فصل الجنوب السوداني ! بقلم - علي حمد ابراهيم

يزداد قلق السودانيين الوحدويين في الشمال والجنوب هذه الايام وبصورة حادة بعد أن أخذت تتضح مرامي حكومتهم لفصل الجنوب عن الشمال حتى يتسنى لها فيما بعد الانفراد بالشمال المسلم . كانت محادثات نيروبي الاخيرة دليلا كافيا على ان مبادرة (ايجاد) يمكن تطويعها لتحقيق هدف حكومة السودان دون أن تظهر الحكومة بمظهر الساعي لفصل جنوب البلاد وتفتيت وحدتها. فمبادرة الايجاد تقوم على ست نقاط ترمي الخمس نقاط الاولى منها الى تعزيز عوامل الثقة وذلك عن طريق حل المشكلات المستعصية مثل مشكلة استغلال الدين الاسلامي الحنيف في فرض اجندة مجموعة اسلامية دون غيرها من المسلمين وغيرهم ومشكلة العودة الى التعددية السياسية والديمقراطية الى جانب مشكلات اقتسام الثروة والسلطة والتكييف الثقافي والاجتماعي, وكتابة دستور بالتراضي والوفاق والاجماع القومي يكون صمام الامان ضد محاولات هضم الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية من اي طرف من الاطراف المتعاقدة بهذا الدستور. كانت تلك هي النقاط التي هدفت مبادرة الايجاد الى تحقيقها كعوامل مفضية الى توفير الثقة بين الاطراف السودانية المحتربة حول مستقبل بلدها حتى هذا اليوم. غير أن ان المبادرة وضعت البند السادس كنوع من التحذير والترهيب والترغيب. وقال هذا البند ان الاطراف السودانية اذا فشلت في الوصول الى اتفاقات تحقق البنود الخمسة لبناء الثقة فانه يصبح من حق الجنوب ان يقرر مصيره عن طريق استفتاء عام يختار فيه بين الوحدة او الانفصال. وكان واضحا من ترتيب بنود المبادرة واسلوب صياغتها ان البند السادس لا يجوز القفز اليه فوق بنود بناء الثقة. وكان اكثر وضوحا ان المبادرة كانت تعطي الوحدة الفرصة الاكبر. غير ان الحكومة تعاملت مع هذه النصوص باسلوب ماكر, فهي تبدي حرصها على الوحدة وعلى الدخول في مفاوضات لا تنتهي, وتقول على رؤوس الاشهاد انها لن تفرط في شبر واحد من الوطن, ولكنها تضع العراقيل امام تحقيق اي بند من بنود بناء الثقة, فهي ترفض عودة الديمقراطية والتعددية, وهي ترفض اي نقاش حول دور الدين في دولة الوحدة, وتكتب دستورا مختزلا من دستورها المؤطر في برنامجها الحزبي المعروف وتعتبر مواد هذا الدستور من الثوابت التي لا يجوز المساس بها! بمعنى آخر تريد الحكومة ان تيأس الحركة من حدوث اي اتفاق متفاوض عليه حتى تقرر اللجوء الى نصوص المبادرة والى البند الخاص بتقرير المصير كملاذ أخير والذي سيفضي الى الانفصال لا محالة ولا شك في ذلك طالما ان الاستفتاء سيجري في ظل حرب جهادية ضد أهل الجنوب وفي وضع مأساوي لسكان الجنوب, مجاعة وفقر مدقع والملايين منهم يعيشون كلاجئين في بلدهم أو في المنافي العالمية اذن ماذا سيختار أهل الجنوب غير الخلاص من هذا الشمال الذي لا يكتفي حكامه بما وقع عليهم من ظلم سياسي في الماضي, إنما يعلنون عليهم الجهاد باعتبارهم كفارا! ويستعملون الغذاء سلاحا للحرب. لقد فرضت الايجاد والامم المتحدة