من الموالاة الى المعارضة يكون الفوز للديمقراطية: حكومة اليوسفي تدشن اكبر تحول سياسي في المغرب - البيان

من الموالاة الى المعارضة يكون الفوز للديمقراطية: حكومة اليوسفي تدشن اكبر تحول سياسي في المغرب

مع اعلان استقلاله عام 1956 اندلع في المغرب صراع سياسي شرس انعكست آثاره الرهيبة على كل الفترات اللاحقة من تاريخه المعاصر . هذا الصراع الذي كان احيانا دمويا وقاتلا, بين مكونات الحركة الوطنية تعود جذوره الى فترة النضال ضد الاستعمار, نتيجة الخلاف حول العديد من القضايا وهو اندغم فيه صراع الاجيال بالصراع الايديولوجي بالصراع الطبقي بالصراع على السلطة حيث يصعب على اي تحليل يتوخى الدقة والموضوعية غض الطرف عن كل هذه العناصر مجتمعة. وقد شهدت الفترة الممتدة بين 1960 و1975 ذروة هذا الصراع الذي انعكس على كافة مظاهر الحياة في المجتمع المغربي, حيث شهد المغرب خلال هذه الفترة سلاسل من المؤامرات والمؤامرات المضادة, والاضطرابات والمظاهرات والاعتقالات والتوترات التي طبعت آثارها الساحة السياحية الى الآن بدرجات متفاوتة. وكان اخطر ما في هذه الحقبة هو استقطاب الصراع السياسي لكافة مظاهر حياة ونشاط المجتمع, بل هيمنة السياسة والمواقف السياسية والنظرة السياسية والصراع السياسي على كل شيء, لكن مع حلول 1975 حدث تحول اساسي في الرقعة السياسية بعد طرح قضية الصحراء الغربية ضمن استراتيجية استكمال وحدة المغرب الترابية, وتدشين المرحلة الثانية من الاستقلال, وهي دينامية كان من شأنها اعادة ترتيب المجال السياسي وتوجيه كل الطاقات والقوى نحو العدو الخارجي, ووضعت السلطة لذلك سياسة يتم عن طريقها دمج قوى المعارضة في المسلسل الديمقراطي الذي اقدمت عليه, اما مجتمعة عن طريق اندماجها في المؤسسات, او فرديا عبر اندماج عناصر النخبة المعارضة في هيكل السلطة. بعد 1975 بدأت قوى المعارضة بقيادة الزعيم الراحل عبدالرحيم بوعبيد مؤسس الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية تنتقل تدريجيا نحو نوع من الاشتراكية الديمقراطية مع الانخراط التدريجي في المؤسسات الديمقراطية وابتداء من 1992 بدأت السياسة الجديدة تؤتي ثمارها لدرجة جعلت السلطة تبادر بطرح فكرة التناوب, لكن عشرين عاما من الصراع لم ترحل بين عشية وضحاها, فقد تركت بصمات في النفوس مثلما تركت بصمات في الاجساد ولعل تلكؤ وتعثر فكرة التناوب آنذاك (من التناول التوافقي الى تناوب صناديق الانتخابات) يعود في جزء كبير منه الى ترسبات ذلك الصراع. وبعد شد وجذب ومراوحة وتعثر حققت فيها كل الاطراف بعض المكاسب تعبدت الطريق نحو تسمية التحولات السياسية التدريجية التي دشنها مسلسل استكمال الوحدة الترابية باسمها الحقيقي وهو: المصالحة الوطنية التاريخية الكبرى. هذه التسمية بدأت بقبول اسناد منصب رئيس مجلس النواب لأحد اقطاب المعارضة وانتهت باسناد رئاسة الحكومة لرئيس الحزب الذي عانى هذا الصراع منذ تأسيسه عام 1975 وبذلك يتوج مسلسل المصالحة بانجازين كبيرين. اعادة الثقة للعمل الحكومي وثمة حقيقة أكيدة وراء ذلك هي ان حزب الاتحاد الاشتراكي بقبوله المشاركة في دواليب الحكم يكون قد فطم نفسه من اسلوب المعارضة وتخلص من وصفه بــ (الحزب الذي ادمن المعارضة) مساهما بذلك في ولادة ثقافة سياسية جديد في البلاد واعطائها نفسا جديدا تستقبل به القرن المقبل, من خلال مشاركة وجوه وكفاءات جديدة تنتظر ان تدلوا بدلوها في مجال التسيير والتنمية, اضافة الى اعادة الثقة الى العمل الحكومي, والدفع بأحزاب الاغلبية السابقة