في الذكرى الــ 40 لتأسيس منظمة التضامن الافرواسيوي: دعوة لاحياء باندونج وهجوم كاسح على العولمة ورفض للهيمنة

اختتمت مساء أمس في القاهرة الندوة التي نظمتها منظمة تضامن الشعوب الافريقية والآسيوية في مناسبة مرور أربعين عاما على اعلان تأسيس حركة التضامن الآسيوي الافريقي في يناير 1998.. وتميز الاحتفال بهذه المناسبة بروح جديدة عبر عنها الدكتور مراد غالب وزير الخارجية المصرية الاسبق ورئيس المنظمة الحالي بقوله: (لقد أردنا أن يكون احتفالنا هذا لقاء موضوعيا وعلميا وليس احتفاليا حتى تكون هناك فرصة حقيقية لتبادل الآراء حول دور المنظمة في الحقبة المقبلة ومستقبل العالم الثالث في ظل عالم جديد يختلف تماما عن عالم ثورة تحرير الشعوب في المرحلة السابقة) . كذلك فقد تميز اللقاء الندوة بحضور مكثق ملحوظ وقوي للجان ومنظمات وان كانت تبدو (شعبية) وليست لها صلة بالمؤسسة الرسمية, الا أن المراقب المدقق يمكن ان يلحظ ان (الوفود الشعبية) جاءت فعلا لتعبر عن موقف الدولة المقبلة منها, في قضية تبدو الآن ملحة ومطلوبة هي قضية استعادة وايجاد وتجديد منظمة تضامن الشعوب الافريقية والآسيوية.. ظهر ذلك واضحا وجليا مثلا في تكوين الوفد الصيني للتضامن فالوفد كان برئاسة شوان يونج عضو اللجنة المركزية ورئيسة لجنة العلاقات الآسيوية الافريقية بالجمعية الوطنية الصينية وضم في عضويته مسؤولين كبارا عن ملف العلاقات العربية الصينية ومستشارين وخبراء في الشؤون الافريقية.. وبهذه المناسبة فإن هذا اللقاء هو أول لقاء تحضره الصين وتشارك فيه منذ وقوع الخلاف الصيني ــ السوفييتي الذي انعكس مباشرة على المنظمة وابتعدت الصين وحلفاؤها الآسيويون والافريقيون عن المنظمة. وظهر ذلك ايضا في تكوين الوفد الروسي والذي وان لم يكن اكثر الوفود عددا (6 أعضاد جاءوا من روسيا غير مسؤولي السفارة الروسية بالقاهرة) الا أنه كان على مستوى عال فقد رأسه نائب رئيس البرلمان الروسي ومسؤول العلاقات الافريقية الآسيوية وضم مجموعة من كبار المسؤولين الروس في هذا الملف. وكان الوفد الهندي اكبر الوفود عددا وتلاحظ أنه قد ضم الى جانب وزراء حزب المؤتمر الهندي السابقين الذين ظلوا مسؤولين عن ملف التضامن الافريقي الاسيوي ممثلين لجميع التيارات السياسية الممثلة في البرلمان الهندي الحالي ومن بينهم قياديون بارزون في الحزب الحاكم الآن.. ويمكن أن يقال ذلك ايضا عن الوفد الباكستاني ووفد بنجلاديش ووفد اليابان من ناحية آسيا. كما يمكن أن يقال ايضا عن الحضور العربي الذي وان لم يكن مكثفا من حيث العدد (عدا وفد الدولة المضيفة مصر) فقد كان متميزا ايضا وعكس الروح الجديدة التي عبر عنها رئيس المنظمة د. مراد غالب.. فقد شاركت الى جانب مصر وفود عربية من سوريا وتونس ولبنان والعراق وليبيا وحضر ممثلون عن السودان والمغرب. تتصل بهذه الملاحظة الأولية عن لقاء التضامن الافريقي الآسيوي الذي ختم اعماله مساء امس بالقاهرة ملاحظة أساسية وهامة يرى فيها كثير من المراقبين مؤشرا قويا لموقف مصري يتبلور منذ نحو عالم يهدف الى استعادة الدور الافريقي الآسيوي أو دور شعوب ودول الجنوب في مواجهة مرحلة العولمة او الكونية ــ كما يقول د. مراد غالب ــ التي تأسس لها الولايات المتحدة الأمريكية والتي (استخدمت في فرض هيمنتها على العالم كله وهي هيمنة رأسمالية تتضاءل أمامها الرأسمالية الأمبريالية التي عايشناها في الحقبة السابقة). كما جاء في خطاب رئيس المنظمة في افتتاح الندوة.. هذا الموقف المصري الذي يتبلور الآن في نظر مراقبين كثيرين يمكن ملاحظته عند قراءة تحركات الدبلوماسية المصرية النشطة والبارعة على مدى العام 97 وحتى الآن.. فالى جانب الزيارات الرسمية التي قام بها وزير الخارجية المصري عمرو موسى والتي صحبته فيها وفود كبيرة ضمت قطاعات من مختلف الشرائح الاجتماعية المصرية, والى جانب الزيارات العديدة التي قام بها رؤساء أفريقيون الى القاهرة العام الماضي وهذا العام, فقد شهدت القاهرة تجمعين شعبيين هامين خلال هذا الشهر والشهر الماضي.. فقد شهدت القاهرة أولا الاجتماع الثامن للمؤتمر القومي العربي وكانت تلك أول عودة للمؤتمر الى للقاهرة بعد فراق طويل... وها هي تشهد امس هذا اللقاء الآسيوي الافريقي الموضوعي والهام.. تنبع أهمية هذا اللقاء من (القضية المحورية) التي من أجلها انعقد اللقاء في القاهرة والمواقف التي عبر عنها المشاركون في اللقاء... فالقضية التي (قتلها المشاركون بحثا) هي قضية دور المنظمات الاقليمية ــ دول العالم الثالث, دول الجنوب كما يقال عادة ــ في المرحلة التاريخية المقبلة التي اتفق على تسميتها بمرحلة العولمة.. ومنذ الجلسة الافتتاحية حدد الدكتور مراد غالب رئيس منظمة تضامن الشعوب الافريقية الآسيوية الموقف على النحو التالي: الواضح ان أمامنا معركة واسعة ومعقدة, وأنها بالقطع ليست ضد العولمة, ولكنها من أجل أن تسود مجموعة من القيم والسلوكيات والمبادىء التي تحكم مسار العولمة. فلابد من الكفاح لاعادة تقييم وتقويم مسار هذه العولمة حتى الآن, وان نقضي على سلبياتها وفي مقدمتها سياسة التنمية الغير عادلة والغير متكافئة وسياسات الأملاء ولي الذراع والتعامل بمعايير مختلفة مع القضايا العالمية والاقليمية, وضرورة العمل على ديمقراطية العلاقات الدولية ورعاية حقوق الانسان واحترام الرأي والرأي الآخر والكثير من القضايا التي فرضتها العولمة مثل احترام البيئة وحوار الحضارات والثقافات والعمل على خلق المناخ اللازم لخلق مجتمع انساني كوني ندخل به القرن الواحد والعشرين.. ولا شك ان المهمة الأساسية للقائنا هذا هي كيف نتعامل مع العولمة والهيمنة, وكيف نواجه ونتعامل مع هذه القضايا المعقدة المتداخلة؟؟!! ومنذ البداية وضح للمشاركين في اللقاء ان الموقف المصري الذي عبر عنه د. مراد غالب شعبيا عبر عنه عمرو موسى وزير الخارجية رسميا في رسالته الى اللقاء ــ الندوة.. فقد اعتذر الوزير موسى عن المشاركة الشخصية في اللقاء لارتباطه بموعد رسمي محدد سابقا, ولكنه ارسل رسالة قوية الى المجتمعين قرأها نيابة عنه مساعده السابق ومستشاره الحالي السفير بدر همام.. في رسالته اكد عمرو موسى على عدة مواقف هامة: ــ أكد