نافذة: أزمة روسيا انتهت كالعادة: بقلم - د. مغازي البدراوي

أسدل الستار أخيرا على (تمثيلية) الصراع بين الرئيس الروسي بوريس يلتسين والبرلمان الروسي (الدوما) حول مسألة تعيين (سيرجي كيريينكو) رئيسا للوزراء, على الرغم من تأكيد الكثيرين على وجود أزمة حقيقية على الساحة الروسية تهدد بصدام بين يلتسين والبرلمان وتؤدي الى حل البرلمان . وتأتي الوقائع الأخيرة التي حدثت يومي الخميس والجمعة يوم التصويت الأخير على (كيريينكو) لتؤكد بأن الأمر كله كان كما قلنا من قبل تمثيلية متفق عليها بين تيارين سياسيين ينفردان باللعب على الساحة السياسية وهما التيار الشيوعي والتيار الديمقراطي الجديد, وكلاهما يخشى على مكتسباته وامتيازاته التي حققها على مدى الأعوام القليلة الماضية. وكلاهما ليس لديه أمل في البقاء في السلطة بعد عامين من الآن الا (بالتحالف والاتفاق مع الطرف الآخر) , أما في حالة الصراع بينهما فإن الأمر سوف يؤدي الى ذهابهما واخلاء الساحة لتيارات اخرى منافسة وبشدة ومن اهمها (التيار اليميني القومي) الذي شارك لأول مرة في انتخابات الرئاسة الماضية وحقق نتائج مذهلة رغم أن عمره على الساحة السياسية في روسيا لم يتجاوز وقتها اكثر من عام واحد, وهو التيار الذي تمثل في الجنرال (ألكسندر ليبيد) الذي حصل على المركز الثالث بين المرشحين للرئاسة في مايو سنة ,1996 ثم رجح كفة الرئيس يلتسين في انتخابات الاعادة في يوليو من العام نفسه. وهذا التيار اليميني القومي الذي ينادي ببعث الأمة الروسية القوية, والذي يؤمن بأن الشعب الروسي هو الذي بنى مجد الدولة السوفييتية العظمى وليست المبادىء الشيوعية والماركسية, هذا التيار الذي لم يعط له الفرصة حتى الآن على مدى سنوات طويلة مضت يجد له في وسط الشعب الروسي تأييدا كبيرا خاصة وأنه يتفق ويوافق المزاج الخاص للشخصية الروسية, وهو ما صرح به المستشار الأمريكي (هنري كيسنجر) . عندما التقى بالجنرال (ليبيد) في واشنطن في نوفمبر عام 1996. وليس من الغريب ان يقف بعض رجال الأعمال الروس وعلى رأسهم الملياردير اليهودي (بيرزوفسكي) الذي يتهمونه بأنه وراء عزل تشيرنوميردين يقف وراء ليبيد ويقدم له الدعم المادي من الآن استعدادا لمعركة الرئاسة المقبلة, وهو الأمر الذي أغضب يلتسين كثيرا وجعله يوجه تهديدا حادا لبيرزوفسكي وقال أنه سوف يمنعه من دخول الكريملين. هذه الخلفية من الصراع السياسي على الساحة الداخلية في روسيا هي التي فرضت نفسها بشكل واضح على (تمثيلية) الصراع بين يلتسين والبرلمان حول تعيين (كريينكو) رئيسا للوزارة, واذا تتبعنا فصول التمثيلية نجد أن مسألة التصويت السري على قبول (كيريينكو) والتي حسمت الأمر نهائيا في المرة الثالثة لم تثير ولم يدر حولها أي نقاش على مدى أسبوعين من الصراع, ودارت عملية التصويت الأولى بالشكل العلني, ورفض فيها (كيريينكو) وصمم يلتسين وهدد وتوعد, ثم تمت عملية التصويت الثانية بالشكل العلني ايضا ورفض فيها (كيريينكو) للمرة الثانية وبفارق كبير في الأصوات أكثر من المرة الاولى, وزاد يلتسين في تهديده ووعيده للبرلمان. وأكد الشيوعيون على تصميمهم على رفض (كيريينكو) واجتمع الحزب الشيوعي مساء الخميس قبل ساعات من التصويت الأخير وأكدوا في اجتماعهم على تصميمهم على قرارهم برفض (كيريينكو) وبات الجميع ينتظرون قرار يلتسين في اليوم التالي بحل البرلمان, وفي الجلسة التمهيدية من صباح الجمعة وافق الحاضرون ومنهم الشيوعيون على أن يتم التصويت بالشكل السري, هكذا بدون تفاصيل أو مقدمات, وهنا اتضحت معالم وخيوط الاتفاق الخفي والتمثيلية المتفق عليها, وقرر (جريجوري يافلينسكي) زعيم مجموعة (يابلكا) الديمقراطية في البرلمان الانسحاب من جلسة التصويت, وكان هدفه من الانسحاب كشف التمثيلية المتفق عليها بين يلتسين والشيوعيين, وترك الشيوعيون وحدهم في التصويت السري الذي جاءت نتيجة مذهلة للجميع. إنه (سحر التصويت السري) الذي فضله الشيوعيون كوسيلة لاخفاء معالم التمثيلية المتفق عليها بينهم وبين السلطة, ولكن انسحاب مجموعة (يابلكا) الديمقراطية في الوقت المناسب كشف التمثيلية, وخرج زعيم الشيوعيين (زيوجانوف) لا يجد ما يقوله للصحفيين سوى أن (حزبه فضل الحفاظ على أمن واستقرار روسيا وتفادي الصدام مع السلطة) .

تعليقات

تعليقات