نافذة: تجارة الموت: بقلم - سعيد السبكي

الدعوة المفتوحة للاستثمار في الوطن العربي خاصة في الدول النامية أو الفقيرة, رافقتها في الآونة الاخيرة مخاوف امنية وايضا اقتصادية من غزو الاموال القذرة لمجالات الاستثمار وهيمنة اصحابها المشبوهين على آليات الاقتصاد والاستثمار في تلك البلدان , ومحاولات هؤلاء اختراق المؤسسات السياسية, مما يمثل خطورة كبيرة تهدد المجتمعات العربية بالانهيار, وهي خطورة تفوق في مستواها مخاطر الفقر أو انعكاسات اثار التقشف الاقتصادي لو قيست بمعيار موضوعي محايد. وقد تسرب منذ ايام تقرير امني هولندي حمل كثيرا من المعلومات الخطيرة حول غسيل الاموال القذرة والجهود التي تبذلها الدول الاوروبية لحصار تلك الاموال, وسد المنافذ امامها في مجالات الاستثمار المختلفة, وهروب تلك الاموال واتجاهها توجهات اخرى في دول العالم الثالث ومنها الدول العربية, نظرا للقوانين الميسرة التي بدأت تنتهجها معظم الدول العربية في فتح ابواب الاستثمار. واشار التقرير ان حجم الاموال القذرة في العالم بلغ العام قبل الماضي 100 مليار دولار, وبلغت الزيادة في العام الماضي اكثر من مائة مليار دولار, وان معظم هذه الاموال تأتي من بيع وصناعة وتهريب المخدرات, اذ تقدر ارباح المخدرات وحدها كنشاط غير مشروع اكثر من 500 مليار دولار اي ما يبلغ 50% من نسبة الاموال القذرة اجمالا, في حين تأتي النسبة الباقية من تجارة السلاح المشبوهة وتجارة الرقيق الابيض وغيرها من مصادر العمل المشبوهة, وان مصادر الاموال القذرة قد بدأت تتنوع وتأخذ اشكالا جديدة تمشيا مع التطور والتقدم العلمي والتكنولوجي, فدخل في هذا تجارة وتهريب الاسلحة الكيماوية والبيولوجية الخطيرة, واسلحة الدمار الشامل والرؤوس النووية وبيعها إلى دول بعينها أو منظمات خاصة لها صلة بالارهاب الدولي, وان تجارة الموت هذه اصبحت تدر ارباحا لرجال المافيا والعصابات المنظمة اكثر من ارباحهم من تجارة المخدرات, اذ تشير الاحصائيات ان نسبة الربح تزيد بمعدل 30% عن تجارة المخدرات الثقيلة كالهيروين والكوكايين وان رؤوس الاموال هذه تبحث عن سبل جديدة لغسلها. وبعيدا عما ورد في هذا التقرير فان خبراء المال والاقتصاد الاوروبيين اطلقوا تحذيرات خلال الاعوام القليلة الماضية عن السبل الاخرى التي بدأت الاموال المشبوهة في البحث عنها بعيدا عن المجالات المعروفة لغسلها, فقد كان اصحاب هذه المليارات يلجأون في السابق إلى البنوك والاسهم والبورصات, واقامة المرافق السياحية والمحال التجارية بجانب تجارة الذهب والماس, وهي كلها مجالات تنبهت اليها الحكومات في العالم وبدأت تفرض على تمويلها حصارا ومراقبة, وسنت لها الدول قوانين لمكافحتها في الاسواق التقليدية, مما ادى إلى سد منافذ هذه الاسواق إلى حد كبير, ودفع بأصحاب المليارات القذرة إلى البحث عن اسواق مالية اخرى لغسل اموالهم والتوجه لمشروعات اخرى في الدول النامية. الدول العربية خاصة النامية التي تفتح احضانها لرؤوس الاموال الاجنبية أو تسوق التيسرات امام المشروعات الاستثمارية جزافا, مطلوب منها اتخاذ عدة خطوات لحماية اقتصادها ومجتمعاتها من الاموال السوداء وتأثيراتها السلبية المهددة لكيان الاقتصاد والمجتمع, عليها بدءا ذي بدء ان تشجع رؤوس الاموال الوطنية, وان تعطيها الاولوية للفوز بالمشروعات الاستثمارية خاصة في القطاعات الحيوية التي تمس الدولة ككيان والمجتمع كقيم. احكام الرقابة على مصادر الاموال المقبلة من الخارج, واتخاذ التدابير الاحترازية تجاه ظاهرة الاموال السوداء برصدها ومحاربتها, ووقف محاولاتها لدخول البلاد واضفاء الصفة الشرعية عليها. ضرورة التعاون بين الدول العربية ووضع قوانين مشتركة في المضمون والنسيج لمحاربة غسيل الاموال والتنسيق بين الجهات المعنية في هذه الدول والجهات ذات الصلة بالمكافحة لتبادل المعلومات. عقد بروتوكولات للتعاون الامني لمكافحة غسيل الاموال مع الدول الغربية والتي يشتهر فيها وجود المافيا والعصابات المنظمة للوقوف اولا بأول على شتى المعلومات التي تدور حول هؤلاء, وانشطتهم واموالهم وتوجهاتهم لتصريفها أو تبيضها وان يكون هناك بنكا للمعلومات يضم كل ما تتوصل اليه هذه الدول. التنسيق المصرفي بين البنوك العربية لمحاصرة اي محاولة لدخول هذه الاموال عبر اي بنك لاخر وتبادل المعلومات بصورة سرية حول هذ الامر. عدم ترك الحرية المطلقة لرؤوس الاموال خاصة الاجنبية للتحرك وامتلاك المشروعات ذات الصفة الحيوية دون رقابة, وان تبقى رقابة الدولة أو تواجد الاجهزة الرقابية في هذه المشروعات تمارس مهامها في كل الاحوال لضمان سلامتها واقامتها بأموال نظيفة. اعطاء صلاحيات للاجهزة الرقابية للقيام بدورها في التصدي ومنع تسرب رؤوس الاموال المشبوهة مع الاجهزة الامنية مع اجهزة الرقابة لحماية تلك المشروعات. ولا تعني الخطوات السالف ذكرها أي نوع من الرجعية أو البيروقراطية, أو مناداة بالردة لعصور الانغلاق في وقت ينفتح فيه العالم كله على بعضه البعض, ويتجه بكل اندفاعاته إلى ما يطلق عليه العولمة, بل يعني في مضمونه اتخاذ الخطوات الوقائية والاحترازية لمنع غزو الاموال السوداء لمشروعاتنا التنموية والحيوية, وهي المشروعات التي تعلق عليها كثيرا من الدول العربية النامية وحتى الغنية بما فيها دول الخليج آمالا عريضة في المستقبل للرقي الاقتصادي والرفاهية, نقول هذا لما لمجتمعاتنا العربية من خصوصية متفردة في النسيج الاجتماعي والكيان الوطني, هي خصوصية لا يحتمل معها الوقوع في خطأ من هذا النوع ثم الصراخ والبحث عن حلول يكون فيها دفع هذا الاخطبوط الخطير للاموال السوداء نوعا من المحال, ودائما الوقاية خير من العلاج.

تعليقات

تعليقات