سياسيون ومفكرون سوريون لــ (البيان) : اغتصاب فلسطين سيبقى غصة للاجيال المقبلة

يتملك الشارع السوري حساسية خاصة تجاه القضية الفلسطينية وهو لايزال يعتبرها قضية الوطنية والقومية الكبرى ويحكم من خلالها على مواقف الاخرين من مدى قربهم أو بعدهم عن الالتزام بحقوق الشعب الفلسطيني في ارضه ووطنه . وقد زاد من حدة هذه الحساسية حجم التضحيات التي قدمها الشعب السوري من اجل الدفاع عن فلسطين والتصدي لكل اشكال التآمر الذي تعرضت لها خلال النصف قرن الماضي, ومع اقتراب ذكرى مرور نصف قرن على اغتصاب فلسطين فان مشاعر الشارع السوري الممتزج بالمشاعر العربية والفلسطينية بدأت تشهد نوعا من التغيير ليس لجهة التخلي عن ديناميكية الالتزام بالوعي القومي الخاص بالقضية الفلسطينية ولكن لجهة ضرورة اعادة النظر في اساليب العمل العربي التي لعبت دورا خطيرا في وقوع نكبة 1948. ويرى الكثير من المثقفين ومن رجال الفكر والسياسة في سوريا الان بأن الدول العربية لوتصدت بقوة وفعالية لمسألة الهجرة اليهودية إلى فلسطين لما وقعت النكبة ولكانت فلسطين لاتزال عربية الهوية, وان من الخطأ ان يرفض العرب آنذاك القرار (181) الذي صدر عن الجمعية العامة للامم المتحدة والذي يقضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين: عربية واخرى يهودية. ويعربون عن اعتقادهم بأن ما يسعى اليه العرب الان وبعد هذه السنوات الطويلة, من الحروب والمفاوضات هو الوصول إلى وضع مماثل لما كان القرار 181 قد جسده. وتشاطر الجاليات الفلسطينية والعربية المقيمة في سوريا الاوساط المثقفة السورية هذه المشاعر وتؤكد بالوقت نفسه بأن النكبة كانت نتاجا منطقيا ورقميا لحالة الضعف والانقسام في الوضع العربي مما سهل على الصهاينة اغتصاب فلسطين والاستيلاء على مناطق من الاراضي التي حددها قرار التقسيم. (البيان) رصدت اراء عدد من الشخصيات الفكرية والبرلمانية والادبية ومن مختلف التيارات السياسية والاجتماعية من خلالها استطلعت اتجاهات الرأي العام السائد في الشارع السوري الذي يتميز تاريخيا بتعامله مع القضايا العربية المصيرية بأفكار ورؤى قومية شمولية ولاتزال مقولة (فلسطين جنوب سوريا) حية في وجدان الشعب السوري. مظلمة القرن العشرين مروان سيخو الاعلامي والمفكر الاسلامي وعضو مجلس الشعب قال: بالقدر الذي تثيره هذه الذكرى من الم ومرارة في ضمير كل عربي ومسلم فانها وفي هذا الوقت بالذات تفتح نافذة للتأمل والتفكير بطبيعة الظروف العربية والدولية التي مرت خلالها جريمة الاغتصاب والتي اعتبرت في قاموس المؤرخين (مظلمة القرن العشرين) كما تفتح بالمقابل اكثر من نافذة للتفكير بجدية بما يتوجب علينا كعرب ومسلمين ان نفعله ازاء الواقع المر الذي نعيشه حيث لا تنفك فيه اسرائيل عن تعنتها وتحديها للشرعية الدولية مستغلة في ذلك ظروف ما يسمى النظام العالمي الجديد والذي على رأسه الولايات المتحدة الامريكية التي تكيل في منطقتنا بمكيالين, مكيال ظالم مظلم تجاهنا كعرب ومكيال فيه اذعان ومحاباة للعدو الصهيوني الغاشم, ويجب علينا ان لا ننسى هؤلاء الذين تآمروا علينا وعلى حقنا وساهموا بحقدهم بإقامة كيان صهيوني في ارضنا العربية منذ كانت اسرائىل فكرة وهدفا, لقد ولد المشروع الصهيوني في رحم الاطماع الاستعمارية واخذ يسعى للحصول على الشرعية والذي يحقق بمسارعة الدول الكبرى إلى الاعتراف بالظلم الكبير, واستكمالا للمطامع الصهيونية, اخرجت اسرائيل العرب اصحاب الارض من ديارهم وسلبت ممتلكاتهم, هذه النكبة لم يقع مثيل لها في عصرنا الحديث وفي ذكراها نرى الان ما تتعرض لها امتنا من مخططات ومؤامرات تستهدف اقتلاع ما بقي من