نافذة: تحرشات باتلر:بقلم - د. عبد الحميد الموافي

بالرغم من ان الكثيرين على امتداد المنطقة ــ باستثناء اسرائيل بالطبع ــ قد تنفسوا الصعداء عقب التوقيع على الاتفاق الذي توصل اليه كوفي عنان الامين العام للامم المتحدة في بغداد وهو ما قطع الطريق على الضربة العسكرية الامريكية للعراق, او بالاحرى زاد من صعوبتها وفرض عليها تأجيلا اجباريا, الا ان الايام الاخيرة شهدت الفصل الثاني من تحرشات ريتشارد باتلر رئيس لجنة الامم المتحدة الخاصة بتدمير اسلحة الدمار الشامل العراقية ببغداد وكان الفصل الاول لهذه التحرشات هو ما تواكب مع الكشف عن تحرشات كلينتون بجميلات الصهيونية العالمية حيث ربط باتلر هو الآخر بين ما ادعى ان العراق يمتلكه من اسلحة جرثومية وبين امكانية تدمير تل ابيب متناسيا ان لجان التفتيش التي يترأسها سبق ودمرت اي صواريخ عراقية يزيد مداها على 150 كيلو مترا والمؤكد ان المسافة بين العراق واسرائيل اضعاف هذا المدى. واذا كان باتلر قد تعرض لانتقادات عديدة من جانب بعض ممثلي الدول دائمة العضوية في مجلس الامن الدولي بسبب تصريحاته وتصرفاته والتي سجلت تناقضا كاملا مع تصريحاته التي استهل بها مهمته قبل عدة اشهر, فان صحيفة (الصنداي تايمز) البريطانية كانت محقة تماما عندما وصفت تصرفاته قبل ايام بأنها (طائشة ولا مسؤولة) . ومن هنا فانه من غير المستبعد ان يثير ريتشارد باتلر خلافات مع العراق في الفترة المقبلة ليس فقط للرد على ما تعرض له من انتقادات وصفها هو بأنها سياسية اكثر منها شخصية, ولكن ايضا لتقديم خدمات او خلق فرص يمكن لواشنطن ان تستخدمها داخل مجلس الامن لتهديد العراق او توجيه ضربة اليه عندما تجد ان ذلك ممكنا. وليس من المصادفة ان يشير وزير الخارجية الروسي يفجيني بريماكوف الى ضرورة تفادي الاستفزاز من هذا الطرف او ذاك وهي اشارة تعكس الشعور بوجود قدر من عدم الثقة بين باتلر والقيادة العراقية وعلى نحو لا يقل ان لم يكن يفوق, ما كان موجودا بين العراقيين ورالف ايكيوس الذي خلفه باتلر. وفي الوقت الذي يمثل فيه قيام كوفي عنان بتعيين الدبلوماسي السيرلانكي (جايانتا دانا بالا) رئيسا لمجموعة المفتشين والدبلوماسيين التي ستقوم بتفتيش المواقع الرئاسية العراقية الثمانية التي تم الاتفاق عليها, خطوة هامة لابعاد ريتشارد وباتلر عن هذه العملية وبشكل مباشر, الا ان الخلاف الذي حدث حول تبعية المجموعة التي شكلها كوفي عنان, وما اذا كانت تتبع باتلر ام تتبع الامين العام للامم المتحدة يشير بوضوح الى رغبة باتلر في اقحام نفسه في عمل هذه المجموعة كسبيل للتحرش بالعراقيين. واذا كان من المعروف ان لجنة الامم المتحدة الخاصة بتدمير اسلحة الدمار الشامل العراقية تتبع الامين العام للامم المتحدة الخاصة بتدمير اسلحة الدمار الشامل العراقية تتبع الامين العام للامم المتحدة وهو الذي له سلطة تعيين او تغيير رئيسها, فان كوفي عنان هو الذي يمكنه الفصل في هذه النقطة بالنسبة لتبعية المجموعة الجديدة التي تشكلت وفق اتفاق 23 فبراير الماضي الذي تم التوصل اليه في بغداد وتحديد ما اذا كانت تستقدم تقاريرها اليه ــ كوفي عنان ـ مباشرة ام انها ستقدمها الى باتلر الذي يحيلها بدوره الى عنان ومجلس الامن. والمرجح في ظل حالة التربص التي يعيشها باتلر في هذه الفترة ورغبته العارمة في التحرش بالعراقيين وتقديم خدماته للامريكيين والاسرائيليين ان يعمد الامين العام للامم المتحدة الى قسم هذا الامر وجعل المجموعة الجديدة تابعة له مباشرة. ولعل ما يرجح ذلك الخيار هو ان عنان يرغب في ان يكون قريبا من عمل هذه اللجنة وما تتوصل اليه من نتائج في اطار الاتفاق الذي لعب عنان شخصيا دورا حيويا في التوصل اليه يضاف الى ذلك حساسية وخطورة ما سيترتب على تقارير المجموعة التي ستفتش القصور الرئاسية العراقية وما تضمه من مبان, خاصة وان هذه التقارير ستكون الاداة التي ستعتمد عليها واشنطن في حالة اتخاذها قرارا بتوجيه ضربة للعراق, سيدفع عنان الى فض الاشتباك بين باتلر والقيادة العراقية بالنسبة لتفتيش المواقع الرئاسية. وبغض النظر عن ان ذلك قد لا يروق واشنطن, الا انه يمثل افضل الخيارات واكثرها عملية للتعامل مع هذه المسألة المتفجرة والتي لم يتم نزع فتيلها بالكامل بعد. وسواء اتخذ عنان هذا الخيار او ذاك, فان حساسية الموقف الراهن تجعل من الضروري بالنسبة للعراقيين العمل على الالتزام الجاد والواضح بقرارات مجلس الامن وبالاتفاق الذي ابرمه عنان وطارق عزيز لتفويت الفرصة على جحافل واشنطن المتربصة بالشعب العراقي, وحتى لا يتلذذ باتلر بتحرشاته او يستمر فيها.

تعليقات

تعليقات