ومنظمة الوحدة الافريقية لوصول الطرفين المتفاوضين (للمرحلة الاخيرة) من التفاوض هذه الفرحة الثلاثية التي تثير الكثير من علامات الاستفهام, فالطرفان لم يصلا الى المرحلة النهائية من التفاوض إنما قفزا اليها تاركين جميع المراحل الاخرى, واذا كانت المسألة بهذه البساطة اذن لما مضى على هذه المشكلة حتى الآن اكثر من اربعين عاما هي عمر الاستقلال السوداني! ان هذه الاطراف الفرحة بهذا الوصول تدرك جيدا ان الشعب السوداني الواعي لا يمكن استغفاله بهذه البساطة, واذا كانت لا تدري فهذه مصيبتها, أما اذا كانت تراهن على اليأس والاحباط والرهق الذي أصاب جميع الاطراف السودانية من طول هذا النزاع وتشعبه وتدويله أخيرا, فان هذا الرهان خاسر في النهاية. لأن اي حل متسرع يتم توليده بناء على هذا الافتراض سيأتي بمشكلات اكثر تعقيدا في المستقبل القريب, وسوف تكون تلك المشكلات بالحجم والاتساع الذي سيستغرق وقت وجهد ومقدرات أهل السودان ومعهم جهد ومقدرات ووقت الاسرة الدولية والاقليمية التي ستمتد اليها آثار الاعتراك السوداني ــ السوداني. لقد كان كثير من السودانيين ومعهم عدد غير قليل من المهتمين بالشأن السوداني ينظرون بقلق الى تصرفات دول الايجاد التي رغم علمها بان المشكل السوداني لم يعد مشكلا شماليا جنوبيا إنما تحول الى مشكل سوداني قومي حملت فيه جميع الاطراف السلاح ضد بعضها البعض, رغم علم هذه الدول بهذه الحقيقة التي تعيشها مع السودانيين يوما بيوم, الا أنها أصرت على المضي في اعتبار المشكلة شمالية جنوبية كأن عذابات أهل الشمال من السودانيين لا تهمها وإصرار هذه الدول على هذا المسار جعل الكثيرين يتشككون في مصداقية مسعاها الوساطى من أساسه, ويعتبرونه تدويرا للمشكلة باتجاه فصل الجنوب في نهاية المطاف. ما توصل اليه الطرفان من قفز الى البند الاخير, وكتابة مشروع انفصالي أو محاولة كتابته كل ذلك يؤكد او يكاد يؤكد ما كان يهمس به كثير من الاطراف السودانية من ان لهذا المسلسل أجندة خفية تصب باتجاه فصل الجنوب اكثر من كونها تصب باتجاه استعادة الديمقراطية والتعددية كما يبدو من ظاهر الأمر. من هنا جاء تخطيط الحكومة لتأزيم المفاوض الجنوبي وتيئيسه من الحصول على اي حل! مما يجعله يختار الانفصال كملاذ أخير وهو غير نادم على انقطاع صلته بعالم لم يجد فيه غير الحرب والتهميش. وكانت اولى خطوات الجبهة في هذا المسعى هي أنها عرضت على رياك مشار ولام أكول, من قادة الحركة الشعبية قبل انقسامها, عرضت عليهما حق تقرير في محادثات سرية جرت في مدينة فرانكفورت الالمانية في يوليو 1992 قاد الجانب السوداني الحكومي فيها الدكتور علي الحاج. وانتهت باتفاقية السلام في ابريل 1996 حيث الصورة تصبح اكثر جلاء ووضوحا اليوم فوحدة البلاد تصبح مهددة بصورة جدية بسبب مخطط الجبهة وانتهازية الحركة الشعبية التي وقعت على مواثيق اسمرا في يونيو 1995 ولكنها لا تمانع في الخروج عن روح هذه المواثيق ونصوصها اذا وجدت ما يختصر لها الطريق.

تعليقات

تعليقات