اهلنا في ارضنا المحتلة وتهويد مدينة القدس العربية ــ الاسلامية, ان هذا الواقع الأليم يفرض علينا ان ندرك اننا ان لم نكن مع بعضنا كعرب ومسلمين ومع حقنا بلا تفريط وتنازل فلن يكون احد معنا وان نعي ان الذود عن مقدساتنا هو واجب كل واحد منا وان فلسطين امانة والقدس امانة والحرم الابراهيمي امانة والصخرة المشرفة كذلك وان اي تفريط أو تخاذل ازاء هذه الامانات هو عار لا يرضى به ديننا ولا عروبتنا والتاريخ لا يرحم المتخاذلين. لقد اثبتت تجارب الحرب والمفاوضات ان وجود موقف عربي موحد هو الكفيل بالحفاظ على المصالح العليا للامة العربية وبالعكس فان المواقف المتعددة والمنفردة لم تثمر سوى هزائم وانتكاسات. نعيش جراحها وقال نجم الدين صالح عضو مجلس الشعب ان هذه الذكرى خالدة في الذاكرة خلودها في الواقع الراهن ان كان الواقع يستطيع ان يسبر اغوارها كما تسبرها نفس كل عربي وحدوي يتطلع إلى الوحدة انطلاقا من مركزها الرئيسي وقلبها النابض الجريح فلسطين, وهذه الذكرى ليست تتذكرها الاجيال الجديدة فحسب وانما كل خفقة قلب وان اغتصاب فلسطين سيبقى غصة للاجيال. الماضي والحاضر والمستقبل معها يتنفس منها ويعيش جراحها والامها ومجرد كلمة التطبيع مع اسرائيل اصبحت منفرة ومقززة لان التطبيع مع اسرائيل هو طريق آخر للاحتلال وللجراح والموت البطىء, والتطبع هو استسلام وذل وانحراف بالقضية كلها لان اسرائيل مشروع صهيوني وجرثوم خبيث سهر عليه رجال التلمود مئات السنين. ذكريات النكبة وقال محمد الطعم عضو مجلس الشعب: عندما نستعيد ذكريات النكبة قبل خمسين عاما لنستفيد من دروسها ونستوعب حجم المحنة ونستخلص الصبر حتى نستطيع فهم الواقع الراهن لقضيتنا المقدسة ومن دروسها نشكل عوامل دفع لتعزيز مواقعنا النضالية وصمودنا والمواجهة حتى نسترد حقوقنا في ارضنا ومقدساتنا, ولان ذكرى نكبة فلسطين تأتي هذا العام وسط احداث ومتغيرات تشهدها المنطقة العربية فهي تحمل من المعاني ما يؤكد ارادة شعبنا في مواصلة النضال, لقد جاء وقت قالوا فيه ان المصالحة مع الكيان الصهيوني وتوقيع اتفاق سلام معه سيؤديان إلى استقرار الشرق الاوسط وانتشار رايات السلام والسؤال الان هل تحققت احلام السلام وهل حل الامن في المنطقة. تصفية روح وجسد حمدان حمدان مفكر وباحث في القضايا العربية والاستراتيجية يقول: يندر ان يعثر المرء في صفحات التاريخ أو ثناياه على حالة مشابهة فالنكبة الفلسطينية ذات قراءة احادية, قلما تجدها في تاريخ الشعوب, ولئن خطر لباحث أو مؤرخ, ان يقرن كما جرت العادة, بين ما حل بالهنود الحمر قبل نيف وخمسمائة عام في القارة الامريكية, فان الفارق يبدو جليا لا في التفاصيل التاريخية بل في درجة الكارثة الانسانية, اذ في المشهد الاول, فان الستارة تسدل على تصفية شاملة لجسد الشعب الهندي بحيث تصبح الجرعة امام محاكم الماضي, اما في المشهد الثاني, فان التصفية واقعة حاضرا على روح الشعب الفلسطيني فضلا عن جسده, والمحكمة هنا مازالت شاغرة بانتظار قضاة العدل الذين لا وجود لهم, وهناك مفارقة تاريخية اخرى, فالاجيال الهندية ــ الامريكية توارث مع اثر التاريخ المدفون, بينما الاجيال الفلسطينية الطالعة, وهي التي لا تعرف عن فلسطين غير ما جاء في الكتب, مازالت تقدم نفسها وقودا للتضحية من اجل فلسطين, ومن هنا, فان اطفال الحجارة الذين امسوا شباب التسعينات بعد ان كانوا اطفال الثمانينات, واطفال التسعينات الذين سيمسون شباب القرن المقبل يقفون جميعا في جبهة التضحية من اجل انقاذ فلسطين. ولئن تجابهت اساليب العمل أو حتى تصادمت بين اسلوب واسلوب, فان الوجهة كما اخالها هي الكفاح من اجل التحرير, أو بصورة