بطرس غالي لـ (البيان) :الاعتبارات السياسية تحكم المنظمات الدولية

نزل الدكتور بطرس بطرس غالي الامين العام السابق للامم المتحدة والامين العام الحالي لمنظمة الفرنكفونية ضيفا استثنائيا على لبنان , خلال زيارة قصيرة استغلها اللبنانيون للتعبير عن تقديرهم لمواقف غالي ازاء مجزرة قانا, وللاحتفاء بالدبلوماسي المصري المتمرس. (البيان) التقت غالي في حديث خاص داخل فندق بريستول في بيروت, واجرت معه حوارا قصيرا, كشف فيه عن قيامه بزيارة بيروت سرا مرات عدة خلال حرب ما بعد 1975, بهدف مساعدة القيادة المصرية كما قال (لاتخاذ مبادرة لوقف النزيف اللبناني) . يستفزك بطرس غالي بجسمه النحيل: كم اخذت منك الامانة العامة للامم المتحدة من الوزن؟ يبتسم: لا اجابة, ولا يدعك تخسر صدق الابتسامة التي فيها من الوجع الكثير. تسأله: هل انت ضيف استثنائي على لبنان؟ فيتلقفك الجواب قبل ان تكمل: (انا انسان عادي جدا في هذا البلد الذي ابناؤه من كبار الكبار؟ تحتار من اين تأخذ الدكتور غالي في الحوار, وهو الدبلوماسي الرابض على (نعمة) الملفات الدولية الحساسة جدا, خلال مسؤولياته في نيويورك, وما يتردد عما حصل بعد تقريره الجريء عن مجزرة قانا (ابريل 1996), وانت في المقابل الساعي الى البحث عن تفاصيل, عن مسؤولية مادلين اولبرايت في (ازاحته) عن الامانة العامة للامم المتحدة (انذاك), وهي الان في عهدة كوفي عنان. في الحوار التالي بين (البيان) والدكتور غالي في بيروت نبض سياسي لا يجيب عن اسئلته سابقا,ولا عن سيرته الحاضرة والمستقبلية! انطباعات طيبة - كيف تصنف الانطباع العام لزيارتك الى لبنان بعد انتهائها؟ ـ انتهز الفرصة لاشكر اللبنانيين على الحفاوة التي استقبلوني بها. واشكر القيادات لتكريمهم لي, خاصة لمنحي الوشاح اللبناني من أعلى المستويات من قبل الرئيس الياس الهراوي) . - هل كنت منقطعا عن زيارة لبنان في الماضي؟ ـ لقد زرته اثناء المأساة الطويلة, وجئت اليه في بعثات شبه سرية, وقابلت كبار المسؤولين انذاك, وكانت مهمتي جمع المعلومات لتقديمها للقيادة المصرية حتى تستطيع ان تجد وسيلة لمساعدة التسوية السلمية لهذه المأساة (انذاك). - بين زياراتك (السرية وزيارتك العلنية) الحالية كيف تجري تقويما لمقارنة ما رأيت؟ ـ زيارتي للبنان في هذه المرة هي الاولى في عهد الاستقرار والسلام والتنمية (مرحلة السلم الاهلي بعد اتفاق الطائف). ملاحظتي الاساسية بين الامس واليوم هي ان ثمة مقارنة نقيضة كالفارق بالمدى بين السماء والارض. هذه المرة لاحظت عظمة اعادة البناء, خاصة لجهة الطرق والمباني الجديدة, ولعل الملاحظة الاهم هي وجود هذه الارادة السياسية لدى الشعب اللبناني لاعادة بناء الوطن. أين التضامن العربي؟ - زرت موقع المجزرة في قانا بجنوب لبنان, وقلت انك جزء من هذه القرية. ما معنى هذا الانتماء الشخصي؟ واذا كان الانتماء تضامنا فهل هو حاصل برأيك عربيا لصالح لبنان في ظل استمرار مفاعيل تلك المجزرة, واستمرار الاحتلال الاسرائيلي؟ ـ التضامن العربي موجود في مظاهر مختلفة, وهو يتطلب عملا مستمرا حتى نصل الى انشاء مؤسسات تضمنه وتعمل وفقه. - ثمة غموض ولغط حول تقريرك بشأن قانا؟ ـ التقرير حول قانا كان واضحا كل الوضوح, اذ انه كان هناك تعمد من قبل الجانب الاسرائيلي لضرب المدنيين في قانا. - لقد اخذت بالتقرير الذي اعدته قيادة القوات الدولية حينها في الجنوب, وكانت النتيجة (اقصاءك) عن الامانة العامة للامم المتحدة, هل من اسباب اخرى غير ذلك التقرير؟ ـ طبعا هناك امور اخرى, القرار بعدم اعادة انتخابي اتخذ قبل حوادث قانا, ولكن السياسة التي اتبعتها ان أملي بعد انتخابات الرئيس الامريكي انه سوف يتخذ موقف جديد من اعادة انتخابي بناء على ضغوط اغلبية القيادات الدولية التي ترى انه من مصلحة الامم المتحدة ان يتم انتخابي. من هنا فان قضية (قانا) كانت من الاسباب التي شجعت الجانب الامريكي ان يستمر في موقفه وهو عدم اعادة انتخابي. - هل كان هناك من خلافات اخرى غير الرؤية لما حصل تجاه المجزرة بين رئاسة الامانة العامة والادارة الامريكية؟ ـ القضايا الاخرى: كان هناك اختلاف في بعض الحالات بين سياستي انا والسياسة الامريكية ولكن السبب الاخير ان الانتخابات الامريكية تتم كل عشرين عاما للرئيس الامريكي مع انتخابات الامين العام للامم المتحدة وكان في الكونجرس الامريكي معاداة للامم المتحدة ومعاداة لممثل الامم المتحدة وللامين العام بسبب تيار انعزالي, بالتالي كان لا بد للرئيس الامريكي ولاسباب سياسية محضة تتعلق بالانتخابات ان يعلن انه سيمتنع عن اعادة انتخابي. - لماذا هذه المعاداة؟ ـ لان هناك تيارا انعزاليا متناميا في الاغلبية الجمهورية, وهذا التيار الانعزالي ليس جديدا في الولايات المتحدة فالكونجرس الامريكي الذي امتنع عن التوقيع على معاهدة فرساي كما امتنع ان ينضم الى عصبة الامم وبالتالي هذا التيار قديم وهو ان الولايات المتحدة غير متحمسة ان تنضم الى المنظمات الدولية وترك الامور الدولية لكي تكون خاضعة لمنظمة دولية بدل ان تكون خاضعة للسياسة الامريكية. لا ضغوط فرانكفونية - انتم اليوم على رأس المنظمة الدولية للفرانكفونية, هل من ضغوط ما بشكل او باخر عليكم على غرار ما كان يحصل في الامم المتحدة؟ ـ حتى الان لم تتم اية ضغوط, ولي السلطة المطلقة التي اتصرف بها كما اشاء في حدود القرارات التي اتخذتها في مؤتمر القمة للفرنكفونية في هانوي والامين العام في جميع الحالات مكلف بتنفيذ قرارات المنظمة الدولية الذي هو امين عام لها. - ما هو التوجه اليوم في اطار الفرانكفونية لمواجهة العولمة واحتمالات قيام السلام؟ ـ في مواجهة العولمة الموجودة في العالم لابد من التعاون بين مختلف المنظمات الدولية ومن اجل ذلك وجهت الدعوة في 20 مارس عام 1998 اي هذا العام الى ممثل الامم المتحدة والاونيسكو والجامعة العربية ومنظمة الوحدة الافريقية والمؤتمر الاسلامي والكومنولث البريطاني ومنظمة الدول الامريكية ومنظمة الوحدة الاوروبية ومنظمة الدول الناطقة بالبرتغالية لكي نتعامل ونشترك معا لانه من خلال هذا العمل المشترك نستطيع ان نعمل على تدعيم الديمقراطية في العلاقات الدولية. الفرانكفونية الى اين؟ - ماذا يعني لك اليوم هذا المنصب كأمين عام المنظمة الفرانكفونية وماذا يمكن ان تقدمه في اطار هذه المنظمة؟ ـ اولا هناك سبع دول عربية اعضاء في هذه المنظمة هي لبنان ومصر وتونس والمغرب وموريتانيا وجيبوتي والجمهورية الاسلامية لجزر القمر, هذه المجموعة من الدول العربية تشترك في الفرانكفونية وفي نفس الوقت هي عضو في الجامعة العربية, فهناك قاسم مشترك اكبر. يجب ان نعمل على تدعيم العلاقة بين المنظمة الدولية للفرانكفونية والدول العربية, لانه من خلال هذه العلاقة تستطيع المجموعة الفرانكفونية ومن خلالها تستطيع اوروبا ان تساعد العالم العربي, واقول صراحة ان الدور الاساسي للولايات المتحدة باعتبارها الدولة التي لها تأثير مباشر على اسرائيل ولكن يجب ان لا نقلل من اهمية المجتمع الدولي ومن اهمية المنظمات الدولية الاخرى التي تستطيع ان تساعد في عملية احلال السلام في منطقة الشرق الاوسط. - ماذا يمكن ان تقدم المنظمة الفرانكفونية للبنان في تحركه الدبلوماسي باتجاه العالم لشرح قضيته المتصلة بالقرار 425 والطروحات الاسرائيلية؟ ـ ان القرار 425 من اختصاص الامم المتحدة وبالتالي فانه لا يجوز لمنظمة الفرانكفونية ان تتدخل لتجنب الازدواج في العمل, ولكن الفرانكفونية تستطيع تعبئة الرأي العام وان تسلط الاضواء على هذه القضية, كما تستطيع ان تلعب دور الممر الاعلامي لكي يستمر اهتمام المجتمع الدولي بقضية القرار 425. - موقفك من القرار 425 واضح,ولكن الى اي مدى تعتقد بجدية الطروحات الاسرائيلية في هذا الموضوع والى اين ستصل بها؟ ـ لا اعرف ولا استطيع ان اجيب عن هذا السؤال, لكن المهم ان القرار واضح ونرحب بالانسحاب شرط ان لا يكون هذا الانسحاب مشروط. وقد سبق لاسرائيل ان انسحبت من الاراضي اللبنانية, حيث ان الجيوش الاسرائيلية وصلت الى ابواب بيروت, وحتى بيروت نفسها, دون ان تطلب شروطا, فلماذا تطلب شروطا بالنسبة لهذا الانسحاب. - ما هي قراءتك للمواقف الدولية المحيطة بالقرار 425 بعد سنوات طويلة على تنكر اسرائيل لهذا القرار؟ ـ لا شك انه كان هناك تهميشا للقرار 425 وعدم اهتمام المجتمع الدولي به على مدى سنوات طويلة, ولكن في الاشهر الاخيرة اهتم المجتمع الدولي بهذا القرار ويجب ان نعمل على ان يستمر هذا الاهتمام لو أردنا ان نتحرك في تنفيذ هذا القرار. - هل ترى ان اسرائيل جادة في تنفيذ هذا القرار في وقت يؤكد لبنان فيه بأن الكلام الاسرائيلي هو فخ ومناورة ومحاولة لتعديله؟ ـ لا معلومات لدي عن هذا الموضوع. - هل تعتقد ان لبنان ينجح في حركته الدبلوماسية في مقابل الهجوم الاسرائيلي الدبلوماسي دوليا؟ ـ يجب ان لا نقلل من اهمية الرأي العام الدولي, ولكن القوة التي تستطيع ان تتعامل مع اسرائيل هي الولايات المتحدة الامريكية. - ما تعليقك على تطبيق القرارات الدولية في مكان ما دون اخر خاصة بين العراق ولبنان؟ ـ الرد على هذا ان المنظمة الدولية هي منظمة سياسية وبالتالي تأخذ القرارات بناء على اعتبارات سياسية, وتنفذ بعض القرارات بناء على اعتبارات سياسية ولا تنفذ بعض القرارات الاخرى, ايضا بناء على اعتبارات سياسية, فالامم المتحدة اداة سياسية, وعلى الدول الاعضاء ان تستفيد من هذه الاداة على ان تستعمل هذه الاداة لتحقق تلك الاهداف المنشودة. - .. واليوم ما هو دور الامين العام الحالي كوفي عنان في هذا المجال؟ ـ لا تعليق على الامين العام الجديد, لا تعليق على هذا الموضوع, واي تعليق يعتبر ضده. والدبلوماسية تتطلب من الامين العام ان لا يعلق على نشاط سلفه أكان بالنسبة لبريز دي كويلار او كورت فالدهايم, كما لا يعلق على نشاط الذي حل محله وهو كوفي عنان. والتسوية الى اين تسير؟ ـ آفاق التسوية في المنطقة تبدو مغلقة, هل ترى اي كوة أمل يمكن النفاذ منها الى احياء هذه العملية من حيث توقفت؟ ـ يجب على الانسان ان يكون متفائلا ويعمل ويفاوض ويتحاور لانه من خلال ذلك,ومن خلال الاتصالات نستطيع ان نتغلب على جميع الصعوبات, خصوصا وان جميع القضايا الدولية قد تمت تسويتها من خلال التفاوض والحوار والاتصالات والاقناع, فانا مقتنع بالعمل الدبلوماسي, وهذا بالطبع يحتاج الى صبر والى وقت, ولكن يجب ان نعمل حيث لا اسلوب اخر غير ذلك في الوقت الحاضر. - في تقديرك أين سيصل موقف واشنطن في مفاوضات السلام وعلى اية ضفة سينتهي خصوصا في ضوء التأزمات الجمة على خط هذه العملية؟ ـ لا جواب عندي, آمل ان نتحرك ونستخلص من هذا الجمود, ما هو لمصلحة المنطقة ومصلحة السلام. - ما هو تقديرك لما يجري باتجاه الحكم الذاتي الفلسطيني؟ ـ ينطبق على هذا الامر ما قلته بالنسبة للقرار 425, وهذا ما يجب تطبيقه ايضا على المفاوضات التي يجب ان تستمر بين السلطة الفلسطينية والجانب الاسرائيلي اي الاستمرار في العملية الدبلوماسية؟ - قراءتك لمسار هذه العملية الدبلوماسية التي تتحدث عنها.. الى اين تقود؟ ـ الواضح ان هناك خطورة في هذه المنطقة وعلينا ان نحتويها من خلال مزيد من الاتصالات. - الى اي مدى ترى ان الدور الاوروبي لن يكون مفيدا في هذه المرحلة خاصة لجهة رفد التحركات الدبلوماسية الرامية الى تحريك المفاوضات. ـ لم أفهم السؤال؟ - المقصود الدور الاوروبي في الشرق الاوسط وهل ترى ان له سقفا محددا؟ وهل ثمة علاقة لهذا السقف بقرار من الادارة الامريكية؟ ـ السقف ليس محددا اذ انه لاوروبا استقلالية وتحاول ان تلعب دورا في اطار الامم المتحدة والاتحاد الاوروبي وذلك باتجاه ان تلعب كل دولة اوروبية دورها في المنحى نفسه. - ثمة اجماع على ان لدى اسرائيل مخططا لتنفيذ القرار 425 على طريقتها المشروطة وغير المشروعة في مقابل ذلك يلاحظ انه لم يحصل حتى الان اي تحرك عربي جماعي كما العادة في الايام العصيبة السابقة في مواجهة ذلك, برأيك ما هو المطلوب عربيا لمواجهة هذه الحالة الاسرائيلية ضد لبنان والعرب؟ ـ الواضح ان ثمة اجماعا عربيا على تنفيذ القرار 425 وهذا امر طبيعي فالعمل من اجل تنفيذ القرار المذكور موجود. - الا يستحق ذلك قمة عربية طارئة لتأكيد المواجهة ضد الطرح الاسرائيلي؟ ـ هذا السؤال يوجه الى الامين العام لجامعة الدول العربية الدكتور عصمت عبدالمجيد,انما يجب ان نسجل ان الدول العربية كافة ترحب بالانسحاب الاسرائيلي على ان لا يكون هذا الانسحاب مرتبطا بأي شرط. بيروت ـ وليد زهر الدين

تعليقات

تعليقات