قضية عربية : العلاقات المصرية ــ الامريكية الى اين

ثمة توتر لا تخطئه العين بين مصر وامريكا, اخذ يكبر مثل كره ثلج يوما بعد الآخر, ملقيا ظلالا كئيبة على العلاقة التاريخية بين الدولتين والتي اتسمت بالدفء في احيان, وبالحرارة في احيان كثيرة . بدأ مسلسل التوتر بين القاهرة وواشنطن مع تعثر عملية السلام في الشرق الاوسط, واخذ مداه مع التحركات المصرية ذات الطابع الاستقلالي ازاء العراق وليبيا واخيرا السودان, وهي تحركات لم تنظر اليها امريكا بعين الرضا. وجاءت قضية قطع المعونة الامريكية عن مصر لتزيد الطين بلة, قبل ان يتفاقم الامر بالاثارة الامريكية لقضية ما سمي باضطهاد الاقباط في مصر وادراج مصر ضمن قانون للكونجرس ضد الدول التي تضطهد الاقليات الدينية. ترى ماذا تريد امريكا من مصر؟... وماذا تريد مصر من امريكا؟ واشنطن تعطي بيد وتأخذ بأخرى... وتستفيد هي: المعونة... سم أمريكي في الدسم القاهرة ـ أحمد صفي الدين ــ ماجدة السيد تلوح واشنطن من حين لآخر بورقة وقف المعونات الامريكية عن مصر, كعنصر ضغط على الحكومة, كلما تأزم الوضع بين العاصمتين, او سعت واشنطن لتمرير هدف معين هنا او هناك. وفكرة قطع او تخفيض المعونة لا تطفو على السطح عند وقت معين, لكنها تطفح, كطفح جلدي, وترتفع الصيحات المطالبة بها في حالة اتخاذ مصر لموقف مستقل ازاء هذه القضية او تلك, كما حدث من قبل مع العراق, ويحدث بين الحين والآخر في الموقف من قضية السلام مع اسرائيل. ومع تكرار التهديد بتقليل المعونة او قطعها, تأتي الاسئلة.. ما هي طبيعة المعونة الامريكية الى مصر؟ وهل سيضر قطعها بالاقتصاد المصري؟ وما هي المزاعم التي تدفع الولايات المتحدة من حين الى آخر للتهديد بها؟ وما هي الحلول البديلة في حالة قطعها؟ المعونة العجيبة حصلت مصر على اكثر من 20 مليار دولار من المعونة بواقع 800 مليون دولار سنويا منذ ان بدأت عام 1975. وتحت ستار المعونة يعمل في مصر اكثر من 26 ألف خبير امريكي ويحصلون على 35% من اجمالي قيمتها سنويا, وهؤلاء الخبراء موزعون على قطاعات التعليم (11) الف خبير, ثمانية آلاف في قطاع الزراعة, وخمسة آلاف في مجال البنية التحتية والخدمات اما الباقون ويصل عددهم الى الف خبير يعملون في مراكز البحوث العلمية والمعلومات والارصاد الجوية واسواق المال والعقارات المصرية. الاكثر من ذلك انه يوجد (22) مكتبا وخبيرا امريكيا يعملون في عمليات اصول الشركات العامة المطروحة للبيع ويحصلون على 35 مليون دولار سنويا في شكل اجور ورواتب وحوافز ورسوم ويتم تقسيم المعونة على النحو التالي: 200 مليون دولار نقدا تحصل عليها مصر, و200 مليون اخرى توجه لبرنامج الاستيراد السلعي الذي يقدم الاموال بطريقة ميسرة للقطاع الخاص لكي يستورد من امريكا الآلات والمعدات و400 مليون دولار توزع على القطاعات المختلفة كالصحة والتعليم والبيئة والبنية الاساسية ومشروعات المياه والصرف الصحي. وتشير البيانات الى حصول 1200 مورد امريكي من 47 ولاية امريكية على مليار و634 مليون جنيه خلال العشر سنوات الماضية مقابل معدات وآلات تم توريدها لمشروعات المعونة في مصر اي ان هناك 1200 شركة