات الحماية والوصاية والانتداب البريطاني والفرنسي ووضعت تركيا في اطار حدود جديدة فان ذلك لم يلغ عدة قرون من الزمن تعايش فيها العرب مع الاتراك ونسجت علاقات ثقافية واجتماعية لابد وان يكون لها مردودها في مد جسور التعاون والصداقة بين الشعوب ... بين العرب والاتراك ... فلقد جمعت بينهم عوامل عديدة .... جمع بينهم التاريخ بحركته واحداثه في وحدة بقيت قرونا عديدة. جمع بينهم الدين بقيمه وتعاليمه وطرح الثقافة الاسلامية لتشكل وجدانا واحدا, جمعت بينهم الجغرافيا في حدود مشتركة لتشكل في صورة ابدية وحدة الجوار التي لا تنفصم وان كانت السياسة قد مزقت الكلمة في بعض القضايا فانها لا يمكن ان تغير ما فرضته علوم الجغرافيا والتاريخ والعقيدة الواحدة. هذه كلها جوانب لابد ان نعيها حتى نخوض في موضوع العلاقات العربية التركية بعمق وسط ادراك وفهم حقيقي لابعاد هذه العلاقات. وهنا يهمني ان اشير الى انه رغم اجتهادات السياسة اختلفت وطرحت بعض الرؤى المغايرة تحت اعتبارات سياسية واقتصادية وامنية واحيانا تحت ضغط المصالح الآنية, فان تلك من وجهة نظرنا تمثل استثناءات لا ينبغي ان تتعارض مع احكام التاريخ والجغرافيا ولو ان هناك قضايا مثل التعاون العسكري التركي الاسرائيلي وقضية توزيع مياه الفرات لايمكن ان تكون استثنائية ... انها قضايا رئيسية تمس الامن القومي العربي ... ان التباين بين المواقف العربية والتركية امر وارد, لكن على الدوام كانت هناك الرغبة المشتركة في البحث عن نقاط الاتفاق وتضييق شقة الخلاف ما امكن ان لم يكن تلافيها. ومن هنا جاءت الندوة التي دعونا اليها في مركز الدراسات العربية كمركز تعنيه بالدرجة الاولى المنطقة العربية وقضاياها وتشابكها مع قضايا اقليمية ودولية اخرى, ويعطى اهمية فائقة لدول الجوار وتأتي في المقدمة تركيا. وقد تفضل وزير الخارجية المصري عمرو موسى مشكورا بارسال مساعده المسؤول عن اوروبا وتركيا السفير محمد فتحي الشاذلي لحضور الندوة, كما اتصلنا بالجانب التركي الذي تحفظ في البداية ثم وافق على ارسال السفير المسؤول عن التخطيط السياسي في وزارة الخارجية التركية. - وماذا عن سوريا وهي طرف رئيسي؟ - لقد حاولنا ان تكون سوريا ضمن المشاركين وبالفعل اتصلنا بهم, غير انه لظروف خاصة لم تستطع دمشق ان ترسل مندوبا عنها, لكن السفير الشاذلي عوض غياب سوريا وتكلم عن الموقف العربي وليس الموقف المصري فقط, وقد كان موفقا في ذلك. أزمة هوية - في تقديرك الشخصي ماهي مشكلة تركيا بشكل عام؟ - المشكلة الاساسية التي تواجهها تركيا وتلقى بتأثيراتها على سياساتها الداخلية والخارجية هي مشكلة الهوية, وهي مشكلة تعاني منها تركيا منذ حكم اتاتورك. والسؤال الذي لابد اجابته في هذا الخصوص هو : هل تركيا دولة اسلامية شرق اوسطية تتعامل مع الشرق بصفته بوابة الى اوروبا؟ ام هي دولة اوروبية تتعامل مع الشرق الاوسط على انه مندوب اوروبا. وقد اشار الى هذا السفير فتحي الشاذلي, وهو اما اثار حساسية لدى الجانب التركي, حيث اوضح ان تركيا تواجه قضية البحث عن هوية, وانه حتى تحل هذه المعضلة ستظل سياساتها تعاني من الارتباك الحاد خصوصا فيما يتعلق بالسياسة الخارجية, فلدى تركيا رؤية حساسة تنظر بمقتضاها الى جيرانها باعتبارهم يشكلون خطرا عسكريا وهذا يعود الى الفترة الكمالية التي اعطت المؤسسة العسكرية دورا مهما, وحتى تحل قضية الهوية ستستمر هذه التوترات قائمة مما يعكر طموح تركيا في لعب دور اقليمي في المنطقة. وقد اشار السفير الشاذلي في هذا الصدد الى مظاهر عديدة لمشكلة الهوية ومنها سحب التأييد والمشروعية لحزب كان يحكم من خلال البرلمان باغلبية فقد تم تجريده وعزله, وهناك ايضا ضغط بعض القوى لعدم الاعتراف بشهادات صادرة من جامعات اسلامية منها جامعة الازهر ... هذا الى جانب عشرات الادلة الاخرى لعل من بينها ما حدث في شهر ديسمبر الماضي عندما رفض الاتحاد الاوروبي انضمام تركيا اليه وما عبرت عنه القمة الاسلامية من ملاحظات سلبية تجاه اجراءات في تركيا. الخلاصة ان هناك ازمة تحديد للهوية واضحة بسبب مصطلح ومفهوم مضطرب هو العلمانية, فالاسلام ليس لديه مواجهة مثلما حدث في العالم المسيحي بين القيصر والبابا, الكنيسة والدولة, لذلك فان تفجير الصراع حول هذا المصطلح يعبر عن ازمة هوية لا تحتاج الى تدليل, فالعلمانية لا صله لها بالواقع الاسلامي حيث يبني الشخص المؤمن قاعدة ايمانه على قواعد اسلامية معروفة, اما موضوع الدولة له قوانينه التي تسيره وتحكم فيه ... لذلك فان موضوع العلمانية في العالم الاسلامي ليس له هذا المحل القائم في الثقافة المسيحية. - ولكن كيف يمكن الربط بين ازمة الهوية والعلاقات التحالفية مع اسرائيل ... مثلا؟ - الامر ببساطة ان تركيا الطامحة الى لعب دور مؤثر وفعال اقليميا تجد امامها عددا من العراقيل التي تفوق طموحها وتبرز هنا اليونان والمشكلة القبرصية لقد توصل الاتراك الى (استنتاج مؤداه وجود مشكلات تعوق مخططاتهم بسبب الدور اليوناني) ورغم ان علاقاتهم قوية مع الولايات المتحدة, الا ان اللوبي اليوناني هناك على درجة عالية من التواجد والتأثير لدى الادارة الامريكية, ولذا فان اي محاولات من جانبهم لاتخاذ مواقف معينة وكسب التأييد الامريكي لها تصادف الفشل بسبب اللوبي اليوناني, وهنا تقدم اللوبي الصهيوني لخدمتهم بحكم تواجده الاقوى ... وكان الطرح انه مستعد لعمل توازن مع اللوبي اليوناني بشرط الدخول في مزيد من التحالفات مع اسرائيل. - هذا الصراع يثير تساؤلين اولهما حول مدى الحاح مشكلة العلاقات مع اليونان بما يدفع تركيا الى الانصياع لمطلب اللوبي الصهيوني والثاني وضعية العرب في السياسة التركية وعدم الاهتمام بالدخول في علاقة قد تثير غضبهم؟ - لعل قراءة في السياسة التركية تجيب عن الشق الاول من سؤالك ... فانقرة في ازمة مع اليونان بسبب المشكلة القبرصية منذ عقود. اما بالنسبة للعلاقات مع العرب فرغم ماقد يقال عن وجود روابط وثيقة, فان الاتراك يأخذون على العرب مواقفهم المؤيدة لليونان بشأن قبرص ... وفي ذاكرة الاتراك حتى الآن موقف عبد الناصر مع الرئيس القبرصي مكاريوس, بل ان البعض يعيد الى الاذهان الثورة العربية الكبرى على تركيا في اوائل القرن وبالطبع فان انقرة في مواجهة العرب تحاول ان تبرر موقفها بالقول بان علاقتها مع اسرائيل علاقات عادية مثل علاقاتها مع اية دولة اخرى وان كانت الحقيقة ان علاقات الجانبين تحالفية. ميراث المشكلة القبرصية - ولكن الحقائق تشير الى مساندة محدودة لتركيا بشأن موقفها من قبرص؟ - على العكس ويكفي هنا ان اشير الى انه لاتوجد دولة عربية واحدة او حتى اسلامية تعترف بقبرص التركية والتي لاتعترف بها سوى تركيا نفسها, قد لا يكون العرب اتخذوا مواقف عدائية مباشرة تجاه الموقف التركي بشأن قبرص ولكن نقطة عدم الاعتراف تمثل من وجهة نظر تركية - خذلانا لانقرة - ومن الواضح انهم كانوا يتوقعون في هذا الشأن ان تقف الدول العربية والاسلامية الى جوارهم باعتبار ان الازمة تأخذ شكلا دينيا فيقف العرب المسلمون معها باعتبارها في صراع مع اليونان المسيحية. - اذا اعتبرنا ان المشكلة القبرصية من ميراث الماضي في العلاقات العربية التركية ... كيف يمكن لنا تجاوز هذه المشكلة واحتواء السياسة التركية حتى لاتمارس دورا يكون مناوئا للعرب؟ - في تصوري ان الجانب الاقتصادي يبرز هنا والذي من المتصور انه يمكن ان يلعب دورا رئيسيا في الفترة المقبلة. والنقطة التي يطرحها البعض هي لماذا لا يكون هناك لوبي عربي في تركيا يكون له مصالح مع المنطقة العربية يمارس بسببها ضغوط على الحكومة التركية. - وماهي في رأيك شكل المصالح بين العرب وتركيا؟ - هي اساسا مصالح اقتصادية ممثلة في عمالة وفنيين وشركات مقاولات تركية في المشروعات العربية, الى جانب السياحة ففي مجال السياحة وشركات المقاولات والبناء نرى ان الشركات التركية حققت من عقود العمل والبناء في الدول العربية 16.1 مليار دولار وفي مجال السياحة زار 80 الف اسرائيلي في عام 1996 تركيا, بينما زار 120 الف سوري تركيا في الفترة نفسها, هذا رغم الخلاف السوري التركي. اذن المنطق يقرر ان المصلحة التركية مع الجانب العربي يمكن ان تفرض نفسها على شكل العلاقات. - ولكن من الواضح ان الامر يتجاوز نطاق المصالح المشار اليها وهو ما يشير اليه سلوك تركيا العدائي بشأن مياه الفرات؟ - المشكلة ان تركيا تقدم مبررات في هذا الصدد وينبغي الرد عليها بايضاح وجهة النظر العربية ... وهنا تزعم انقرة انها ليست غنية بمصادر المياه وان هناك مياها كثيرة متدفقه الى سوريا وان الحدود التي تقيمها على الفرات تسمح بفتح وتنظيم وصول مياه الى سوريا وخصوصا في فصل الصيف , وانها تقترب من موضوع المياه برغبة في التعاون مع العراق وسوريا ضمن مشروع يركز الاستفادة القصوى من المياه عبر عدة مراحل, غير ان سوريا والعراق اشارتا منذ فترة غير قصيرة الى ان تركيا خفضت كميات المياه الواردة اليهما عبر الفرات, وارى ان هذا الموضوع يمكن حسمه من خلال اللجنة الثلاثية المشتركة بينهم, وهي تضم متخصصين من كافة الاطراف. - وماذا عن مشروع انابيب المياه الذي طرحه الجانب التركي ... هل يمكن ان يدخل ضمن المصالح الاقتصادية التي ترى الاعتماد عليها؟ - بالطبع لا. فهذا مشروع يخدم اسرائيل اساسا ولا يجب علينا ان نشترك فيه ... ان المطروح شكلا هو افادة دول الخليج, ولكن الهدف الحقيقي هو الحصول على تمويل خليجي, هذا من ناحية ومن ناحية ثانية فانه يجب الا تعتمد دول الخليج على مصدر للمياه, يقع بايد غير عربية .... فهذا الامر له تأثيرات سلبية على المدى الطويل حيث يضعنا تحت رحمة الطرف الذي يمدنا بالمياه والتي يمكن وقفها تحت اي ظرف يراه هذا الطرف مناسبا له. مخاطر عديدة وسط تنامي مشاعر القلق العربي من التحالف الاسرائيلي التركي ... ماهي من وجهة نظرك مخاطر هذا التحالف؟ - انها مخاطر عديدة وهي كلها تصب في خانة المساس بالامن القومي العربي فوفقا لبنود التحالف فان من الممكن للطائرات الاسرائيلية ان تستخدم القواعد التركية الموجودة في شمال شرق تركيا, وهي قواعد تغطي العراق وشمال الخليج وسوريا ... وهو ما يحولها بالتالي الى قواعد اسرائيلية في الواقع العملي ... من ناحية ثانية يتمثل خطر التحالف في قضية المعلومات حيث ان الحدود التركية مفتوحة على المنطقة العربية بالكامل خاصة في الخليج من خلال العراق ... ولعدم وجود سلطة مركزية في العراق فان المنطقة مفتوحة بالفعل على ايران, وهي دولة خليجية بغض النظر عن كونها غير عربية ... فضلا عن مخاطر اخرى عديدة كلها تمثل تهديدات للامن العربي ... ولا يجب ان تخدعنا هنا المقولات التي ترددها تركيا, والتي تؤكد ان الاتفاقيات مع اسرائيل غير مختلفة عن اتفاقات اخرى وقعتها تركيا مع دول عربية, وان جرى تضخيم هذه الاتفاقية على المستوى العربي. - ولكن هل يمكن ان يصل التحالف الى حد المشاركة التركية الى جانب اسرائيل في حالة وقوع حرب عربية اسرائيلية؟ - في رأيي وحسب قراءات لسياق العلاقات التركية الاسرائيلية واعتبارات اخرى عديدة فان هذا غير وارد صحيح ان الامر يتجاوز كونه تدريبات محدودة مثل تلك التي تربط الولايات المتحدة مثلا مع بعض دول المنطقة. الا انها لا يمكن ان تصل الى المشاركة في حرب. - هذا يعيدها الى سؤال طرحناه كيف يمكن تحييد تركيا؟ - اقول ان تركيا جغرافيا ستبقى في مكانها الى ماشاء الله, وتاريخيا واسلاميا هي دولة جارة وقريبة لنا وعلينا ان نواجه الواقع ونتعامل في اطاره ... وهذا الواقع يقول ان المدخل الاساسي هو تنمية العلاقات الاقتصادية وهي الوحيدة التي يمكن ان تؤثر على القرار التركي ... فليس من المطروح ابدا على سبيل المثال - العدوان على تركيا لانشائها علاقات مع اسرائيل. وعلى هذا اؤكد ان الاقتصاد هو المدخل الى هذه القضية اما ان نرضا بما امامنا ونقف سلبيين فهذا لا يعد تحركا سليما ... وأما علينا ان نتحرك في المجال الذي نستطيع التحرك فيه. تحرك مناسب - لقد تحركت مصر في ذات الاطار الذي نتحدث عنه ورغم ذلك لم تنجح في اثناء تركيا عن سياستها؟ وكانت تصريحات الرئيس التركي ديميريل خلال زيارته للقاهرة اواخر العام الماضي ذات دلالة واضحة في هذا المجال؟ - لا يمكن ان تتحرك اليوم وتنتظر النتيجة في الغد نحن نتعامل مع سياسات تصنع على المدى الطويل ... ومن هنا يبدو ان التحرك المصري حالفه التوفيق حتى لو لم يؤد الى نتائج سريعة. فكما قلت لايجب ان نقف مكتوفي الايدي امام قضايا مصيرية ... مع اننا لدينا الامكانيات التي تساعدنا على الحركة. وابرزها القدرات الاقتصادية فدول الخليج مثلا يمكن بشكل خاص ان تستخدم الجانب الاقتصادي كورقة ضغط للتقليل من الاثار السلبية للعمل التركي مع القوى المعادية وهي اسرائيل. وهنا فانني ادعو الى خطوات عملية على صعيد تكثيف التعاون الاقتصادي الذي ارى فيه مجالا لتحييد تركيا, ومن ذلك انه يمكن عقد اجتماعات لاقتصاديين من الجانبين التركي والعربي, بل ويمكن ان تنضم ايران الى مثل هذه الاجتماعات لبحث انشاء شركات مشتركة سواء في مجال الاستثمار او التصدير والاستيراد او التبادل التجاري بين هذه الكيانات الثلاثة ... تركيا, ايران, والعرب. وهنا فانني احقق مكسبا مزدوجا حيث ان لقاءات اقتصاديا بهذا الشكل وبمشاركة هذه الاطراف يمكن ان توفر لي صيغة بديلة للمؤتمر الاقتصادي للشرق الاوسط الذي ترعاه الولايات المتحدة ويستهدف ادماج اسرائيل في المنطقة العربية. فهذا في تصوري شكل عربي اسلامي يمكن ان يشمل دولا عربية اخرى وبالتالي نفوت الفرصة على محاولات ادماج اسرائيل بالمنطقة. - لكن من الواضح ان الجانب العربي يفضل اعتماد بدائل اخرى ... يستخدمها كاوراق ضغط ومن ذلك ما اتى عن تحالف يمكن اقامته بين سوريا واليونان؟ - دعوتي للتعاون كمدخل لاتنفي امكان سلوك مداخل اخرى لتجاوز المشاكل في العلاقات العربية التركية ... لكن ما اراه ان التعاون يجب ان يكون هو المدخل الاساسي وقد يكون هناك اتجاه في سوريا لاستخدام العلاقات مع اليونان كوسيلة للضغط على تركيا, لانه لا يمكن تصور وصول العلاقات بينهما الى مستوى تحالف, هذا ايضا مشروع لكن لا ينبغي اغفال المداخل الاخرى, واتصور ان السياسة السورية متنبهة لذلك وهو ماقد يفسر وجود تحسن في العلاقات السورية التركية مؤخرا. - يتردد ايضا ان مصر تعتزم تكثيف علاقاتها مع اليونان على نفس الخلفية ؟ وهو ما اثار غضب الجانب التركي؟ - من الطبيعي ان يستخدم كل طرف مالديه من امكانيات للتأثير على مواقف الطرف الآخر, فالسياسة هي فن الممكن ... غير اني لا اتصور ان التحركات العربية تمت بشكل اتخذ شكل العداء تجاه تركيا, فاذا كان وزير الدفاع المصري زار اليونان, فقد زار رئيس الاركان التركي اسرائيل, كما انه زار مصر ايضا ... كل هذه تحركات سياسية ينبغي الا نبالغ في اساءة فهمها. اسلاميو تركيا - من النقاط التي تفرض تحفظا على مدخل التعاون كوسيلة لتغيير السياسة التركية ... ان الضغط الداخلي من التيار الاسلامي ذاته لم ينجح رغم قوة هذا التيار ... بل انه تم قمع هذا التيار من قبل العسكر ... الا يبدد ذلك الامال في تعديل مسار السياسة التركية؟ - لقد اثرنا هذه النقطة مع الاتراك خلال الندوة التي اشرت اليها وكان ردهم انه يجب العودة الى الدستور ... وهو ينص على الفصل بين الدين والدولة ... وانه على هذا الاساس اذا كان هناك حزب حاكم يتغاضى عن هذا الشرط فانه من الطبيعي ان يتدخل الجيش لفرض الدستور بغض النظر عن العواقب التي ستلحق بهذا الحزب وهنا لايجب ان ننسى سيطرة العسكريين وتأثيرهم على الحكم في تركيا. وانا اتصور انه في ضوء الحساسية التركية بشأن ازمة الهوية التي عرضت لها فانه من الافضل لنا عربيا الا نتدخل في هذا الشأن لانه يثير حفيظة الاتراك . وقد يأتي مثل هذا التدخل بمردود عكسي ... واشير هنا الى مواقف رئيس الوزراء السابق نجم الدين اربكان فان مواقفه , خاصة تصريحاته في دولة مثل ليبيا كانت سببا في لفت انظار العسكريين له بشكل كبير وبالتالي الترصد له الى ان كان ماكان. مشكلة الاكراد - الى جانب ما سبق تبقى مشكلة الاكراد كضلع اساسي في مثلث المشكلات العربية مع تركيا ... في رأيك كيف يمكن تجاوز هذه المشكلة؟ - مشكلة الاكراد تثير على الفور قضية الاقليات في عالمنا العربي ... وفي هذا الخصوص اتذكر انني توجهت للعراق عام 58 عقب قيام ثورة عبد الكريم قاسم, كممثل عن ثورة 23 يوليو واذكر انني التقيت الزعيم الكردي البارزاني والد مسعود البارزاني القائد الحالي وقلت له رأى عبد الناصر في المشكلة يتلخص في الاعتراف بان للاكراد ثقافة وعادات وتقاليد وتاريخا خاصا, يجب ان يحترم في المنطقة الكردية اما ان نوافق على انفصال الاكراد في دولة مستقلة عن دولة عربية, فهذا غير مسموح وغير وارد في سياسة مصر .. واكدت له انذاك اننا لسنا مع انفصال الاكراد وانما مع الحكم الذاتي في الاراضي الموجودين عليها وانهم يجب ان يعملوا في هذا الاطار. وهذه السياسة تنطلق من الرغبة في الحفاظ على اواصر الوطن العربي حيث هناك اقليات عديدة في جنوب السودان والمغرب العربي وغير ذلك وفتح الباب للاستقلال يمكن ان يؤدي الى تفتيت اجزاء عديدة من الوطن العربي ... في هذا الاطار ارى ان يحصل اكراد العراق على الحكم الذاتي ... - ولكن تركيا تستغل هذه القضية في غزو شمال العراق ويتخوف البعض من ان يصل الامر حد اقتطاع اجزاء منه او اقامة نموذج مشابه للشريط الحدودي المحتل في جنوب لبنان؟ - في رأيي ان ذلك يحمل قدرا من المبالغة .... والمؤشرات تقول - على الاقل حسب تصريحات المسؤولين الاتراك . ان دخول القوات التركية لشمال العراق انما يأتي نتيجة عدم وجود سلطة مركزية في العراق قادرة على احكام سيطرتها على الشمال ما يؤدي الى ضرورة تدخل القوات التركية لقمع حزب العمال الكردي الذي يسبب قلاقل لانقرة. وفي ضوء هذا التفسير يمكن التعامل مع الامر بقدر من الحذر. - هذا يعني ان المشكلة ستنتهي مع استعادة العراق عافيته ؟ - نعم ... فهذا يعني سيطرة العراق على الاوضاع في الشمال وبالتالي وقف اي اعمال تراها تركيا عدائية تجاهها من الاكراد. - ولكن ماذا عن اتهام انقرة لسوريا بتأييد ومساندة حزب العمال وهو ما يعد بؤرة اساسية للتوتر في العلاقات بين الدولتين؟ - في ضوء غياب معلومات موثقة يصعب الادلاء برأي في هذا الموضوع ... والامر لا يتجاوز في رأيي مجرد اتهام تركي .. تنفيه سوريا حيث تؤكد دمشق انها ليست مقرا للحزب اونشاطاته غير انني ارى ان سيادة مناخ من التعاون يمكن ان يؤدي الى تجاوز مثل هذه الخلافات. اجرى الحوار - مصطفى عبد الرازق عبد المجيد فريد يتحدث لمندوب (البيان) الجوار الجغرافي والروابط التاريخية تعمق العلاقات بين العرب وتركيا

تعليقات

تعليقات