نافذة: كتف قانوني! بقلم - عبدالحميد الموافي

في مباريات كرة القدم, وفي حالة الكرة المشتركة فإنه من المسموح في العادة بكتف قانوني من احد اللاعبين ضد اللاعب الآخر ليتيح الفرصة لنفسه لاستقبال الكرة وتوجيهها, ولكن بشرط الا يلقى اللاعب الآخر ارضاً او يوجه له لكمة بعيداً عن الانظار. وتشهد منطقة الشرق الاوسط الآن رغبة أمريكية جارفة في ممارسة ضربات الكتف القانونية والى حد طرح اللاعب للعلاقات الامريكية البريطانية هي التي حدت نسبياً من ميل اللاعب الامريكي الى اظهار مزيد من الخشونة التي كانت ستظهر بالتأكيد اذا كانت فرنسا هي اللاعب الآخر كما حدث من قبل. فعندما قام وزير الخارجية البريطاني روبن كوك بجولته الاخيرة في منتصف الشهر الماضي في عدد من دول المنطقة, ارسلت واشنطن مبعوثها للسلام في الشرق الاوسط دنيس روس, وهو الذي سجل اكبر عدد من الجولات الفاشلة في المنطقة, ليكون موجوداً وليزور نفس الدول التي زارها كوك وليخطف الاضواء من روبن كوك, وعندما أثار كوك حفيظة نتانياهو كانت اجهزة الاعلام الامريكية اول من ركز على ان كوك افشل تحركه باغضاب الاسرائيليين وان واشنطن لا توافق على ما قام به من زيارة لمستوطنة جبل ابو غنيم. وخلال الجولة الاخيرة التي يقوم بها رئيس الوزراء البريطاني توني بلير في عدد من دول المنطقة, اختارت واشنطن ان ترسل لاعباً اقوى وأكثر ثقلاً هو وليم كوهين وزير الدفاع الامريكي الذي يحمل استيكة ــ محاية ــ ويسير خلف بلير اينما ذهب ليمحو أي آثار لزيارته, صحيح ان بلير ومن قبله كوك, وكذلك شيراك, والرئيس النمساوي كذلك اكدوا ــ وبأغلظ الايمان ــ ان التحرك الاوروبي يتم بالتنسيق مع واشنطن وبتكامل مع جهودها, وان الاتحاد الاوروبي لا يفكر, ولا يستطيع ان ينافس واشنطن في دورها الحيوي في الشرق الاوسط, وهو ما أكد عليه كوفي عنان كذلك, ولكن الصحيح هو ان واشنطن التي تشعر انها تمادت في لعبة الانتظار وتضييع الوقع لصالح اسرائيل, تشعر بحساسية بالغة من اي تحرك في الشرق الاوسط قد يشجع الدول العربية على رفع صوتها بالاحتجاج ضد التحرك البطيء لواشنطن خاصة بعد ان اعلنت واشنطن انها لن تكشف عن تفاصيل افكارها الخاصة بتحريك عملية السلام, وهو ما طالب به نتانياهو في الايام الاخيرة, وبالتالي لا يصبح امام العرب سوى رفع الايدي الى السماء والتمتمة بأدعية لا تسمعها آذان الاقمار الصناعية الامريكية التي تعمل بالتنسيق مع اسرائيل, طالما انهم ــ اي الدول العربية ــ لا يزالون غير متفقين حتى على مجرد عقد لقاء على مستوى القمة. وبغض النظر عن ان روس سيزور المنطقة مرة اخرى ــ كما اعلن في الرابع والعشرين من الشهر الجاري ــ الا ان الكتف القانوني الامريكي ضد التحرك البريطاني لم ينجح في الغاء ذكاء الاشارات التي بعثت بها الدبلوماسية البريطانية ذات الخبرة في شؤون المنطقة, وذات المسؤولية كذلك في المأساة الفلسطينية, فالتحرك البريطاني سواء من خلال روبن كوك, وكذلك من خلال بلير الذي افترش الارض عند حديثه مع احدى اللاجئات الفلسطينيات, استطاع ان يكسب تعاطف العرب. ولكن حل المشكلة لا يتم ولن يتم من خلال اللفتات السريعة تلك, لانه يحتاج بالضرورة الى قوة دفع قوية لتحريك عملية السلام. والمفروغ منه ان الاتحاد الاوروبي لن يستطيع في الواقع ان يقوم بدور في هذا المجال الا اذا وجد نوعاً من التحرك الايجابي على المستوى العربي, لانه يمكن ان يمد يد المساعدة ولكن بشرط ان نكون نحن كأطراف عربية قادرين على العمل والحركة المؤثرة للاستفادة بهذه المساعدة ولتشجيع الآخرين على مد يدهم الينا في مواجهة التحالف الاستراتيجي الامريكي الاسرائيلي. وطالما لم نستطع ان نقوم بذلك, فان جهود الآخرين ستظل قاصرة عن احداث الاثر الضروري الذي نريده. اما الكتف القانوني الآخر الذي مارسته واشنطن فإنه ما حدث في افغانستان, من خلال جولة ريتشاردسون مندوب امريكا الدائم لدى الأمم المتحدة والذي تزداد اسهمه في الايام الاخيرة. فبعد ايام قليلة من جولة الاخضر الابراهيمي مبعوث الامين العام للامم المتحدة الى افغانستان والتي زار فيها افغانستان وباكستان وايران دون ان يحقق نتائج ايجابية تمكن ريتشاردسون من الاتفاق بين حركة طالبان ومعارضيها على بذل العلماء والشخصيات الافغانية للبحث في سبل حل المشكلة, صحيح ان ريتشاردسون حرص على المداراة واعلان ان جهوده تصب في النهاية في قناة الامم المتحدة, ولكن الواقع انه اشار وبوضوح الى سلاح المساعدات الاقتصادية والى ان بلاده ستقدم مساعدات سخية لافغانستان وحركة طالبان اذا نجحت المفاوضات المقبلة, وفي حالة نجاح المفاوضات فإنه من الطبيعي ان تتقدم واشنطن لقطف ثمار الكتف القانوني وتجير النتائج لصالح علاقاتها المقبلة مع افغانستان بما في ذلك ما يتصل بحماية حركة طالبان لاسامة بن لادن التي طرحها ريتشاردسون مع الملا محمد رباني خلال زيارته لاسلام أباد. ويبدو ان الكتف القانوني الذي قام به كلينتون للتواجد الفرنسي في افريقيا شجع الادارة الامريكية على المضي في ذلك وان كان الامر في النهاية هو افراز لرغبة واشنطن في تأكيد دورها الدولي واقناع كل القوى الدولية بسيطرتها ولكن الى حين.

تعليقات

تعليقات