امريكية استفادت من عملية دوران الاموال وحصلت على ما يعادل 20% من حجم المعونات التي حصلت عليها مصر بالاضافة الى 60 شركة مقاولات امريكية تعمل في مصر وتتولى تنفيذ مشروعات المعونة وهذه الشركات تحصل على العمليات وتسندها من الباطن لشركات مصرية. وفي تعليق لجون ويسلي مدير هيئة المعونة الامريكية بالقاهرة على ذلك قال: لا مبرر ان تذهب الاموال الامريكية لشركات فرنسية او المانية طالما ان هناك شركات امريكية تستفيد بها... واضاف: المواطن المصري لا يستطيع ان يشعر بأهمية المعونة لأن حجمها لا يزيد على 850 مليون دولار سنويا في حين ان الناتج القومي لمصر يقدر بـ 70 مليار دولار اي ان نسبتها واحد في المائة من اجمالي الناتج القومي لمصر. منح لا ترد وتشمل أموال المعونة في جزء منها منحا لا ترد, سجل عام 1995 تقديم حوالي عشر منح قيمتها 416 مليون دولار, خصصت فيها اعتمادات لتطوير وتحديث محطات كهرباء, وتحسين الهواء في القاهرة ويشرف على هذه المشروعات خبراء امريكان فضلا عن منحة لرجال الاعمال و200 مليون لبرنامج الاستيراد السلعي من امريكا الذي حصل منه الوكلاء والموردون الامريكيون على 25 مليون دولار... وفي عام 97 تم تخصيص مليوني دولار للعمل في الحاصلات الزراعية بالاشتراك مع الخبراء الامريكان. وتحظر المعونة عدم قيام الحكومة المصرية باقراض الشركات المصرية التي تزيد فيها مساهمات القطاع العام عن 40% واستفادت نحو 1400 شركة امريكية من وراء هذا البرنامج خلال 3600 صفقة مولتها المعونة في برنامج السلع الامريكية لمصر تحت هذا البند. استيراد معدات امريكية في دراسة اعدها المركز المصري للدراسات الاقتصادية عن المعونة كشفت عن انه يتم استقطاع نسبة 10 ــ 15% من المعونة لاستيراد معدات صناعية امريكية بالرغم من ارتفاع اسعارها, وعدم استفادة الحكومة المصرية في بعض الحالات حين لا تجد بعض المشروعات المصرية المعدات اللازمة لها بالاسواق الامريكية, وهو ما حدث في مشروعات كباري جنوب وشمال القاهرة ومشروع استكمال الطريق الدائري.. واشارت الدراسة الى ان المعونة رفضت منح مصر 200 مليون دولار نقدا من برنامجها الا بعد تنفيذ شروط الحكومة الامريكية في زيادة اسعار الكهرباء, ونقل ملكية محطات الصرف الصحي للقطاع الخاص. وكشفت الدراسة ايضا عن ان اجمالي الاستشارات والمساعدات الفنية وصلت الى اربعة مليارات دولار خلال الـ 20 سنة الماضية حيث تتراوح قيمة المكافآت التي يحصل عليها الخبير الواحد ما بين ستة وعشرة آلاف دولار شهريا حسب سنوات الخبرة, وبرر ويسلي مدير المعونة في مصر ذلك بأنه يصعب ان تعمل المشروعات التي تمولها المعونة بدون خبراء متخصصين في ظل ندرة الخبرات الفنية في مصر مؤكدا ان المعونة لا تستطيع ان تستغنى عن المعدات الامريكية ولا هؤلاء الخبراء. المعونة تحارب الزراعة تحظر المعونة تخصيص اي جزء منها لبرامج استصلاح الاراضي في اشارة الى ان توسيع رقعة الاراضي الزراعة من شأنه ان يحقق نسبيا عملية الاكتفاء الذاتي في الزراعة والدليل على ذلك مشروع توشكي. واذا كان هذا المنحى قد تم اختياره من قبل امريكا منذ سنوات الا انه قد ظهر مرة اخرى في مشروع