الى ابتكار اسلوب جديد يثري ثقافة المعارضة, واعادة النظر في الذات وتقييم التجارب الماضية ووضع صورة جديدة مغايرة للصورة النمطية التي لازمتها منذ تأسيسها كأحزاب ولدت وفي فمها ملعقة من ذهب. وما بين الموقعين الجديدين لكل من احزاب المعارضة والموالاة, تكون الديمقراطية الكاسب رقم واحد, لان التمرس في ضفتي المعارضة او الحكومة يكون بمثابة تمرين للعضلات السياسية ومدرسة للتأهيل الديمقراطي وقد جاء التغيير بالكثير من الهدوء والرصانة على خلفية قرارات حاسمة بينها ابرام معاهدة شراكة سياسية واقتصادية مع الاتحاد الاوروبي لتغليب نزعة الاندماج في المحيط الجهوي والدولي, بما يتطلبه ذلك من تأهيل سياسي واقتصادي وفكري. وتأتي هذه المصالحة التاريخية بين جميع المكونات السياسية المغربية في وقت باتت تدرك فيه حقيقة الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد, وهي الاوضاع التي سبق للعاهل المغربي الملك الحسن الثاني ان دق ناقوس خطرها قبل سنوات قليلة, حينما اعلن من منبر البرلمان السابق النتائج المريرة التي تضمنها تقرير البنك الدولي الذي تم اعداده بطلب منه داعيا الى العمل على تجنب ما سماه بــ (السكتة الدماغية) التي يمكن ان تصيب المغرب. واذا كانت الاوساط الشعبية ومعها قطاعات واسعة من المجتمع المدني المغربي تعلق آمالا كبيرة على تشكيل حزب الاتحاد الاشتراكي للحكومة الجديدة فان المراقبين يرون ان هناك استعدادا نفسيا لدى هذه الاوساط يكمن في وجود قناعة مفادها ان هذه الحكومة ستقدم على تدابير متعددة لكبح جماح الازمة الاقتصادية والاجتماعية سواء على المدى القصير او المديين المتوسط والبعيد. بورصة اليوسفي وكان لافتا الارتياح الكبير الذي ساد لدى اوساط المال والاعمال المغاربة في اعقاب تكليف العاهل المغربي لعبدالرحمن اليوسفي تشكيل الحكومة. وقد تمثلت اوجه الارتياح في معطيين: المعطى الاول: يبرز من خلال تأكيد الاتحاد العام لمقاولات المغرب على الثقة بنجاح اليوسفي في مهمته وتوفير الحلول الاقتصادية والاجتماعية للمشاكل التي تتواجهها المقاولة المغربية من منطلق العلاقة الوطيدة بين الاصلاح السياسي والاصلاح الاقتصادي. اما المعطى الثاني: فيتمثل في رصد خبراء الاقتصاد والمال لمؤشرات اسهم بورصة الدار البيضاء, حيث انتعشت البورصة وارتفعت قيمة الاسهم مباشرة بعد تعيين اليوسفي بمنصبه الجديد بعد فترة تميزت بالركود والتراجع. لقد درجت العادة في الدول الاوروبية انه كلما تولى الاشتراكيون الحكم الا وقوبل ذلك بتحفظ من طرف رجال الاعمال والمقاولات, حيث يتراجع نشاط البورصة وتنخفض قيمة الاسهم لكن الملاحظ في حالة المغرب انه يحدث العكس مما يدل على ان عالم المقاولة والمال بالمغرب يبحث عن مؤشرات الثقة وتوفير المناخ الملائم لتنمية الاستثمارات, وتجاوز العوائق التي اثرت بشكل مباشر على النمو, والتي يرتبط باصلاح الادارة والقضاء والنظام الضريبي وغيرها من المثبطات التي تشكو منها الاوساط المالية والاقتصادية والتجارية في المغرب. والجدير بالذكر ان حزب الاتحاد الاشتراكي وهو يحضر برنامجه الانتخابي قام بفتح حوار ونقاش واسعين مع مختلف الفاعلين الاقتصاديين حيث اثمر هذا الحوار عن صياغة وبلورة جملة من المقترحات والرؤى والتصورات لتسيير قاطرة الاقتصاد المغربي في الاتجاه الصحيح, وينتظر ان يتواصل هذا الحوار ليكون هناك تشاور دائم ومستمر بهدف تعميق الانفتاح على عالم المقاولات وتذليل المصاعب التي تواجهها في ظل التحولات الاقتصادية الدولية الجديدة. وفي سياق الحديث عن التحديات التي تواجه حكومة اليوسفي ترى اوساط المراقبين ان اي مواجهة فعالة لها تتطلب تنمية علاقات تعاقدية بين مختلف الادارات المغربية والرفع من مستوى التنسيق فيما بينها ومن هنا تأتي اهمية التشكيلة الحكومية على اساس اهداف استراتيجية من خلال تحسين الترابط بين الاختيارات الاقتصادية والضغوط المالية وبلورة رؤية متكاملة للاولويات في القطاع الاجتماعي وفي مجال البنيات التحتية. وعلى الصعيد الخارجي يتوقع المراقبون ان تعطي حكومة اليوسفي دفعة قوية للدبلوماسية المغربية سواء في المحيط الاوروبي حيث توجد احزاب اشتراكية في الحكم او على الصعيد الاقليمي والمغاربي نظرا للعلاقات الطيبة التي تربط اليوسفي بقادة الدول المجاورة وخاصة الجزائر فضلا عما يرسخه هذا التعيين لصورة الاستقرار السياسي الذي يوصف بأنه (نفط المغرب) الامر الذي سيؤدي الى جلب المزيد من الاستثمارات الاجنبية. ترتيب البيت المغربي وفي كل الاحوال ينظر الى تولي زعيم المعارضة المغربية منصب رئيس الحكومة على انه تدشين لأحد اكبر التحولات واهمها في تاريخ المغرب, باعتبار ذلك اول تجربة تداول سلمي على السلطة, ذلك انه على رغم ان الفصل الرابع والعشرين من الدستور لا يرهن تعيين الوزير الاول (رئيس الحكومة) بمواصفات سياسية محددة, فان حيازة الاتحاد الاشتراكي على المرتبة الاولى في مقاعد مجلس النواب جعلته الاكثر تأهلا لهذه المهمة, فضلا عن المواصفات الشخصية لعبدالرحمن اليوسفي الذي يحظى بتقدير الشركاء والخصوم السياسيين على حد سواء, بيد ان الاهمية الكبرى تكمن في ان خطة التناول التي ارادها الملك الحسن الثاني بمثابة تقليد ديمقراطي لتكريس التوازن السياسي, وافساح المجال امام نخب سياسية جديدة لتحمل المسؤولية اصبح في الامكان القول انها تحولت الى واقع ليس من خلال نتائج صناديق الاقتراع ولكن عبر قرار سياسي يتخذ ابعادا استراتيجية, وفي الامكان القول تبعا لذلك انه جرى اعداد جيد لهذا التحول عبر مسارات التدرج في الممارسات الديمقراطية وبالذات من خلال تحويل فكرة التعددية السياسية التي تنبذ الهيمنة وفكرة الحزب الوحيد الى واقع معاش. واذا كان صحيحا ان اول دستور مغربي نص على خيار التعددية في ظرف كانت تسود فيه افكار ومنهجيات مغايرة لهذا التوجه فالصحيح ايضا ترتيب البيت الداخلي لاستيعاب هذا المضمون السياسي جرى وفق اجراءات وآليات وممارسات محكمة الاتفاق, ليس اقلها التزام كافة الشركاء السياسيين دعم هذا التوجه عبر ترسيخ الممارسات الديمقراطية واشاعة مناخ الانفتاح واجواء الحوار. من المحاماة الى السلطة: عبد الرحمن اليوسفي مهندس تربيع الدائرة رفقاؤه في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المولعون بالتشبيهات والمقارنات يلقبونه من باب المحبة والتقدير بــ (غروميكو) لوجود علاقة شبه بين الاثنين: شهرتهما خارج البلاد فالمشبه به خدم الامبراطورية (المودعة) انطلاقا من برجه في وزارة الخارجية او بين اروقة المحافل والمؤتمرات الدولية يوجه جيشا من الدبلوماسيين والمستشارين ورجال المخابرات يبني مجد بلاده. زاهدا في مجده الشخصي, وعدا هذه الصفة (الشهرة في الخارج عكس الداخل) لايوجد ما يجمع بين الاثنين لا من قبيل الصفات الجسدية او الفكرية بل على النقيض يوجد ما يباعد الواحد عن الآخر: خدم غروميكو بلاده معززا بثقة او اكراه المؤسسة الحزبية, بينما فرض على (شبيهه) عبدالرحمن اليوسفي ان يودع وطنه عنوة عقب الانكسار الذي اصاب حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بعد احداث 1963. ووسط النقع والغبار الكثيف الذي ملأ البلاد في ذلك الصيف القائظ ظل اليوسفى وقد طال البطش اغلب رفاقه يواصل المقاومة من الموقع الاخير غير الحصين (جريدة التحرير) يطلق عيارات الاحتجاج والتنديد فلا من مجيب وحينما ايقن ان الضمائر المتأججة انكفأت وان الطلقات اوشكت على الانقضاء وضع القفل على باب الجريدة (التحرير) والقى خطبة الوداع في النفر القليل الذي ظل بجانبه منتشيا برصاص الطباعة يصفف بها مقالات الاستنكار. ولد اليوسفى في طنجة يوم 8 مارس 1924 وكانت رائحة بارود بنادق رجالات عبد الكريم الخطابي مازالت منتشرة بأرجاء جبال الريف, فيما طنجة تعج بأقوام وجنسيات مختلفة نما الرجل وكبر في عمق الاسئلة الكبرى والعميقة للمغرب الحديث, وبحكم المناخ الاجتماعي والسياسي الذي عاصره توجه الى دراسة الحقوق فحاز على الاجازة في هذا التخصص وعلى دبلوم الدراسات العليا في القانون العام ودبلوم الدراسات العليا في العلوم السياسية وآخر من المعهد الدولي لحقوق الانسان وعمل محاميا لدى المحاكم الدولية بطنجة ما بين 1952 و 1960 ثم نقيبا لهىئة المحامين بالمدينة عام 1959. ومن خريف 1963 الى الفترة التي ظهر فيها بالخارج معلنا نجاته من العاصفة الهوجاء لايعرف متى وكيف انسل اليوسفى من تربة بلاده دون جعجعة (تروى حكايات عن هذا الفرار القسري) وقد ظل هذا المحامي والقانوني والناشط في مجال الدفاع عن حقوق الانسان الذي يعيش برئة وحيدة يقضي حياته في المنفى بدون عنوان ثابت (كل المراسلات كانت توجه له بواسطة البريد المحفوظ) الى جانب زوجته فرنسية الجنسية اليونانية الاصل, يساعدها في ادارة كشك صغير لبيع الصحف في مدينة كان في الجنوب الفرنسي. وبسبب ذلك التمازج بين الدفاع بالبرهان القانوني والكتابة في صحيفة محدودة او واسعة الانتشار نسي اليوسفي محنته الشخصية فلم يمارس نرجسية نضالية باتهام سلطات بلاده بالاساءة اليه وتعذيبه مع العلم انه تحمل قسطا لا بأس به وفي مقابل ذلك لم يهادن عندما تعلق الامر بوضع الحريات العامة في الوطن, وسيقود نكران الذات هذا الى ان (سكنته) سبيل نصرتها صداقاتها مع اقطاب الرأي والتأثير الديمقراطي في الحكومات او بين صفوف المعارضين المطاردين الذي اعادتهم موجات الحرية الى اوطانهم فيما بعد (اسبانيا على سبيل المثال) كذلك استمر ديدننه في اتحاد المحامين العرب ( كان قد تحمل مسؤولية نائب رئيس اتحاد المحامين العرب ومكلف بالعلاقات الخارجية) وداخل المنظمات الحقوقية الدولية الاخرى التي اكبرت فيه صفات القانوني المنصف والمحامي فمنحته عضويتها دون انتطار سند او ترشيح رسمي من بلاده. يقال ـ والقولة تنطبق عليه وعلى الاخرىن ان اجادة اللغات والتعمق في الثقافات يقوي في الانسان فضيلة التواضع والميل الى الزهد في متاع الدنيا وبالنسبة لليوسفى, الطنجاوي الذي يجيد الفرنسية والايطالية والاسبانية والانجليزية دعك من لغته الام اكسبته اللغات عمق الرؤية السياسية وكيفية المراهنة على المستقبل بدل الركون الى الطريق العابر كما ربت في الاعتناء بالصفحات الداخلية في الجرائد وفي هذا الباب يروى عنه الذين عملوا معه في الصحافة تشديده على التأمل دائما في اخبار البورصة وسهرات النجوم وحظك اليوم, وسباق الخيل, والكلمات المتقاطعة فتلك الابواب مؤشرات على مدى صحة المجتمع من الداخل ولاسيما بنيته الاقتصادية والمالية انها ترمومتر لايخطىء. ولان تلك هواياته الاساسية فقد ظل مترفعا عن تموضعات السياسة ووضاعتها ودسائسها وهكذا ظل اليوسفى طوال اقامته في المنفى (الهوائي) الذي تلتقط بسرعة تعليمات القيادة التي كان يبثها قائد الاتحاد الاشتراكي الراحل عبد الرحيم بوعبيد, والامثلة على ذلك كثيرة: فخلال المؤتمر الاستثنائي الذي عقده الحزب (الاتحاد الاشتراكي) للم الشمل المتفرق, بدا ان الصراع بين تيارات الداخل والخارج يشكل تهديدا وتحديا بالمؤتمر للخروج من النفق, فكان لابد من (قرص مهدىء) ينزل حرارة المناضلين وفيما يشبه الاخراج الفني امتلأت القاعة نقاشا وجدلا عندما احس (المخرج) انها بحاجة الى لحظة (استراحة) طلب من المؤتمرين الانصات انطلق صوت اجش, خالطته وشوشةالتسجيل, لايقوى على الافصاح من فرط التأثر, وبمجرد ما تبين المتعطشون الصوت بنبراته الملازمة له, انه عبدالرحمن يوجه التحية للمؤتمر. اهتاجت القاعة هتافا ثم هدأت وادركت مغزى الرسالة وابتسم عبدالرحيم راضيا وانهى المؤتمر اشغاله بحماسه ووحدة صف لم تتكرر بنفس القوة والحرارة في المؤتمرات اللاحقة, كانت عودته الى الوطن (1980) على شريط كاسيت. الآن يمثل عبد الرحمن موقعا من المؤكد انه لم يرغب فيه لكن سيجعله اكثر تصميما على عدم خلع بدلة المحامي الذي لايستهين بحجة الخصم, ولا برأي القاضي وفتواه القانونية, كما سيعزز قناعته بقاعدة, ان القضية التي تبدو مكسوبة يفاجئك الحكم فيها. هو اصبح الان في منزلة القاضي الذي عليه ان ينحاز وظيفته الى العدل فيرضى جناحا ويسبب الغبن للتيار الآخر مثلما عليه ان يبحث عن الحلفاء والانصار لانجاز مشروعه السياسي بما يقتضيه (البحث) من تنازل ومرونة عن الاقتضاء بل القبول باملاء شروط الخصم اذا كان ميزان القوى وليس العدل يميل لصالحة. ولان حرفة رئيس الحكومة تشترط ان يكون الممارس لها مزدوج الصفات يتمتع بقسط من الدهاء والمكر (وكلها امور مستحبة في السياسة) فمن الواضح لاي محلل, ان اليوسفي يزاوج منذ تكليفة تشكيل الحكومة بفنية بين صفات مهنته الاصلية المحاماة والصحافة (ابقى على مهمته كمدير لجريدة الاتحاد الاشتراكي عند اعادة هيكلتها قبل ايام رغبم توليه رئاسة الحكومة) حيث كان يتحرك بهدي من اصولها, يستمع ودون ثم يتخذ الموقف بعد روية وتفكير ويكفيه النجاح الذي حققه اخيرا بتشكيلته الحكومية التي وصفها بنفسها انها (هندسة صعبة) فقد استطاع بعد ستة اسابيع من المشاورات وهي اطول مشاورات في تاريخ الحكومات المغربية وربما في حكومات العالم من تربيع خارطة المغرب السياسية التي شاءت الانتخابات التشريعية الاخيرة ان تجعلها دائرية الشكل, وكان الانجاز الذي يدعو الى الاعجاب باسلوب اليوسفي في القيادة هو الصفقة الناجحة سياسيا التي ابرمها مع حزب الاستقلال والتي تجلت بقبول مشاركته في الحكومة وفي وقت كان يهضم بصعوبة خسارته الفادحة في انتخابات مجلس النواب, ويرفض مهتاجا ما يترتب عليها من مؤسسات يقول روبرت شومان: (هناك أمران شديدا الصعوبة في العالم: احدهما ان يصنع المرء اسما لنفسه. والآخر ان يحافظ على الاسم. واليوسفى صنع اسمه بقوة زمن الحركة الوطنية وعاش تاريخ المغرب الحديث بكل اسئلته وقلقه كما لعب دورا اساسيا في الثورة الجزائرية وعلاقته مع القادة الجزائريين تشهد على ذلك. اما وجوده بأوروبا فقد خلق من حوله صداقات من محيط العائلة الاشتراكية وغيرها. لكن الرجل ظل رغم ثقافته الفرنسية غير مصاب بمرض النزعة الفرنكفونية, اذ عايش الاتجاه العروبي الوطني بصدق واخلاص. لم يكن اليوسفى الخجول والمتأمل الصامت مهووسا بالزعامة يوما غير ان الزعامة أبت الا ان تأتيه على قدمين.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات