نافذة: المؤامرة الانجلوساكسونية: بقلم- هيلينا كوبان

يقف الرئيس الامريكي بيل كلينتون حاليا على رأس حملة لتأجيج حمى الحرب ويجد نفسه في النهاية مستقبلا بمظاهرات معادية للحرب في الوقت الحالي, وهذه الاطلالة لا تعدو الشيء الوحيد الذي يشهد تغييرا في امريكا فيما يتعلق بالسياسات المتجهة نحو الحرب . فبالعودة الى عام 1990 نتذكر كيف واجه بوش كثيرا من المعارضة من الكونجرس خلال الاشهر التي قام فيها باعداد الولايات المتحدة للذهاب للحرب ضد العراق. ونتذكر كيف انه تمكن في النهاية من اقناع الكونجرس بتمرير القرار المؤيد للحرب مستعينا في ذلك بفعالية وقوة نفوذ التحالف المناهضة لصدام في الامم المتحدة, وما بين تلك الفترة والوقت الحالي تغير الكثير. ففي عام 1998 نجد ان معظم اعضاء الكونجرس متخندقون في جبهة الحرب مع العراق مع انهم يسمعون حاليا رسائل مناهضة للحرب من دوائرهم الانتخابية, ويقف مجلس الامن الآن مترددا في التماشي مع خطة الحرب الامريكية, فهل ما زال الرئيس كلينتون يعطي نفس الأهمية ــ في خطاباته ــ لسلطة مجلس الامن؟ انه لا يفعل, كما ان معظم اعضاء مجلس الامن غير مبالين كثيرا لقبول وجهة نظره حتى ولو فعل. وللعودة مرة اخرى للفترة ما بين 1990 ــ 1991 فان صفوة رجال السياسة في واشنطن ما زالوا يعتقدون في احتمال حدوث شيء ما يطلق عليه اسم (النظام العالمي الجديد) , والآن تتمثل الكلمة الطنانة في (العولمة) , فهل الكلمتان هما نفس الشيء؟ ربما لا, فتعبير النظام العالمي الجديد كما اوضحه بوش وكما فهمه معظم المعلقين حول العالم كان يتضمن دورا اكبر للامم المتحدة والمؤسسات الدولية الاخرى بالرغم من انه (من وجهة النظر الامريكية) ستكون هناك جرعة كبيرة كذلك من القيادة الامريكية للعالم. وعلى العكس فان العولمة هي شيء (من وجهة نظر امريكية) يحدث بصورة ضخمة دون قيادة مؤسسية, ولكن من خلال قوى سوق غير مرئية. ولو حدث ان آلت تلك العولمة لسيطرة الاسواق الامريكية مع وجود مستعمرات الكوكا وغيرها في جميع اسواق العالم, فان ذلك من وجهة نظر السياسيين الامريكيين يثبت مدى تفوق الرؤية والنهج الامريكي, أليس كذلك؟ والاختلاف الرئيسي انه في عام 1990 فان اعضاء النخبة الحاكمة بالولايات المتحدة كانوا يفكرون بضرورة الاهتمام بمواقف وآراء اعضاء بقية العالم وفي 1998 فان العديد من اعضاء تلك النخبة لا يرون ضرورة لذلك. وهذا التغيير لا يرتبط بعلاقة تذكر بحقيقة انه خلال فترة السنوات السبع غير الكونجرس مواقفه طبقا لبنود حزبية من الديمقراطيين الى الجمهوريين. لكن هذا التغيير يرتبط بالحقيقة الاشمل الممثلة في تحول مواقف الكونجرس خلال التسعينات, وهو التحول الذي اسفر حتى الآن عن وجود جزء كبير من الاعضاء بمجلس النواب والشيوخ ممن لهم خبرة واهتمام قليل بالتطورات التي تتعدى الحدود القومية. وكل ذلك يساعد بشكل اساسي في تفسير الموقف غير الجدي في واشنطن حاليا تجاه قضايا عديدة خاصة بالشؤون الخارجية, كما يساعد كذلك في تفسير كيف نجح اعضاء الكونجرس والادارة الامريكية خلال الشهور الاخيرة ان يتناوبوا الحديث عن حمى الحرب ضد العراق. ويعد الميل في ذلك الاتجاه بلا شك مدفوعا بتأثير عدد من اعضاء اللوبي اليهودي في الكونجرس, الا ان استعداد السياسيين الامريكيين للاندفاع من قبل اللوبي اليهودي نحو حمى الحرب هو احد اعراض مرض عميق جدا, الا وهو مرض الافتقار للتعامل الجدي مع الشؤون الدولية, فالحرب ننظر اليها على انها فرصة لالتقاط الصور, واعتبر الشعور بالحرب كأنه برنامج للتوك شو, او لعبة فيديو بأحدث انواع التكنولوجيا, ولا يهم مطلقا العواقب او المغزى السياسي الناجم عنها. فمثل الصين تعد الولايات المتحدة قوة عظيمة وقارية يمكن ان يظهر ارتباطها في الغالب مع العالم الخارجي كأنه أمر اختياري, وعلى عكس الصين, فان سكانها لم يشاهدوا اي عمل عدائي من دول اخرى داخل حدودها على مدى عدة اجيال, فالآثار المدمرة للحرب على المجتمعات والاقتصاديات وعلى الاجهزة السياسية بأكملها تعتبر شيئا لم يألفه كثيرا معظم السياسيين الامريكيين. فما يحدث في واشنطن هو اشياء ساخرة بمجملها, يمكن ان ترى بمغزى آخر على انها مسلية جدا, وفي نفس الوقت الذي انخرط فيه السياسيون الامريكيون في الحديث عن حمى الحرب فان عددا كبيرا من المواطنين الامريكيين تزايدت لديهم الشكوك الجدية حول الحكمة والجانب الاخلاقي في تلك الحرب, الا انه بدا ان هؤلاء السياسيين كانوا غير واعين تماما لتلك الآراء حتى ذهبت تلك الحملة المثيرة للضحك وسيئة التخطيط الى اوهايو وعندها اندهش السياسيون لما سمعوه من الاشخاص العاديين. وفي نفس الوقت ايضا اندفع هؤلاء السياسيون في واشنطن نحو تجديد خطط الحرب وجعلها في اوج كمالها مطمئنين الى أن ذلك في مصلحة صديقهم المقرب وهو اسرائيل وفي داخل اسرائيل نفسها فان المخططين الاستراتيجيين الجادين والعسكريين كانوا يتساءلون عما اذا كان الهجوم على العراق هو في حقيقته في مصلحة اسرائيل. فهل تؤدي تلك الحرب ــ في نفس الوقت ــ لولادة قوة جديدة في الشؤون العالمية حسبما تقول نظرية المؤامرة الانجلوساكسونية؟ فبعد اعوام من طرد قوات جورج واشنطن لرجال الملك جورج الثامن مما اصبح يعرف الآن الولايات المتحدة, يبرز التساؤل عن وليمة المحبة الانجلوساكسونية الجديدة؟ وهناك المزيد ينتشر حول العالم, فكندا واستراليا وحتى نيوزيلندا الصغيرة تصطف لاعلان انضمامها الى تحالف الحرب كذلك. ويأتي ذلك في وقت من المفترض ان يسعد فيه توني بلير بدور بريطانيا كرئيسة للاتحاد الاوروبي واظهار كيف ان سياسته المؤيدة لأوروبا الموحدة تختلف عن تلك التي انتهجها المتشككون في وحدة اوروبا مثل جون ميجور, ولكن اين توجد روابط توني بلير مع اوروبا الآن؟ ففيما يتعلق بالعراق نادرا ما يتفق بشأنها مع الفرنسيين او معظم الدول الاوروبية الاخرى, فالدعوة الموجهة اليه عبر الاطلسي تبدو قوية جدا بشكل لا يمكن مقاومته (عد يا جورج الثالث) فكل شيء اصبح في طي النسيان.

تعليقات

تعليقات