معاصرة, الوصول إلى الدولة الوطنية الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف, ولا يضعف من ذلك ان هناك خلافات قد تعلو في حدتها بين هذا الفصيل أو ذاك فهذا شأن الشعوب الاخرى في التاريخ, اذ ليس حكرا على الشعب الفلسطيني ان يختلف, ولعلني في هذه المرحلة بالذات, اقول مع القائلين في الصف الوطني, الا تعلو حدة الخلاف إلى فظاعة الاقتتال الداخلي, وما عدا ذلك فان الاهم هو ان نتعلم كيف نختلف وبذلك لا تضيع دماء الشهداء ممن سبقونا إلى مجد التضحية هباء منثورا, ان الحكمة التاريخية تدعونا ابدا إلى دوام تعزيز الصف الوطني في مواجهة العدو المشترك ولا شيء آخر الان. الهزائم والذاكرة الاديبة الفلسطينية نعمة خالد نقول: ما الذي يبقى لامرأة تتخفى خلف مشهد الكتابة, حين ينسفح الزمن؟ وحين يتناسل المشهد إلى جنازات كثيرة, وانتحاب, إلى اعناق تصهرها مقصلة الأيام؟ نصف قرن يمر على النكبة, والمرأة التي لم تشهد تفاصيلها, تدنو إلى ذاكرة أب وام وجد, فتندفع الهزائم من الذاكرة لتترع حنجرتها بخراب فاضح. تبحث المرأة في مشهد الكتابة عن فرس منسولة من برق, فتطالعها طفلة قدت من مرايا, تهتاج المرأة, والمريا تنشر المشاهد دون مواراة. وملاعب الطفلة تجاور سورا ابيض, السور لا يعلو كثيرا, يترك للشواهد ان تنبق, وليافطة حملت اسم (مقبرة الشهداء) ان تتلامح بسوادها وسط الابيض السور يتهدم من قصف طائرة (الفانتوم) عام 1967, فتتناثر حجارته على مساكب الحشيش, واجمات السريس التي خبأت حكايات الطفلة, تقتل الحجارة الشاطر حسن, وفرط الرمان, ونترك (للغولة) ان تقضم اطراف فرس الشاطر حسن. الطفلة محمومة, تحملها سيارة شحن كبيرة, تخلف ملاعبها, وتل علي ابو الندى المكتنز بأساطير الجدات, والالفية حارسة الكنز, ولدرب عين زيوان التي ترنمت بموسيقا احذية الصبايا العاشقات في المساءات الصيفية اذا هي الهزيمة الاولى للطفلة التي ازدحمت بهزيمة في الذاكرة. لم تكن الطفلة قد تجاوزت اعوامها العشر, ولم تكن فرصتها (بالمموه) قد اكتملت حين جاءت الهزيمة الثانية في سبتمبر السبعين, والشاطر حسن الذي ضحا من موته, وتمثل في صورة الفدائي. تكبر الطفلة رويدا, رويدا, تترك (مساكن النازحين) في المزة, تنتقل إلى مخيم اليرموك تندغم الطفلة في معسكرات الاشبال وفي رأسها صورة (المغار) تدوم, بأشجار زيتونها وضروبها, وبأعراسها التي تجتمع فيها الصبايا من القرى المجاورة, بأهازيجها, وجفراها, وظريف طولها, وبحيرة طبريا ملاعب الطفولة لامها وابيها تتضوع بعبق بياراتها في السديم الذي يمتد في طريقها. الطفلة تصير إلى طالبة في الجامعة, الطالبة تفك اسرار الذاكرة, لتصير اندفاعات من شهيق في قصة تكتبها على صفحة الغلاف لمجلة (الحقيقة) , ولا تتوانى في ان تدفع بالزعتر والبرقوق, والبرتقال, ورائحة التراب التي جمعتها من احاديث الجدة إلى بئر الروح لتقتحم بكل ذلك وحشة (المهباش) النائم بمحاذاة جدار محبوس بين الهزائم. كانت الطالبة عند منعطف الجرح, حين اطلت المقبرة بفجور, وابتلعت بشغف برازخ كان يمكن ان تتفتح عن نوافذ للعبور إلى المغار وبحيرة طبريا عام 1973. وتكتمل مسارب الهزائم بحصار بيروت 1982, ويسقط الزمن شظايا المرأة المذعورة في ممرات المقبرة حين يأتي الموت على زوجها, واخيها, وتصير الذاكرة ساحة مباحة للهزائم, والمقابر, فيبترد القلم فترة, يضيع في جب موحش. المرأة تختلج مثل ذبالة قنديل شارفت على الانطفاء, فتندفع اطرافها باحثة عن الدواة والريشة, توائم ما بين الجرح والفقد, تفتح حواري المخيم على لغة تتصاعد في النقد الذي يهتك, فتأتي قصصها موحشة. دمشق ـ يوسف البجيرمي

تعليقات

تعليقات