توشكي حيث تحفظت المؤسسات الامريكية في تمويل المشروع واكتفت بالاستشارة الفنية. وفي ورقة بحثية عن مستقبل العلاقات المصرية الامريكية قدمها الباحث بشير عبدالفتاح الى مركز دراسات وبحوث الدول النامية, قال الباحث ان هناك فجوة كبيرة بين نمط تخصيص المساعدات الاقتصادية التي تقدمها الولايات المتحدة لمصر وبين الولايات الانمائية المعلنة لها حيث كان لهذه المساعدات تأثيرها السلبي على قدرة مصر على تطويع قطاع الزراعة وزيادة انتاجيته, فالاعتماد المستمر على المساعدات الامريكية الميسرة لاستيراد المواد الغذائية الرئيسية قد ادى الى تراخي الجهود اللازمة للتوسع في زراعة تلك المواد الغذائية سعيا لتحقيق الاكتفاء الذاتي فيها, فضلا عن ان المساعدات الامريكية في تخصيصها للموارد لم تأخذ بعين الاعتبار قضية تخفيض عجز ميزان المدفوعات الذي يمكن ان يتحقق من خلال التركيز على المشروعات التي توجه للتصدير. ورصد البحث ايضا ان ربط المساعدات الامريكية الميسرة بالشراء من المنتجات الامريكية قد ادى الى اضعاف قدرة مصر على منافسة العديد من المنتجات المستورة كما ساعد على تدوير اموال المساعدات حيث تفوق قيمة الواردات من امريكا قيمة المعونات المقدمة لمصر فضلا عن ان المعونة افادت فئة قليلة تركزت في جماعات اقتصادية معينة مثل بعض المقاولين والاستشاريين واصحاب المكاتب الاستشارية والهندسية والقانونية وبعض المهندسين والتجار ورجال الاعمال, وهذه الفئات استفادت من تدوير اموال المعونة داخل الاقتصاد المصري. الباقي محدود يوضح الدكتور علي لطفي رئيس الوزراء المصري السابق بنود المعونة بقوله زادت المعونة الامريكية لمصر بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1979 بهدف دعم الاقتصاد المصري وتحفيز التعاون بين دول المنطقة وامريكا, ومنذ اقرارها تحصل مصر على معدل سنوي منها قيمته 2,1 مليار دولار, موزع على جانب اقتصادي بقيمة 815 مليون دولار, وجانب عسكري 1,3 مليار دولار, ويستخدم جزء كبير من تلك المعونة في الاستيراد من الولايات المتحدة وذلك بالاضافة الى استخدام جزء آخر في صورة تدريب ويذهب لبيوت الخبرة الامريكية. ويرى الدكتور لطفي ان قطع المعونة الامريكية عن مصر او تخفيضها سيضر بالجانبين, فأمريكا كما يتبين من توزيع بنود المعونة يعود جزء كبير من المعونة الى خزانتها من خلال عمليات الاستيراد المشروطة بالنقل عبر وسائل النقل الامريكية, اضافة الى تشغيل بيوت الخبرة الامريكية, اما الجانب المصري فصحيح انه سيتضرر من قطع المعونة, لكن ضرره سيكون محدودا وذلك لأن الجزء النقدي المتبقي لمصر يعد محدودا للغاية بالنسبة للقيمة الاجمالية للمعونة, اذا قورن ذلك الجزء بالناتج المحلي الاجمالي. ويضيف الدكتور لطفي ان تهديد واشنطن بقطع أو تخفيض المعونة نسمع عنه من حين لآخر وتتخذه الحكومة الامريكية كورقة ضغط على مصر في الاوقات التي تتخذ فيها الحكومة المصرية مواقف سياسية معينة تختلف مع التوجهات الامريكية مثل الموقف من ليبيا وعملية السلام, غير ان هذه الضغوط ستكون في مصلحة مصر اكثر منها بالنسبة لواشنطن لأنها ستدفع الحكومة إلى زيادة الاستثمارات