نافذة: أفول (الحرس القديم) الروسي: بقلم - د. مغازي البدراوي - البيان

نافذة: أفول (الحرس القديم) الروسي: بقلم - د. مغازي البدراوي

جاء قرار الرئيس يلتسين بإقالة رئيس الوزراء فيكتور تشيرنوميردين وحل حكومته متأخرا قرابة عام كامل, وبالتحديد من فبراير من العام الماضي عندما تنبأ الكثيرون من المراقبين في روسيا باقالة تشيرنوميردين , وزادت التوقعات مع مجيء الشباب من جيل الديمقراطيين الجدد الى المراكز المتقدمة في السلطة في موسكو, امثال (اناتولي تشوبايس) و(بوريس نيمتسوف) اللذين عينهما يلتسين نائبين اوائل لرئيس الوزراء (تشيرنوميردين) واللذين يتحكمان في كل قرارات الحكومة والكريملين, وبدأ الصراع الخفي بين الجبهتين, المحافظين القدامى بزعامة تشيرنوميردين والديمقراطيين الجدد, وظهرت القوة في طرف الشباب بسبب الثقة الكاملة التي منحهم اياها الرئيس يلتسين وايضا ثقة رجال الاعمال وطبقة الاغنياء في روسيا واكثر من ذلك ثقة الغرب وواشنطن وايضا ثقة المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين. وهناك ثأر قديم منذ خمس سنوات عندما اصدر يلتسين قراره بتعيين (فيكتور تشيرنوميردين) رئيسا للوزراء خلفا للديمقراطي الشاب (ايجور جايدار) وذلك بعد فضائح الفساد والانهيار الاقتصادي السريع والحاد الذي تسببت فيه حكومة الديمقراطيين, ومع عودتهم من جديد في العام الماضي اصبح استمرار تشيرنوميردين في منصبه امرا مشكوكا فيه, وذهب الديمقراطيون يطلقون الشائعات والفضائح حول رئيس الحكومة الذي ينتمي الى جيل المحافظين او بمعنى اصح الى الجيل السابق, وقالوا: ان ثروة تشيرنوميردين تعدت الخمسة مليارات من الدولارات وانه جمعها من وراء حصة اسهمه التي يمتلكها من شركة (غاز بروم) الروسية العملاقة التي تحتكر وحدها انتاج اكثر من عشرين في المائة من الانتاج العالمي للغاز الطبيعي, وقالوا انه اشترى هذه الحصة اثناء عمله في الوزارة, وكان هدف الديمقراطيين من وراء هذه الحملة ضرب عصفورين بحجر واحد, وهو عزل تشيرنوميردين والثاني طرح شركة (غاز بروم) للخصخصة التامة ورفع يد الدولة عنها, وفشل الديمقراطيون في تحقيق الهدفين في العام الماضي بسبب صمود البرلمان الروسي الذي دافع بشدة عن بقاء حق الدولة على الحصة الاساسية من اسهم شركة (غار بروم) وقد تحول دفاع البرلمان والشيوعيين الى دفاع تقليدي عن تشيرنوميردين, وهدأ الحال بعض الوقت ولكن الديمقراطيين لم يهدأوا, وظلت اصابعهم الخفية تعمل طيلة هذه الشهور, وعلى ما يبدو انها كانت بشكل واضح وراء قرار يلتسين المفاجىء بعزل حكومة تشيرنوميردين وتعيين الشاب الديمقراطي (سيرجي كيرينكو) مكانه, وهو التعيين الذي يوضح مغزى وهدف قرار العزل ويؤكد ان الديمقراطيين وراء القرار, فهذا (كيرينكو) هو الصديق الشخصي والمقرب من (بورليس نيمتسوف) النائب الاول لرئيس الوزراء والوجه البارز في مقدمة الديمقراطيين في السلطة والذي قال عنه يلتسين من قبل: (ان نيمتسوف هذا سوف يكون رئيس روسيا سنة 2000) , وحاليا يذهب الكثيرون الى ان نيمتسوف هو المتحكم في كل مراكز القرار السياسي داخل الكريملين الآن وهو الشخص الخفي وراء عزل تشيرنوميردين, وهو الذي اشار على يلتسين بتعيين (سيرجي كيرينكو) في العام الماضي وزيرا للطاقة, ولم يكن يلتسين يعرف (كيرينكو) من قبل ولم يلتق به قبلها, وهاهو وفي اقل من عام واحد يقرر تعيينه رئيسا للوزراء رغم انه اصغر الجميع سنا وليس له ماضٍ سياسي معروف. وبغض النظر عن تشكيل الحكومة الجديدة فإن عزل (تشيرنوميردين) له دلالة اخرى هامة لم يلتفت اليها الكثيرون, وان كان لاحديث قد دار حولها كثيرا في العام الماضي في اروقة الساحة السياسية الداخلية في روسيا, حيث كان يمثل كلا من (فيكتور تشيرنوميردين) ووزير الخارجية (يفجيني بريماكوف) آخر رموز العهد السوفييتي السابق في نظام الحكم الحالي وكان ثالثهم حتى الصيف الماضي وزير الدفاع السابق (ايجور راديونوف) وهو من القادة البارزين في الجيش السوفييتي السابق, وكان الهدف الاساسي من وجود مثل هذه الرموز السوفييتية في نظام الحكم الحالي في روسيا هو ايجاد التوازن بين البرلمان الذي تسيطر عليه الغالبية الشيوعية والقومية وبين السلطة التنفيذية الممثلة في الكريملين والحكومة واللذين يسيطر عليهما الديمقراطيون الجدد من اصحاب سياسة التحرر الاقتصادي والسوق الحر.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات