نافذة: المعارضة المغربية تحكم المستقبل: بقلم - رضا الاعرجي

يعيش المغرب هذه الايام على ايقاع التغيير السياسي الكبير الذي سيأتي بالمعارضة الى الحكم, في اطار ما بات يسمى بـ (التناوب) بعد تكليف عبدالرحمن اليوسفي زعيم حزب (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) المعارض تشكيل الحكومة الجديدة . أي ان اليسار سيخلف اليمين, فيما ستلعب احزاب الوسط دور التكملة او بيضة القيان لضمان التوازن المطلوب. وفي البدء, يجب التذكير بالانتخابات الاخيرة السابقة لأوانها, والتي رغم انتظار المغاربة لها طويلا فان نتائجها لم تقنع احدا, بل ولم تقنع حتى الرابحين لكنها جعلت البلاد بأكملها تسبح في جو من التراضي, ففي الوقت الذي تعتبر فيه الحملات الانتخابية في امكنة اخرى مناسبة لاستلال الخناجر, تظل المواجهات الحزبية هنا خامدة... اذ يبدو ان اليمين يمنع على نفسه اطلاق الاحكام على الاختيارات الغامضة لليسار, في حين ان اليسار يحرص على الصمت ازاء نتائج تجربة اليمين الباعثة على الجدل, فالامور تجري كما لو انه من غير المجدي ومن المضجر تبادل الضربات مادامت النتائج معروفة مسبقا. التناوب, اذن, سيجعل هذه الاخيرة تخلف الاولى, وبالتالي, فرهان الاستحقاقات الانتخابية يتجسد حاليا في الاتجاه نحو (مرحلة جديدة) , لن تكون متمحورة ــ كما في السابق ــ حول شخص وزير الداخلية ادريس البصري, الذي لم يسبق لمن احتل قبله هذا المنصب ان حظي بكل هذه السلطة التي يتمتع بها الآن. حيث نجده في كل الملفات الشائكة, من الجامعة الى الصحة, مرورا بالمفاوضات مع النقابات. من الناحية النظرية, كان رحيل البصري يشكل احد الرهانات الرئيسية للمعارضة في الانتخابات الاخيرة, لكن كما يبدو فان قادتها قد استوعبوا الدرس جيدا, وتجنبوا الخوض في موضوع مصير وزير الداخلية لانهم يتذكرون جيدا ان رفض الملك لرحيل البصري عن الحكومة 1993 هو الذي اجهض فكرة التناوب وقتها. والواضح, ان الرهان الاساسي, او الهدف الان هو الوصول بالتناوب الى بر الامان, ذلك ان أي حل اخر يبدو منذورا للفشل: فلا خيار لدى المغرب, يجب ان يحقق التناوب, حتى اذا تطلب الامر تعاون اليسار مع احزاب كانت توصف بأحزاب (الكوكوت مينوت) , اي تلك التي تم طبخها على عجل في القدور التي تعمل بالضغط البخاري, ولن يحتج احد, فالمعارضة المنضوية في اطار تحالف (الكتلة الديمقراطية) لم توقع على (ميثاق شرف) مع ادريس البصري هباء, لانها تدرك ان دروب الديمقراطية في العالم الثالث ملتوية دائما. لقد جرت بعيد الاستقلال وطيلة الستينات مواجهات متباينة في مداها وفي رهاناتها لم تتحول بعد نهائيا الى ماض. لكن التفاعل الحالي بين اطراف اللعبة السياسية, وما يمثله من مفاهيم وآليات, بدأ في غمرة انتعاش الانفراج السياسي في السبعينات والذي بلغ اشد درجات التبلور مع تحريك مسلسل استعادة الصحراء الغربية. هذه المرحلة الجديدة طبعت الحياة السياسية المغربية بطراز من المواجهات متميز عما سبق, من حيث المظهر, ولكن في الجوهر ظل محور النقاش هو كيفية بناء الدولة وتوطيدها, وكان اهم ما حدث في غمرة ذلك هو وقوع مراجعات للنفس من هذا الطرف او ذاك, وحدوث تقارب وظهور تقاطعات بل وحتى التقاءات, صنعت في مجموعها حالة التراضي القائمة حاليا. وقد دخلت الاحزاب في مراجعات نظرية شملت الخطاب والبرامج, حيث اصبحت ظروف منتصف السبعينات تختلف داخليا وخارجيا عن يقينيات الستينات ومواقفها الصارمة مما اهل تلك الاحزاب لاحتلال موقع الصدارة في المسلسل الذي فتح. وحدث تقارب في غمرة كل ذلك, خاصة في قضية الصحراء, احدث انتعاشا لفكرتين متلازمتين: الاولى ارتباط مسلسل تحرير الارض بمسلسل تحرير الحياة السياسية. والثانية عودة الروح لفكرة الالتفاف الوطني وتحريك آليات العمل المشترك. وفي هذا المناخ نشطت الاعمال التحضيرية للمسلسل الحالي, الذي تم تدشينه بتطبيق دستور 1972 واقامة المؤسسات التمثيلية بدءا ــ كما هي العادة في المغرب ــ بالانتخابات الجماعية (البلديات) . وفي ظل ترديد شعار (المغرب الجديد) تم تشجيع عناصر مستقلة على اقتحام الحياة السياسية, بالترشيح للانتخابات والوعد بضمان الفوز, وتم ترتيب الامور على نحو مبيت يهيء لتجميع الفائزين في تشكيلة سياسية جديدة. ويدلنا واقع الامور على ان ذلك تم وفق هندسة سياسية استحضر صانعوها تجارب احزاب الموالاة في انظمة اخرى. ففي منتصف الثمانينات برز توجه جديد تمثل في كسب شرائح جديدة من النخبة التي تكونت في الادارة والاعمال الحرة, لتكون رصيدا مضافا لها, وعلى غرار شعار (المغرب الجديد) جاء شعار (شبيبة ما بعد الاستقلال) لاعطاء هوية لتشكيلة سياسية جديدة, بغية غمر الاجواء بتعددية تغذي الحياة السياسية بالعديد من البدائل. وظهر مع ذلك ان الدعم الاداري والمالي لجماعات الموالاة مهما بلغت كثافته لم يمكن من تهميش معسكر المعارضة الذي ظل منطويا على قدرة فاعلة في تأطير قسط له وزنه النوعي من النخبة في تحريك الشارع, كما ظل علامة على تعويم التيار الذي تمثله المعارضة لم يعط نتائج كبيرة, اذ ان مصداقية تيار المعارضة في الشارع, وفي الخارج عربيا ودوليا لم يلحقها تأثير حقيقي. وحينما ساد الشعور بالسأم من مؤسسة مكيفة الهواء في اواخر الثمانينات كان الزلزال الديمقراطي يهز أركان المعمورة وصادف وضعا في المغرب كان قوامه كالتالي: ــ التفاف وطني متين وحقيقي محوره قضية مصيرية (الصحراء) وشعور متين بالانتماء للدولة. ــ وجود حياة سياسية حقيقية. ــ تطلع قوي الى تصحيح المسار باضفاء المصداقية على المؤسسات عبر انتخابات ذات مصداقية. وكان ما كان من اعلان دستور جديد, وكان ماكان من انشاء الكتلة الديمقراطية والتطورات التي اعقبت ذلك حتى بروز شعار التناوب.

تعليقات

تعليقات