اكد ان الصراع مع إسرائيل أساسه ديني: وزير الصحة الاردني الأسبق يحذر من تحول حالة السلام الى استسلام كامل

اعتبر الدكتور عبدالرحيم ملحس وزير الصحة الاردني الاسبق معاهدات السلام بين بعض الاطراف العربية واسرائيل مجرد رياضة ذهنية يصعب اعتبارها بديلا للحرب . وقدم ملحس طرحا جديدا للصراع والعداوة بين العرب واليهود في ذكرى مرور خمسين عاما على نكبة فلسطين واغتصابها يقود لنتيجة حتمية تنفي امكانية الوصول الى سلام حقيقي بين الطرفين, مؤكدا ان العداوة عداوة دينية في اسسها الحقيقية وان الحروب حروب دينية مرجعياتها الديانات والمعتقدات. واعتبر ملحس ان استمرار العرب في الهروب من مواجهة التحديات التي يفرضها السلم الحاصل سيتحول الى استسلام كامل داعيا القيادات الفكرية والسياسية للأمة العربية للبحث وايجاد بدائل حقيقية, لواقع معقد تسيطر عليه فئة رومانسية تؤمن بالحرب حلا وحيدا وفوريا وفئة اخرى اكثر رومانسية تؤمن بالسلام وتحقيق احلام خيالية. واضاف ملحس في محاضرة ألقاها بمناسبة ذكرى مرور 50 عاما على اغتصاب فلسطين ان السلام بين العرب واليهود موضوع يشغل بال الكثيرين منا خاصة ان الاحداث غيرت مفهومه المعنوي حتى بدا وكأنه عندما نتكلم عن السلام نتكلم عن شيء آخر. فالذين كانوا يتصورون ان معاهدات السلام ستؤدي الى حالة من الانسجام الكلي والتفاهم الكامل الذي يشبه حالة زوجين في شهر عسل اصيبوا باحباط من الواقع العملي واضطروا بسببه الى التراجع لمفهوم متواضع للسلام لايتعدى كونه علاقة حسن جوار مضيفا وباعتقادي ان المهتمين بموضوع حاجتنا للسلام ينقسمون الى عدة فئات هي: فئة تؤمن بحاجتنا للسلام من اجل السلام نفسه بصفته الحالة الانسانية الاكثر رقيا وهؤلاء في تقديري هم قلة من اصحاب النظرة الفلسفية للحياة لايشكلون تيارا فكريا مؤثرا في الواقع العملي. فئة تعتقد ان حاجتنا للسلام ناتجة على كونه خيارا اضطراريا لانه البديل الوحيد الباقي للحروب التي كانت نتائجها دائما وخيمة علينا اي اننا مجبرون على قبول السلام لانه الخيار الوحيد المعاكس للحرب وهذه الفئة ليست قليلة وربما انها لم تكن من انصار السلام قبل معاهدات السلام لكنها استطاعت ربما بسبب استعدادات نفسية او تجارب مسبقة المرور بالتحولات الذهنية والنفسية اللازمة لقبول هذا المنطق الجديد. خيار السلام واضاف ان القبول بالسلام كخيار اضطرارى يتطلب توفر ثلاثة امور اولها اقناع النفس بقبول الهزيمة على الاقل الهزيمة العسكرية وثانيها وجود قدر من حالة فقدان الامل المنظور بالتغلب, اما الثالث فيتطلب نوعا من التحول الصعب اذ على المؤمنين بهذا التوجه التخلي عن القياس بمقياس المبادىء واتخاذ المصالح مقياسا واحدا لجميع الامور وهذا يتطلب تحولا ذهنيا ونفسيا عميقين ربما لايستطيع تحقيقها الكثير من الناس. وقال ملحس ان قسما كبيرا من الذين مازالوا يقيسون بمقياس المبادىء خاصة الاكثر اطلاقا منهم جرى بعض التحول في افكارهم فقل او انعدم تصريحهم بجدوى الحرب ولكنهم عبروا بشدة عن رفضهم لقبول اي سلام, او على الاقل السلام كما ورد في معاهدات السلام الموقعة, هذه الفئة توقفت في محطة عدم القناعة بالحرب وعدم القبول بالسلام ومازالت تبحث في حيرة واضحة عن بدائل وهذه فئة ليست قليلة العدد ولا قليلة التأثير لانها في كثير من الاحيان تبدو رغم سلبيتها مقنعة تحت ظروف معينة مع انها لاتقدم حلولا بديلة. اما معظم الناس في الوطن العربي اي الذين يشار اليهم بالعامة او الجماهير فهم يرفضون كل سلام املهم ذلك السلام الذي يأتي بعد انتصار عسكري غير ان هذه الفئة تحمل تفسيرات غامضة عن وسائل تحقيق النصر الا الامل الغامض او الاعتقاد بان هزيمتها مؤقتة لانها في النهاية مستحيلة بسبب وعد ديني وهذه المجموعة هي اكبر المجموعات التي تتواجد في ساحة الظروف الحالية ولهذه الفئة تأثيراتها على مجرى الاحداث. اختلاف المفاهيم وقال ملحس ان اختلاف مفاهيم السلام وعدم الاتفاق على ضرورته او قبوله يفسر الهوة الهائلة بين دعاة السلام وبين الذين يروجون لهذه الدعوات, فبينما ينطلق الداعون من قاعدة الايمان بالسلام او الاضطرار لقبوله كأمر واقع لاخيار لما غيره لحماية مصالحنا يجلس السامعون لهم على قاعدة نفسية وذهنية لم تمر بالتحولات اللازمة لجعل هذه الدعوات ذات معنى, فالمؤمنون تحولوا الى مقاييس الصالح والرافصون مازالوا متعلقين بالمبادىء وليس هنالك اي منطق مشترك بينهما. واعرب ملحس عن اعتقاده بان العداوة بين العرب واليهود هي عداوة دينية في اسسها الحقيقية كما ان الحروب بينهما هي حروب تتضمن جميع صفات الحروب الدينية وهي في مرجعيتها حروب بين ديانات ومعتقدات. وذكر ملحس بان اليهود رفضوا اراضي كثيرة عرضت عليهم لاقامة دولتهم عليها واصروا على اقامة دولتهم على ارض فلسطين لا لشيء الا لسبب وعد ديني بارض الميعاد اما مشكلة القدس تغني عن التذكير انها تكتسب اهتماما خاصا بسبب ثقلها الديني عند كلا المتحاربين واي سلام بين المتحاربين من اجل الدين والمقدسات ماهو الا هدنة قد تطول او تقصر لكنها تظل هدنة فقط ومن هنا فان المقارنة بين الحروب العالمية وحرب العرب واليهود هي مقارنة خاطئة اذا انه لايمكن مقارنة حروب عادية دنيوية الاهداف مع حروب دينية الرسالة سواء من ناحية بداياتها او نهاياتها او عمرها او طرق حل النزاع فيها ويبدو ان الاقرب للواقع مقارنة الحرب العربية اليهودية مع حرب البروتستانت والكاثوليك في ايرلندا مثلا التي بدأت قبل 300 سنة. وقال ان البعض قد يعترض على نظرية حروب الاديان هذه فيعتبر ان التسامح الذي تنادي به الاديان يجعل هذه النظرية نظرية لا اكثر غير انه من غير المهم كيف يفسر المثقفون والمسؤولون والسياسيون اديانهم اذا كانت العامة صاحبة التأثير الاكبر تفسرها بشكل مخالف ينسى او يتناسى نصوص التسامح. كذلك من غير المهم وفي حروب الاديان وجود تسامح عند احد الاديان اذا كان الدين الآخر غير متسامح يعتبر ان قتل غير المنتمين اليه خطأ لا خطيئة وان الارض التي للغير هي ارض مثبته ملكيتها له. السلام يعني الامان وقال ملحس: اذا كان السلام امرا يتعلق بالبراءة والامان والاطمئنان وامرا يقاس بالنوايا فان فحص النوايا بعد معاهدة السلام يصبح امرا واجبا المراجعة, فهل حصل اي تغيير في النوايا عن تلك التي كانت مبيتة لنا قبل الحروب وهل توقف الوعد الديني اليهودي بالاستيلاء على الارض وهل جرى اي تغيير على نصوص تعاليمهم وكتبهم المقدسة وهل تغيرت النظرة الى القدس فلم تعد مكانا مقدسا؟ وبالطبع يمكن فحص نوايانا بنفس الطريقة ونتساءل مثلا هل تغيرت النصوص وتفاسيرها عند العامة حتى تتغير نوايانا؟ واعتمادا على ماتقدم فانني اعتبر السلام رياضة ذهنية يصعب اعتباره بديلا واقعيا للحرب, بديل الحرب في حالتنا هو السلم اي الصلح والترقب لا السلام المعادي للامان والطمأنينة والنوايا البريئة. وحتى هذا السلم وهذا الاتفاق الادبي على وقف الحرب وبدء التعامل لايمكن ان يكون نقيا ولا طاهرا بسبب اصول واسباب العداء, فقد حمل هذا السلم في اذياله ومنذ ولادته حروبا لاتقل شراسة عن الحرب العسكرية, حروبا بدأت معالمها تظهر على الساحات الاقتصادية والسياسية والعرفية والحياتية والامنية. احلاف سياسية وعسكرية تتكون حولنا, ضغوط اقتصادية تخنق اقتصادنا, تطويق لا رادتنا تكاد تكتمل, امورنا الحياتية اصبحت اقل استقرارا, نفسياتنا اكثر قلقا ومستقبلنا اقل وضوحا ما بعد هذا السلم لذلك فهو سلم يعجل يقرب الحرب. الخروج من الازمة واضاف الدكتور ملحس انه يطرح هذا الموضوع كمحاولة لفهم ما يدور حولنا ولمحاولة الخروح من صراع داخلي وسلبيته قاتلة ونقق مظلم الى منطقة ايجابية نستطيع من خلالها النظر الى المستقبل بوضوح اكبر. واضاف: اطرح هذا الموضوع للنقاش الجدي حتى لاتذهب طاقاتنا عبثا مرة في خيالات الانتصارات العسكرية ومرة اخرى في الركض نحو سراب السلام ومرة ثالثة في متاهات الحيرة وانتظار لاشيء او انتظار هبوط البدائل من السماء. اطرح هذا الموضوع للنقاش فربما لو توصلنا كعرب, انظمة وحكومات وشعوب الى التوقف عن ملاحقة السلام ومتابعة مفهوم السلم لتوجهت طاقاتنا نحو هدف معقول ومقبول لانه الهدف الوحيد الممكن فاذا كان بديل الحرب في بلادنا هو السلم اي الصلح والترقب فقد ادت معاهدات السلام واجبها بتحقيق اتفاق ينص على عدم الاعتداء لكن الترقب مازال عنصرا بلا عناية ايجابية من قبلنا مع انه يلقى اهتماما كبيرا من قبلهم وباعتقادي فان للترقب عنصرين اساسيين والمراقبة الذاتية لا تقل اهمية عن المراقبة الخارجية ان لم تكون اكثر اهمية فقد تقاعسنا كثيرا عن قبول بعض التحديات الحقيقية مما ادى بنا ان نعاني حاليا من ترد وتراجع وهكذا يمكن ان تكون حالتنا الحالية من صنعهم فقط. سلام ثم استسلام لابد لنا من مراقبة تصرفاتنا بعد هذا الصلح فاذا استمرينا في الهروب من مواجهة التحديات الجديدة تحديات الجدية والجودة تحديات السرعة والابداع تحديات الحرية واكتشاف النفس تحديات التعبير والصدق ليس من المستبعد ان يتحول السلم الى استسلام كامل. بديل الحرب في بلادنا حروب اخرى اكثر شراسة ان لم نواجهها بكل جدية لن نفقد الدم والارض والحقوق فقط لكن سنفقد الهوية والمقدسات والاحترام. وختم الدكتور ملحس بالقول انه يوجه هذا الطرح الى جميع العرب وخاصة فئة القياديين السابقين الذين اصيبوا بالحيرة من هذا الاشكال الواضح, فالمؤمنون بالسلام والمنادون بالحرب لا يعانون من مشكلة كبيرة اذ انهم يعتقدون انهم قادرون على تحقيق احلام خيالية, اما تلك الفئة التي تعي استحالة الحرب واستحالة السلام فهي الفئة المعنية اكثر بهذا الطرح وهي الفئة التي بسبب حيرتها بدأ بعض المفكرين بداخلها يتساءلون اذن ما العمل؟ فمن المحزن ان تترك هذه الفئة المتهمة بالرومانسية موقعها القيادي الفكري الى فئات هي في الحقيقة اكثر رومانسية, واحدة تؤمن بالحرب حلا واخرى اكثر منها رومانسية تؤمن بالسلام لذلك فقد اصبح لازما على الفئة التي تشعر بالحيرة ان تعود لمواقع القيادة الفكرية عن طريق تفكير ايجابي جدي لايجاد بدائل حقيقية لواقع معقد وحتى لا تترك الساحة لقيادة فكر الذين قد يقودونا الى موت الحرب او الى فناء الاستسلام. عمان ـ خليل خرمة

تعليقات

تعليقات