البيان تستطلع اراء خبراء واكاديميين وساسة:(جردة) حساب كويتية لسياسة إدارة الازمة مع العراق

بعد انقشاع احدث ازمة بين العراق والولايات المتحدة والتي كادت ان تصل الى حافة عملية عسكرية كبيرة تقودها امريكا ضد العراق, بدأ في الكويت تقييم للمواقف ابان الازمة, والقيام بما وصف بجردة حسابات لتلك المواقف. وبدا واضحا ان هذه (الجردة) ليست في صالح الحكومة الكويتية التي اخذ عليها عدد من السياسيين والاكاديميين الذين استطلعتهم (البيان) انفرادها في مساندة ضربة العراق تلميحا او تصريحا كما اخذوا عليها فتور تحركها . وانتقد هؤلاء الاكاديميون الاداء الحكومي عموما خلال الازمة معربين عن اعتقادهم انه كان يفترض ان تكون الكويت بمنأى عن التدخل في تلك الازمة, ومشيرين الى ان هذا افتقار لوجود جهات تختص بالدراسة والبحث وتكون رديفا لصناع القرار في مثل هذه الازمات, هنا حصيلة لاراء الاكاديميين والخبراء والساسة الذين استطلعتهم (البيان) في هذ الشأن والتي اتسمت بصراحة بالغة الى حد كبير. اداء غير مرض مشار العنجري وزير العدل الكويتي يرى ان اداء الحكومة في الميدان المحلي لم يكن مرضيا بصورة كافية: وزاد على الميدان المحلي بالطبع هناك امور كثيرة ناقصة في التعامل مع الازمة, والله جنبنا شرها. وحول النتائج التي تمخضت عنها الازمة بالنسبة للكويت في ظل تعاملها معها, قال العنجري: لا نستطيع ان نجزم بنتيجة آثار ما جرى على الكويت, ومن الممكن ان تظهر في المستقبل القريب, واعتقد ان النتيجة النهائية افضل من قبل الازمة. واوضح انه قبل الازمة كانت الجهود تتجه نحو نزع اسلحة الدمار الشامل لدى العراق, وفي ظل تعنت العراق في تنفيذ هذا الشرط, الذي قد يكون مؤداه تكديس اسلحة الدمار الشامل لدىه, وهذا ليس بمصلحة الكويت ولا العراق. الآن المصلحة الاساسية هي اذعانه لمطالب الامم المتحدة. واذا اخذنا قضية الضربة, فهي تندرج ضمن اطار الامور التي لا يمكن التكهن بنتائجها. لقد استفدنا من عودة المفتشين الدوليين للعمل على الارض. تشديد على الكرامة استاذ علم الاجتماع د. خلدون النقيب قال من جهته اعتقد ان سياسة الكويت الخارجية موضوع يجب ان يناقش على اوسع مستوى, بحيث ينصب النقاش على موضوعي تعامل الكويت مع الازمات التي تطرأ في محيطها, وكيفية تعاملها مع حلفائها, وبخاصة حليفتها الاساسية الولايات المتحدة الامريكية. واعتقد ان هناك تصورين حول مسلك سياسة الكويت الخارجية: تصور يقول ان الكويت لاحول لها ولاقوة, وبالتالي فهي تدور في فلك الارادة الامريكية دون ان يكون لها قول فيها. وهناك تصور آخر يقول ان هناك حدودا, وان اسس تعاملنا رغم الحاجة الى امريكا في حماية حدودنا , تنبع من مصلحتنا الخاصة باعتبارنا جزءا من منطقة اقليمية, هي مجلس التعاون الخليجي, وجزءا من منطقة اقليمية اوسع, وهي منظمة اعلان دمشق. اي بحيث تنبع حدود تعاوننا مع امريكا من قدرتها على حماية حدودنا, لكن مع التأكيد على ان هذا يجب الا يمنع تعارضنا مع امريكا في بعض القضايا, مثل فلسطين