والمشاريع الجديدة على كافة المستويات لسد باب التلويح أو التهديد بورقة المعونة, وقطع المعونة قد يكون فرصة لاعادة النظر في كثير من السلوكيات والاوضاع, وبذل المزيد من الجهد والعمل على زيادة الإنتاج في سبيل الحفاظ على الكرامة الوطنية. (التعافي) من المعونة الدكتور سمير طوبار رئيس اللجنة الاقتصادية بالحزب الوطني يوافق رأي الدكتور علي لطفي, ويشير إلى ان الاقتصاد المصري بدأ منذ فترة في التخلص من المعونات الخارجية شيئا فشيئا وهو ما نراه الان بوضوح من خلال ارتفاع معدلات التنمية, ويقول الدكتور طوبار أن حجم المعونة الامريكية لمصر لا يمثل ثقلا في الاقتصاد المصري فقد بلغت خلال خمس سنوات 40 مليار جنيه وذلك في الوقت الذي بلغ فيه حجم الاستثمارات المدرجة في الخطة الخمسية 400 مليار جنيه ومن ثم فهي نسبة محدودة التأثير في الاقتصاد المصري. ويضيف الدكتور طوبار مما سبق يتضح لنا ان المعونة الامريكية لا تؤثر في الوقت الراهن على الاقتصاد المصري, ومن المؤكد ان الحكومة المصرية لا تنظر إلى قطعها أو تخفيضها من هذا الجانب بل تنظر اليها من الجانب السياسي فهي تعتبره موقفا متميزا لاسرائيل على حساب الجانب المصري على الرغم من علم الادارة الامريكية بدور مصر الحيوي في استقرار منطقة الشرق الاوسط ودورها على ايجاد سلام حقيقي وعادل في منطقة الشرق الاوسط, وتكشف التقارير التي اعلنتها مصر مؤخرا ان نسبة اعتماد الاقتصاد المصري على المعونة الامريكية انخفضت مؤخرا لتصل إلى 4% من حجم الايرادات المقدر بنحو 80 مليار جنيه, ومن ثم فان تأثير المعونة الامريكية ينخفض تدريجيا مع زيادة الدخل القومي وهو ما يؤكد معرفة مصر بعدم استمرار المعونة, إلا ان توقيت الالغاء هو الذي يعنينا لأنها مازالت عاملا له اهميته النسبية في الوقت الراهن خاصة اذا تم الغاؤها فقط لمصر دون النظر لاسرائيل. البنود اما الدكتور عبدالمنعم موسى المستشار التجاري بالتمثيل التجاري فيقول: يجب أولا قبل الحديث عن المعونة ان نتعرف على ما تحويه من بنود مشيرا إلى ان مشروع الموازنة الفيدرالية للعام المالي 1997/1998 الذي تقدمت به الادارة الامريكية إلى لجنة المساعدات الخارجية بالكونجرس تضمن تخصيص 2.1 مليار دولار في شكل مساعدات لمصر منها 815 مليون دولار مساعدات اقتصادية و1.3 مليار دولار مساعدات عسكرية وهو نفس مستوى المساعدات في السنوات السابقة, وتوزع المعونة الاقتصادية على اساس 415 مليون دولار لبرنامج تمويل المشروعات و200 مليون دولار لبرنامج تمويل الواردات السلعية و200 مليون دولار تحويلات نقدية ترتبط ببرنامج الاصلاح الاقتصادي. ويضيف د. موسى: حجم اجمالي المبالغ غير المستخدمة في اطار برنامج المعونة لمصر يصل إلى حوالي 1.7 مليار دولار, ويمكن لهذا المبلغ ان يتأثر في حالة قيام الكونجرس الامريكي بمناقشة قانون المساعدات الخارجية الذي سبق طرحه في العام قبل الماضي ويهدف إلى قيام الخزانة الامريكية بإلغاء تخصيص المبالغ التي سبق تخصيصها في اطار برنامج المعونة ولم تقم الدولة المستفيدة باستخدامها لمدة تزيد عن اربع سنوات. ويستطرد الدكتور عبدالمنعم حديثه قائلا: تدخل مصر