ان مصر ستمضي في دور لا يفتر في تعزيز عمل منظمة التضامن الافريقي الآسيوي وتفعيل هذا الدور بكل ما هو ممكن. ــ أكد ان مصر ستمضي في العمل والسعي لاصلاح حقيقي ومسار حقيقي للأمم المتحدة ومجلس الأمن وان مسارات الاصلاح والبناء لنظام عالمي جديد يجب ان تعطي دول الجنوب ــ العالم الثالث ــ بعض حقها, فالبنك الدولي والصندوق ومنظمة التجارة العالمية اصبحت تملك زمامها الدول الغنية وان هذه المؤسسات اصبحت ادوات للسيطرة والهيمنة والاملاء لما تريده الدول صاحبة الهيمنة. اكد ان دورنا في مواجهة كل ذلك لابد ان يمضي, وان التضامن الافريقي الاسيوي محور اساسي لا يمكن ان ينجح العمل بدونه, وان منظمة التضامن, احدى الروافد الهامة في توعية الشعوب والوصل بينها وبين رؤيتها لمصلحتها الحقيقية. واكد ان النظام العالمي الذي نريد يجب ان يكون منصفا وعادلا ومتوازنا يحقق مصالح الشعوب. اكد ان سبيلنا هو تعزيز وتقوية التكتلات الاقليمية لدولنا وان اجتماع الـ ـ15 الذي سينعقد في القاهرة غدا السبت هو خطوة هادفة يجب ان تستثمر في الاضافة لهذا التيار الذي تمضي فيه الشعوب والحكومات الافريقية. ومنذ جلسة الافتتاح الرسمية الاولى وحتى الجلسة الختامية مساء امس كانت (الروح الجديدة) هي المسيطرة على كلمات وتعليقات جميع الوفود كان الهجوم على العولمة والنظام العالمي الجديد هو النقمة الاعلى والسائدة كان الحديث عن الدور الجديد لحركة التضامن الافريقي الاسيوي هو المحور الاساسي المتفق عليه بين الجميع وكان الحديث عن روح باندونج وضرورة احيائها وبعثها من جديد في ثوب جديد لمواجهة عالم جديد هو القاسم المشترك الاعظم بين جميع الوفود الى جانب ذلك كان الملفت للنظر حقا ما جاء في كلمة رئيس الوفد الهندي الوزير السابق وعضو البرلمان عن حزب المؤتمر الهندي في حديثه عن (روح باندونج) والتي كان المحرك الحقيقي وسبب نجاحها هو التضامن الصيني ـ الهندي ودعوته الحارة الى دور هندي ــ صيني لمواجهة الاخطار الجديدة. كذلك كان من الملفت للنظر ان الصين التي شاركت في اللقاء بعد غياب طويل قد كثف وفدها من حضوره العددي وحركته داخل الاجتماع وخارج الاجتماع وان رسالة واضحة قد ارسلت من الصين الى حركة التضامن الاسيوي الافريقي مفادها ان الصين لن تنعزل عن حركة التضامن مرة ثانية. من جانب اخر فان كل الوفود قد اجمعت في كلمتها على الاشادة والتقدير بدور مصر الرائد رئيسا وحكومة وشعبا في احتضان حركة التضامن الاسيوي الافريقي تاريخا وشددت على ان (دور مصر سيظل فاعلا ومؤثرا في المرحلة الجديدة) وان تأكيد وزير الخارجية المصري بان مصر ستمضي في دور لايفتر في تعزيز عمل المنظمة اعطى المجتمعين دفعة قوية وثقة بان تجديد واحياء حركة التضامن الافريقي الاسيوي واهدافها الجديدة والمتجددة ستجد دعما وسندا قويا. ويوم غد السبت تستقبل القاهرة قادة مجموعة الـ 15 وتنظر مصر باهتمام بالغ لهذا الاجتماع وهو مع ماسبقه وما سيلحق به من اجتماعات وتحركات سيعطي مؤشرا قويا على ان موقفا جديدا يتبلور الان. القاهرة ــ عبد الله عبيد

تعليقات

تعليقات