وايران, وتناقضنا يجب ان يكون معلنا وواضحا, ويجب , كمنطقة, ان نشكل ضغطا على امريكا فيما يتعلق بفلسطين. وقال: من يعتقد ان علينا ان نتخلى عن العروبة او القومية, وان ارادة امريكا هي النافذة, يسخر من التصور الثاني الذي يقول انه برغم وجود نمط من التبعية فلابد من ان يتم الحفاظ على الكرامة. وقد ظهرت كل النقاط السلبية المتعلقة بالتصور الاول في مسلك السياسة الخارجية في الأزمة الحالية. كل ما فعلناه هو اننا قلنا اننا نأمل في حل سلمي, وقلنا ان صدام هو المسؤول عن نشوء الازمة, وسيكون مسؤولا عن اي نتائج للضربة ان وقعت وانفردت الكويت, على الاقل من الناحية العلنية, في اعلان السماح لامريكا باستخدام قواعد في حال اللجوء الى عمل عسكري, بحيث ظهرت الكويت على انها تساند ضرب العراق. لقد اخطأت السياسة الخارجية برائيي بانفرادها خارج اطار مجلس التعاون الخليجي, وبرغم ان بيان اجتماع وزراء خارجية المجلس اظهر قدرا من الاجماع العلني, فانه بعد الاجتماع ببضعة ايام, توجه وزير خارجية قطر الى العراق. علينا ان نراجع ونعيد النظر في الاسس التي تبنى عليها سياستنا الخارجية, وربما يحتاج هذا الامر الى الاسراع, فالازمة لم تنته فصولا. خمسة مآخذ اما الاستاذ الجامعي والمفكر د. عبد الله النفيسي فقال: اجدني مضطرا لتقسيم هذا الموضوع الى قسمين: اولهما اداء الحكومة الكويتية في مجال السياسة الخارجية, وثانيهما اداء الحكومة في مجال السياسة الداخلية. لدينا الملاحظات التالية على اداء الحكومة في مجال السياسة الخارجية خلال الأزمة الاخيرة: 1- فتور التحرك الدبلوماسي الكويتي مقارنة بنشاط التحرك الدبلوماسي العراقي. 2- فحوى الخطاب الدبلوماسي الكويتي يتطابق تماما مع فحوى الخطاب الدبلوماسي الامريكي, مما يسهل دحضه وتفنيده عربيا. نحن في حاجة الى خطاب متوازن ومتميز عن الخطاب الامريكي. 3- اين اعلان دمشق من هذه الازمة؟ لقد استثمرت بغداد دولا اعضاء في اعلان دمشق بشكل وكيفية ذكيين وفشلت الكويت في تحريك اعلان دمشق لمصلحتها. 4- تأخير البت في موضوع ما يسمى (دول الضد) حافظ على بقاء تلك الدول في حظيرة الرصد السياسي للعراق, وكان في ذلك خسارة بينة للكويت. - الدور الارتجالي للجامعة العربية خلال الازمة, وفقدان الكويت المقدرة على تصحيح ذلك الدور واستثماره فعليا لحل معضلة الاسرى. 5- غياب دور الناطق الرسمي للخارجية الكويتية مقابل الحضور اليومي للناطق الرسمي للخارجية العراقية د. رياض القيسي, والذي يظهر يوميا للاعلام الخارجي يوضح المرئيات العراقية للأزمة بطريقة تخدم الموقف العراقي, في مقابل ذلك نلاحظ غموضا وابهاما وتساؤلات كثيرة تحتاج الى توضيح من الجانب الكويتي. ويتابع النفيسي بالقول: ولدينا الملاحظات التالية على اداء الحكومة في مجال السياسة الداخلية خلال الازمة الاخيرة: فقدان روح الفريق الواحد بين السلطتين التشريعية والتنفيذية, وبين اعضاء مجلس الامة, وبين صناع الرأي والكتاب وتقدم طفيف في البرامج السياسية في الاذاعة والتلفزيون من حيث اتساع دائرة الضيوف, لكن ينبغي التفريق بين الدعاية السياسية الصفيقة والاعلام السياسي الذكي وتقدم ملحوظ في الحركة الداخلية للحكومة وكذلك في حركة جمعيات النفع العام. وتقدم ملحوظ في موقف المواطن من حيث المبادرة والتطوع والانتماء لكن رغم ذلك مازالت الصحافة تعاني كثيرا من حيث الاستقطاب السياسي ولم تستطع الحكومة ان ترشد ذلك. التخطيط الغائب اما الخبير الاقتصادي جاسم السعدون فقال: انا من دعاة ان يكون للكويت مجلس امن وطنيا بحيث يشمل مجموعة من المختصين. الغرض من انشاء مجلس الامن الوطني هو خلق جهاز رديف للبحث والتقصي بما يفيد توجيه السياسات العامة, ويكون لديه تصور مسبق لما قد يطرأ, مما يحد من الخروج بشكل فاضح وصارخ عن المجرى الذي يفيد مصالح البلد على المديين المتوسط والبعيد. وفقا للتجربة , فقد خرجت الكويت عن هذه المسارات. في الاحوال العادية, وفي احوال الازمات سيكون انشاء مجلس مدعوم برصيد من الخبرة مفيدا جدا. مثل هذا المجلس يكون لديه تصور عن الازمات قبل وقوعها, ولديه خطوط سياسية واعلامية للتعامل معها. حتى الآن الكويت لم يكن لها رؤية ابدا. مثال على ذلك قضية دعوة الناس للتحوط عبر الاعلام الرسمي. فتجد واحدا يقول (غرفة في الادوار السفلية) , وآخر (في الادوار العليا) احدهم في باله قصف تقليدي , والآخر يفكر بالقصف بالاسلحة الكيميائية, وفي الصحف الناس يشتكون من الاعلام الرسمي الذي خوف الناس. نفتح الصحيفة فنجد تصريحا لولي العهد ورئيس مجلس الوزراء يقول فيه انه يجب علينا ان نقرأ ما بين سطور الاتفاق بين العراق والامم المتحدة, وتحته تماما نجد تصريحا لنائب رئيس مجلس الوزراء يرحب بالاتفاق. واضاف ليس لدينا رسالة سياسية او رسالة اعلامية, وليس لدينا قدرات. الحكومة غير متفاهمة وليس هناك خط استراتيجي عام. عادة في الدول المتطورة والساعية الى التطور, مطابخ تصنع الرأى العام, وتصنع الاستراتيجية لتخفيف الخسائر وتعظيم المكاسب. لم نكن ناجحين جدا في ادارة شؤون الأزمة, نحن اخذنا اكبر قدر من اللوم, واقل قدر من الفائدة نتيجة عدم وجود رؤية واضحة, لانه ليس لدينا مطابخ مركزية مستعدة للتعامل مع مثل هذه الازمات. وعن مدى المسافة الممكنة بين الموقفين الكويتي والامريكي تساءل السعدون: هل كانت الكويت في يوم من الايام بلدا غير عربي؟ الكويت ما قبل الغزو كان فيها من الفلسطينيين ما يفوق اي دولة عربية من خارج دول الطوق. والكويت قبل الاحتلال كانت ترفض مبدأ اجراء مناورات عسكرية مع الولايات المتحدة. لا اعتقد ان الكويت كانت في يوم من الايام ذات ارادة ضعيفة. الى ان حدث ما حدث من الاخ العربي, الذي استباح الارض والعرض وارتكب الفظائع, او حتى من بعض الاشقاء العرب الآخرين في تلك الفترة, هذا قذف بالكويت الى تحالفات جديدة, امريكا قوة عظمى والكويت لا تستطيع ان تقول لمن حررها سأفعل ما اريد, وان فعلت فهي لن تأمن غدر الجار. تطوير الاعلام اما رجل الاعمال عبد الوهاب الوزان فقال: لاشك ان السياسة الخارجية بحاجة الى تطوير اكثر وتكثيف في العلاقات