حاليا مرحلة جديدة من الانتعاش الاقتصادي من خلال المشروعات الضخمة التي اعلنت عنها الحكومة مؤخرا كمشروع توشكي وشرق التفريعة ومن ثم فهي في حاجة إلى كل تمويل يأتي اليها, ورغم ان حجم المعونات التي تحصل عليها مصر غير مؤثر في الاقتصاد الوطني الا اننا لا نريد الخسارة حتى ولو بشكل محدود, وخلال الفترة الماضية عمدت الحكومة إلى فتح الابواب لكل انواع التمويل سواء كان قروضا أو هبات أو استثمارات اجنبية أو مصرية أو منح, ولذلك فان قطع المعونة لن يكون له تأثير قوي على الاقتصاد خاصة وان مصر لديها ارصدة من العملات الاجنبية تكفي لاستيراد احتياجاتها من الخارج على المدى المتوسط. واختتم الدكتور عبدالمنعم حديثه بقوله: ان الدول تتنافس وتتحارب الان في سبيل الحصول على المنح والطريق السليم امامنا لزيادة معدل النمو إلى 25% هو العمل بجدية لزيادة نسبة المدخرات المحلية عن طريق تشجيع سوق المال, والبديل الثاني المكمل لذلك هو تشجيع الاستثمارات والمنح الاجنبية للمجيء لمصر طالما لا تفيد سياستنا الداخلية والخارجية. وكانت فكرة المعونات قد ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية بمشروع مرشال كما يقول الدكتور محمد عبداللاه رئيس لجنة العلاقات الخارجية, بمجلس الشعب المصري بهدف المساعدة على اعمار اوروبا ثم اتسع نطاق المشروع لكي يكون احد اسلحة مواجهة المد الشيوعي في العالم, وفي المقابل كان الاتحاد السوفييتي السابق والكتلة الشرقية يمنحون مساعدات ضخمة للدول النامية المؤيدة لهم, أي ان المعونات كانت تستخدم كأحد وسائل محاولة احتواء المد اليساري في العالم أو كسب اصدقاء جدد أو مساندة ودعم انظمة تسير في اتفاق يتفق مع السياسة الخارجية لها, وعندما انهار الاتحاد السوفييتي ظهرت اصوات تنادي بأنه لا داعي لتقديم معونات لان الاتحاد السوفييتي بانهياره انهى الحرب الباردة لكن الادارة الامريكية بنظرتها الواسعة وايمانا منها بدور الولايات المتحدة الاكبر في العالم تصر على استمرار سياسة المعونات. وبالنسبة لتأثير المعونة على الاقتصاد المصري يقول الدكتور عبداللاه ان مصر هي احدى الدول الرئيسية التي اسست حركة عدم الانحياز ورفضت الدخول في الاحلاف العسكرية وقد استطاعت طبقا لهذا ان تحصل على معونات ومساعدات من القطبين إلى ان تم قطع المعونة الامريكية عام 1967 وكانت خاصة بتوريد القمح, ثم بدأت عودة المعونات الامريكية بشكل تدريجي في منتصف السبعينات وزادت بعد اتفاق كامب ديفيد وخاصة مصر ثاني اكبر دولة تحصل على معونات امريكية بعد اسرائيل, وقد استطاع حسني مبارك ان يحصل على كل المعونة خاصة فيما يتعلق بالجانب العسكري على شكل منحة بجانب قروض ميسرة طويلة الاجل. ويضيف الدكتور عبداللاه قائلا: نظرا لمكانة مصر الدولية ودورها كعنصر استقرار في الشرق الاوسط تحصل على جزء من المعونات الامريكية وعلى معونة من بعض الدول الاوروبية إلى جانب العديد من الاتفاقيات المستمرة مع اليابان والصين, ومن ثم فإن سياسة الرئيس مبارك قد نجحت في المحافظة على العلاقات مع الولايات المتحدة كما نجحت ايضا في تدعيم العلاقات مع المحاور الرئيسية الاخرى في العالم, وبالنسبة لما يثار حاليا من جدل حول قطع أو تخفيض المعونة فهو مجرد زوبعة تثيرها اللجنة الفرعية بالكونجرس كحلقة في سلسلة من الحملات التي بدأت مؤخرا من بعض اعضاء الكونجرس في محاولة مغلوطة تهدف طمس الحقائق بزعم ان مصر تدفع الفلسطينيين إلى اتخاذ موقف متشدد لعرقلة عملية السلام بهدف ابعاد الاضواء عن حقيقة التعنت الاسرائيلي بزعامة نتانياهو وايا كانت تلك المتناقضات فإن مصر ستستمر في سياستها الواضحة لانقاذ مسيرة السلام وعودتها إلى طريقها السليم. ويختتم الدكتور عبداللاه حديثه قائلا: ان القيادة المصرية الوطنية وهي تحرص كل الحرص على علاقاتها مع كافة دول العالم لن تقبل بأي شكل من الاشكال الضغط عليها بصورة أو بأخرى, وكذلك فان تقليل أو قطع المعونة لن يكون له تأثير ملموس على الاقتصاد الوطني خاصة وان مصر تنطلق من ركيزة قوية سواء كان ذلك لوجود اقتصاد قوي يبشر بمستقبل مشرق أو من منطلق وجود مصداقية عالمية لمصر ولقيادتها ولدورها المحوري في المنطقة. خدمة لامريكا ويرى د. محمود الامام وزير التخطيط الاسبق, ان المعونة في الجزء الاكبر منها هو جهة لخدمة الاقتصاد الامريكي, لأن ربع المعونة موجه لخدمة استيراد منتجات امريكية لمصر, والثلث موجه للتدريب والاجور ومرتبات جيش الخبراء الامريكان في مصر, فضلا عن ان جميع المعونات الامريكية لمصر مشروطة بشراء معدات امريكية, وان يتم شحنها ونقلها على سفن امريكية من اجل تنشيط السلع الخدمية والتدريب والنقل وتشغيل خبرائهم المحالين إلى المعاش. يوضح د. الامام ان المعونة توزع على برامج سنوية أو لعدد من السنوات, وهي موجهة في الاساس لتقليل مخاطر استيراد السلع من البلاد التي تخضع لبرامج الاصلاح الاقتصادي مثل تثبيت سعر الصرف وتسهيل التصدير. ويفرق د. رفعت السعيد الامين العام لحزب التجمع بينها وبين المعونة التي تذهب لاسرائيل, قائلا: تتلقى اسرائيل معوناتها من امريكا نقدا خلال 30 يوما من تاريخ العمل بقانون المساعدات الخارجية الامريكية, بينما تتلقاها مصر بشروط منها الالتزام ببرنامج استيراد القمح الامريكي, وبرنامج الاستيراد السلعي, والتعامل مع الشركات الامريكية في المشروعات الممولة من المنح فضلا عن استيراد قطع الغيار, والاستعانة بالخبراء الامريكيين في الصيانة والاشراف على الشركات. ويضع كلا من الدكتور جودة عبدالخالق استاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة, والدكتور مصطفى كامل السيد استاذ العلوم السياسية, قضية المعونة في سياق أو سع حيث يشير د. جودة إلى تقلص حجم المعونات من الشمال للجنوب, ويتم ذلك في اطار مرحلة تحول بنية النظام الدولي مع تزايد الركود في الاقتصاد العالمي خلال العقدين الماضيين, ويضيف: الشمال يطرح الان حل هذه المشكلة على حساب دول الجنوب يقطع المعونة. ويوضح د. جودة مدى استفادة امريكا من المعونة التي تقدمها إلى مصر, مشيرا إلى القرض الذي قدمته وكالة التنمية الامريكية لعمل توسعات في صناعة الاسمنت, وبناء مصانع في مدينة القطامية, وكانت قيمة القرض 95 مليون دولار تحصل عليها مصر ومقدم إلى شركة اسمنت السويس كوسيط بين الوكالة الامريكية وشركة الاسمنت وتضمنت هذه الاتفاقية شروطا بأن تقدم الحكومة المصرية بجانب القرض مبالغ لا تقل عن 35.1 مليون دولار, 46 ملوين جنيه تخصص للمشروع من ميزانية الدولة على ان يعيد المقترض مبلغ 58 مليون جنيه لشركة السويس ويمنح كجزء قرض والاخر كمنحة, وتتحمل الحكومة تكلفة الفرق بينهما. ويضيف د. جودة ان الوكالة اشترطت ان يباع 85% من انتاج الاسمنت للقطاع الخاص مع ضرورة اجراء مشاورات دورية مع وكالة التنمية لتسعير الاسمنت وبيع 4.6 ملايين دولار من اسهم القطاع العام للمستثمرين, ويؤكد د. جودة ان اخطر الشروط كان في الخطة السنوية لتوزيع الاسمنت حيث يجب موافقة الوكالة عليها فضلا عن حق تسعير الاسمنت المنتج كله من الاسكندرية إلى اسيوط وكان ذلك مثالا لـ 60 مشروعا مر من تحت قبة مجلس الشعب ووصفته الحكومة بأنه يمثل زيادة من معدل الاستثمار. شروط مجحفة يطرح د. جودة عبدالخالق مثلا آخر للشروط المجحفة التي تصاحب المعونات الامريكية عندما قدمت منحة امريكية إلى بنك التنمية الصناعية لتطوير الاستثمار الخاص بقيمة مليوني دولار تنفق على مؤسسات وشخصيات امريكية وهي منحة غير مطلوب سدادها واضاف بأن معدل الادخار في مصر متدن حيث لا يزيد على 7% مما يجعله يصطدم برفع معدل النمو مؤكدا على انه يجب على مصر ان تستعد لقطع المعونات وتبحث عن بديل. اما الدكتور مصطفى كامل السيد, فيرى ان اموال المعونة تحمل توجهات الدول المانحة حيث لا تحمل نوايا بريئة في كل الاحوال وتحمل توجهات من قبل هذه الدول تهدف اعادة تشكيل المجتمعات والهندسة الاجتماعية والسياسية على نطاق عالمي. ويقول ان هذه الامور كان مسكوتا عنها من قبل لكنها الان تحولت إلى جهد وذلك بفعل العوامل الدولية المتغيرة وسقوط المعسكر الاشتراكي وان الدول المانحة تدرك الدور الخطير الذي تلعبه المعونات الاقتصادية في الامد البعيد في اعادة تشكيل المجتمعات, والنظم السياسية فضلا عن الفوائد الاقتصادية التي تحصل عليها من تقديم المعونات في صورة زيادة صادراتها إلى الدول المتلقية. ويكشف دكتور مصطفى عن انه اذا كان حجم المعونات إلى مصر قد تضاعف من حيث القيمة النقدية خلال العقد الماضي الا ان حجمها مقوما بالاسعار قد انخفض فضلا عن انه ليس كل ما يندرج تحت المعونات الاقتصادية هو في الاصل معونات انمائية فبعض الموارد المتاحة في ظل برامج المعونة يستخدم لتمويل احتياجات جارية مثل استيراد سلع غذائية, وهذه الواردات قد تكون مفروضة على الدول متلقية المعونة من جانب الدول المقدمة لها دون ان يكون للأولى اي دخل من احتياجاتها. ويشير د. مصطفى إلى ان بعض الدول الثرية تقدم المعونة ليس بقصد كسب النفوذ ولا ترسيخ علاقات التبعية, وانما استجابة لاعتبارات اخلاقية تتمثل في وفاء القادرين بواجب التضامن ازاء غير القادرين ويضرب مثلا بعدد من الدول في اطار منظمة الاوبيك مثل قطر والامارات والبحرين حيث كانت تقدم هذه الدول مساعدات سخية خلال النصف الثاني من السبعينات وحتى النصف الاول من الثمانينات, وذلك اذا ما قيست هذه المعونات بحجم دخلك القومي, بل تفوقت في هذا المجال على كل الدول الصناعية المتقدمة.

تعليقات

تعليقات