الاعلامية اي لن يطور الاعلام الكويتي حتى يواكب الاعلام المضاد. هذا الموضوع يجب ان تخصص له ميزانيات كالتي تخصصها الدول الاخرى. وان يطور الاعلام باسلوب ذكي حتى يكون للكويت دور اعلامي في الخارج. اداء الكويت في الازمات مرتبط بالوضع العام. يجب ان ننظر الى الامر نظرة شمولية كأداء اي جهاز آخر في الدولة, فهذه العوامل شبه مترابطة. نرى ان هناك عدم تعاون بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في تنفيذ القرارات, وهذه حالة تكاملية. في السياسة الخارجية حقيقة هناك كفاءة عالية لدى العقل المفكر الذي يشرف على السياسة الخارجية, وهو عميد السياسة العربية, وهو يحتاج بالطبع الى دعم ومساندة من الاطراف الاخرى, سواء التشريعية او التنفيذية. السياسة الخارجية يجب ان تدار بخبرات متمكنة, وتطور بشكل اكبر على ان تؤسس مراكز للبحوث والدراسات ومتابعة الازمات تعين اصحاب القرار في البحث والدراسة, فصاحب القرار مهما اوتي من امكانات فردية شخصية, لا يستطيع ان يواكب هذا الزخم الكبير من المعلومات والوثائق. ان وجدت هذه الادوات, يستطيع صاحب القرار ان يؤدي واجبه وهو متمكن, فالنقص في المعلومة عامل حاسم. وقال ان جميع دول الخليج مرتبطة بعلاقات حماية امنية مع الولايات المتحدة او فرنسا او بريطانيا. هذه العلاقة مرتبطة بالتعاون الامني والاستراتيجي في المنطقة. الولايات المتحدة لها قواعد في المنطقة. الكويت لم تنفرد الا بالاعلان, وهي الوحيدة التي اعلنت انها ستسمح للطائرات باستخدام اراضيها, بينما هناك دول اعلنت انها ستسمح للطائرات الامدادية اللوجستية فقط باستخدام قواعدها, فلكل كان هناك دور. وهناك تصريحات لها مردود اعلامي, لكن بما انها صدرت عن الكويت, فسيستخدها العراق الذي يتربص بالكويت, ويروج اعلاميا ضدها محاولا قلب الحق الى باطل, وتصوير الكويت بدور الظالم لا المظلوم. فالكويت في مسألة علاقاتها مع دول الضد تتحرك ضمن اطار الشارع ومجلس الامة. نبض الشارع عامل من العوامل الاساسية. وكانت ثمة خطوات كادت تتخذ لولا بعض التعقيدات. وهناك تجاوب مع الاردن وتونس. الشارع الكويتي يتأقلم مع الواقع, السياسة الخارجية يجب ان توضع على اسس كسب الدول الاخرى حتى لو كانت مضادة في مرحلة معينة, من اجل تهميش العدو ومحاولة ابعادهم عنه. نستطيع ان نقول ان اداء السياسة الخارجية كان مقبولا, والمقبول فوقه درجات, فهناك الجيد والجيد جدا والممتاز. يجب ان نطور الاعلام الداخلي سواء الصحف او التلفزيون, في الماضي كان للصحف الكويتية قراء في العالم العربي, وحاليا أرى انه ثمة تغطية شبه كلية على الصحف الكويتية عبر مؤسسات, سواء تلك التي تتبع لمؤسسات سعودية او قطرية او غيرها. واعتبر الوزان ان السياسة يجب ان تستند الى وسائل اعلام راقية, تمكنها من مخاطبة الرأي العام محاليا وخارجيا. وقال ان الاعمدة تغلب على الاعلام الكويتي, وانه يجب ان تعمد الصحف الكويتية الى التحليل والدفاع عن مكاسب الوطن دون ابتذال, والاستفادة في ذلك من كتاب من الكويت وخارج الكويت, من العالم العربي وخارجه. اربعة محاور للتحرك الامين العام السابق لمجلس التعاون الخليجي عبد الله بشارة كان له رأي آخر ان الدبلوماسية الكويتية تحركت على اربعة محاور اساسية: المحور الخليجي: والذي تحقق بالاجتماع الطارىء الذي عقد في الكويت وصدر عنه قرار جماعي يحدد ثلاث نقاط: - مسؤولية ما حدث وما قد يترتب عليه على النظام العراقي. - اعلان دعم المساعي السلمية من اجل التوصل الى حل دبلوماسي. - الترحيب بالجهد الدولي وتكثيفة للضغط على العراق, واهم مافي هذا البيان الخليجي الموحد هو انه يضع مسؤولية الازمات السابقة على النظام العراقي الذي يورط العرب بمغامرات لا يستشير ولا يأخذ بالنصيحة فيها, في هذا السياق حققوا موقفا موحدا. المحور الثاني: وهو البعد العربي, من خلال الاتصالات ومن خلال الدعوة الكويتية الصريحة بان اي جهد يجب ان ينصب على شرح مخاطر التعنت على العراق, وليس الدخول في متاهات مفاوضات, وجعل الضغط العربي الجماعي يتوفر على بغداد من اجل ان تدرك ان الخيارات امام العراق معدومة, الا خيار الاذعان. والمحور الثالث: هو البعد الاسلامي الذي تحركت فيه من خلال مبعوثين الى ايران على اعتبار رئاستها للمؤتمر الاسلامي. اما المحور الرابع: فهو البعد الدولي, وتمثل بالاتصالات التي تمت مع دول التحالف واعضاء مجلس الأمن والاسرة الدولية. كل هذه الاتصالات تنحصر في نقطتين: ان الجهد الجماعي ينصب على ابراز المخاطر في غياب التعامل الواقعي مع قرارات مجلس الامن, وتنفيذها نصا وروحا, والنقطة الثانية, حاولت الدبلوماسية الكويتية ان تبرزها من خلال اتصالاتها, وهي ان الضحية الاولى لهذا التعنت الشعب العراقي الذي عانى الكثير ولا يتحمل المزيد من المعاناة. وحملت الدبلوماسية الكويتية في تحاورها مخاطر التعنت على المنطقة واحتمالات تغيير الخريطة كلها اذا ما استمر العراق بتمرده على الشرعية الدولية, واخيرا اداء الدبلوماسية الكويتية هو التأكيد على اهمية الالتزام الاقليمي العربي والدولي بقرارات الشرعية الدولية, على اساس ان الازمة فجرها العراق مع الامم المتحدة ممثلة بمجلس الأمن. واخيرا سعت الدبلوماسية الكويتية لتحقيق توافق اقليمي لتجاوز اي ثغرات يستفيد منها العراق, ولتأمين موقف موحد من مجلس الأمن, وبالذات الدول دائمة العضوية, كي لايستفيد العراق من الخلخلة في المواقف بين الدول. نتائج الازمة ويرى بشارة ان اهم النتائج هي الاذعان التام دون قيد او شرط لمطالب مجلس الأمن وقرارات الشرعية الدولية, والالتزام بشرعية اللجنة الخاصة. والنتيجة الثانية هي تحقيق الحل الدبلوماسي وفق التفويض الذي اعطاه مجلس الأمن لأمين عام الأمم المتحدة من قبل مجلس الأمن, من دون التفريط بالجوهر. وانحسار احتمالات الصدام العسكري وما قد يؤدي اليه من افرازات على الصعيدين الاقليمي والدولي. وتحقيق اجماع دولي وراء الشرعية الدولية, وتحقيق اقتناع دولي بعدم قابلية النظام العراقي للتأهيل الاقليمي والدولي. الاجماع على ان يطيع العراق طاعة عمياء فيما يتعلق بالمتطلبات الدولية, بما فيها آليات المراقبة والوجود الدولي الذي يضع العراق في شكل وصاية دولية في برامجه العسكرية للمستقبل البعيد. العراق, لاشك انه حقق استمرارية نظامه, وهذا اهم شيء بالنسبة له, وتحاشيه الضربة العسكرية, وكذلك, فقد حصل على تشكيل لجنة خاصة لتفتيش المقار او القصور الثمانية, تتشكل من دبلوماسيين ومن فنيين من اللجنة الخاصة, ومن وكالة الطاقة الذرية. كما حصل على تحقيق تباعد في التعامل مع الازمة بين الاعضاء الدائمين في مجلس الأمن, وحصل ايضا على تفهم لشكواه من الحصار ومن اسلوب التعامل الذي تظهره اللجنة الخاصة. وايضا, حصل على تباين في المواقف العربية. وفي النهاية, حقق بعض الاشياء التي يمكن اعتبارها ورقة توت او وصفة لانقاذ ماء الوجه, لكن في النهاية شكلت لجنة خاصة . في الجوهر لم يتغير شيء لكن في المظهر في استطاعته ان يستخدمه كدعاية. الخلاصة ان دبلوماسية القوة هي التي جاءت بانتصار الشرعية الدولية, ولم تأت بهذا الانتصار مساعي روسيا ولا المبعوث الفرنسي ولا الرسائل العربية, ولكن المبدأ الذي عاشته الارض هو ان افضل حل لمشكلة الحروب هو الاستعداد لها من منطق القوة, فأتى بالطاعة العمياء التي يظهرها العراق. ثلاثة اتجاهات عبد المحسن جمال عضو مجلس الأمة السابق قال ان الازمة الحالية لم تفاجىء الكويتيين, بل انهم كانوا يتوقعون غير المتوقع , ولقد اعتبر الكويتيون ان الصراع الحالي هو صراع بين العراق والامم المتحدة, وتعاملوا مع الازمة بهذا الاتجاه, ونستطيع ان نلخص الرؤية الكويتية لهذه الازمة بما يأتي: - الاستعدادات العسكرية, وهي تعتمد على ثلاثة اتجاهات: - القوة الذاتية, وتم رفع مدى استعدادها الى الذروة, وهي قوة لا تستطيع منفردة مواجهة القوة العسكرية العراقية. - الاعتماد على البعد الخليجي, وتم ذلك سياسيا من خلال بيانات قيمة مجلس التعاون والمجلس الوزاري. - تطبيق بعض بنود الاتفاقات الامنية بين الكويت وبعض الدول الكبرى وذلك من اجل حماية الكويت وخوفا من تكرار العراق لاعتداء جديد. ثانيا: الاستعدادات الدبلوماسية والاعلامية: لقد كان الخطاب السياسي الكويتي باتجاه الخيار الدبلوماسي, كما ان الحذر العسكري لم يمنع الكويت من الدفع بتجنب استخدام القوة, والاعلان عن سعادتها وترحيبها باتفاق كوفي عنان مع الحكومة العراقية, مع حرصها على ضرورة تطبيق العراق لالتزاماته الدولية والتي للكويت نصيب منها. اما الاعلام الكويتي فقد عمل على اكثر من محور: - عرض المشكلة وطرحها بتفاصيلها على الرأي العام الكويتي والعربي, وقد نجح بعرض الحقائق اولا باول, وعرض وجهة النظر الكويتية من خلال العديد من السياسيين الكويتيين بطريقة خلقت ارتياحا كاملا في الشارع الكويتي. - عرض الاجراءات الامنية, وتنبيه المواطن الكويتي لاتخاذ بعض الاجراءات والاستعدادات لذلك. وقد ادت المبالغة في هذا العرض, كما يرى البعض, الى استنفار لدى بعض ارباب البيوت من حيث التموين والاستعدادات المنزلية, وهي قضية كان يمكن للاعلام الكويتي ان يعرضها بشكل اهدأ, وان كان مجرد عرضها امرا مرغوبا فيه لان تحذير الناس, وان كان يخوفهم, افضل من طمأنتهم بخلاف الواقع. - كان يفترض عرض وجهات النظر العربية المخالفة وطرحها على السياسيين الكويتيين والرد عليها لتوضيح الرأي الكويتي للشارع العربي, خاصة ان اغلب المحطات الفضائية الخليجية تعتمد في نجاحها على السياسيين الكويتيين, الذين من خلالهم يستمع المواطن العربي الى الرأي الآخر من خلال الصراحة الكويتية المعهودة. الفهم العام للأزمة: يعتبر الكويتيون من اكثر الناس قدرة على قراءة الازمة الحالية لعدة اسباب, من اهمها قربهم الجغرافي وتعرضهم لاعتداء عراقي كاد يمحوهم من الوجود ويلغي دولتهم, وبالتالي فانه من المهم عرض القراءة الكويتية على القارىء العربي لتتضح له العديد من الابعاد والتي سنوجزها بما يلي: - تفهم العقلية العراقية بانها عقلية يتحكم فيها فرد واحد, هو الرئيس العراقي صدام حسين, والذي عرف عنه التراجع اذا ووجه بالقوة والتخويف, والتمادي بالاعتداء اذا شعر بان الطرف المقابل ضعيف, وبذلك فهو يتعامل بما يسمى بنظرة اختبار القوة, والتي من خلالها وفي ضوئها يتصرف. خير مثال على ذلك حربه مع شعبه من الاكراد, وحربه مع ايران وغزوه الكويت وصراعه مع الامم المتحدة وخلافاته مع الولايات المتحدة الامريكية. لذلك فان الكويت وهي الدولة الصغيرة, لجأت الى الدعم الدولي ووقعت الاتفاقيات الأمنية مع الدول الخمس الكبرى التي تتمتع بعضوية مجلس الأمن. وبالتالي فان الفهم الدولي للعقلية العراقية هو الذي جعل الولايات المتحدة وبريطانيا تلجآن للضغط العسكري, وهو الذي شجع حوالي 25 دولة للتعاون معهما, حيث ان التهديد بالقوة هو الذي انجح الحل الدبلوماسي, والذي اجبر الحكومة العراقية على توقيع الاتفاقية التي تلزم العراق بفتح جميع المواقع للمفتشين الدوليين, والتي تعتبر سابقة في تعامل الامم المتحدة مع احدى الدول الاعضاء. وقد ادت هذه الاتفاقية الى وضع الحكومة العراقية في وضع حرج, وسلطت عليها الاضواء بطريقة لا تستطيع معها التهرب من تبعات مخالفتها في تطبيق هذه الاتفاقية, واعطت قوة لمفتشي الامم المتحدة لدخول جميع المواقع متى ارادوا, مخترقة بذلك الحظر العراقي. والسبب الاساسي للازمة الاخيرة هو احتجاج الحكومة العراقية بان دخول القصور الرئاسية يعتبر تعديا على سيادة العراق, وها هو صدام حسين في هذه الاتفاقية يتنازل عن هذه السيادة وبتوقيع من حكومته وذلك بتعزيز نظرية العقلية العراقية برضوخها للقوة, وان جاء ذلك مغلفا بحل دبلوماسي. ولذلك فالكويت تشعر بان هذه الازمة قد اوضحت للعالم اجمع ان الصراع ليس بين العراق والكويت, كما يحاول البعض طرحه, ولكنه صراع بين العراق والامم المتحدة التي استطاعت بامينها العام الزامه بفتح قصوره الرئاسية للتفتيش مع غيرها من الاماكن لامد غير محدد, واعتراض العراق على ذلك في اي لحظة سيضعه في الزاوية الحرجة, وسيسهل بعدها تبرير استخدام القوة العسكرية, وهي نتيجة لم تحسب لها الحكومة العراقية حسابا جيدا.

تعليقات

تعليقات