حساب الربح والخسارة في اتفاق عنان بعيون مصرية

يبدو أن الأزمة الامريكية العراقية لم تنته بعد حتى بعد الاتفاق الذي أبرمه كوفي عنان الامين العام للأمم المتحدة في بغداد, الذي حظى بقبول وارتياح على المستوى الشعبي العربي والدولي والرسمي أيضا في معظم الدول العربية بجانب قبول أطراف دولية كروسيا وفرنسا والصين المؤثرة في مجلس الامن وقراراته الى جانب قبول قطاعات واسعة في الرأي العام الامريكي ذاته. لكن الاتفاق لم يحظ ــ حتى الآن ــ بقبول نهائي من الادارة السياسية الامريكية والبريطانية المتحفظتان بزعم أن العراق لن يلتزم بالاتفاق, وبالتالي تسعيان لانتزاع تفويض من مجلس الأمن بالتصرف المنفرد في حالة عدم التزام العراق. (البيان) استعرضت عددا من خبراء الاستراتيجية والعسكرية المصرية حول تحليلاتهم لحساب الخسائر والارباح في الازمة الاخيرة واستشرافهم لسيناريو التطورات المقبلة. وفيمايلي حصيلة الاستطلاع: المشير محمد علي فهمي وزير الدفاع الأسبق يرى أن للأزمة أسباب ظاهرية وأسباب خفية.. الظاهرية هي منع صدام من احتلال او استخدام او القدرة على استخدام اسلحة الدمار الشامل ضد جيرانه... أما الأسباب الخفية فهي تحقيق المصالح الغربية والامريكية في المنطقة الا وهي تأمين وصول البترول الرخيص للغرب ومنع اي تهديد مباشر لآبار البترول وذلك يتحقق عبر تواجد قوات عسكرية وتكثيف هذا التواجد في المنطقة لحماية المصالح حماية مباشرة, بينما الثابت والمعروف لامريكا والغرب عموما أن صدام حسين ليست لديه أي أسلحة دمار شامل وهم يعرفون تماما أين توجد أسلحة الدمار الشامل التي في حوزة اسرائيل... وبالتالي فان ما كسبته امريكا هو تكثيف تواجدها في المنطقة, وبالنسبة لروسيا فهي تحاول أن يكون لها دور عالمي كشريك مؤثر ولكن الشريك الدولي المؤثر لا يمكن ان يكون كذلك مادام ضعيفا اقتصاديا وبالتالي يصبح تأثيره محدودا لا يأتي بمجرد الكلام... روسيا لا تستطيع ان تصبح قوة فاعلة في المنطقة او العالم الا اذا كان اقتصادها قويا وهي الى اليوم مازالت ضعيفة وتستند الى بعض المعوقات من الغرب وأمريكا فمن أين اذن تستمد قوتها؟. ومن هنا يستنتج المشير محمد علي فهمي أن روسيا لم تكسب شيئا.. أما فرنسا فإن تحركاتها لا تختلف كثيرا عن تحركات أمريكا وبريطانيا.. الغرب كله يتحرك اليوم في فلك واحد واتجاه واحد, ونلاحظ انهم جميعا طالبوا بانصياع صدام حسين للشرعية الدولية وما أصدره مجلس الأمن من قرارات.. أي أنه لا يوجد اختلاف حقيقي بين فرنسا وأمريكا.. أو بين المانيا وأمريكا, قد يكون الفرق فقط في لغة الخطاب.. لكن الهدف واضح.. أمريكا فقط هي التي تفسر بدرجة اكثر وضوحا الموقف الغربي ان صدام يخالف شرعيتها وانها ستتطرد بالرد والعقاب.. وبالنسبة للصين يؤكد علي فهمي ان دورها غير مؤثر لأن المسألة تجاوزت الفيتو, وكلينتون أعلن أنه في حالة مخالفة العراق للاتفاق الأخير ستنفرد أمريكا بالقعاب. السيناريو المقبل أما السيناريو المقبل يقول المشير محمد علي فهمي: أن امريكا ضاعفت من قوتها في المنطقة ولو قللت تواجدها بعد انهاء الازمة سيظل الباقي اكثر مما هو قبل الأزمة, سيكون التحقيق اذن محدودا, صحيح أنه سيقل عما هو موجود الآن.. لكن سيكون اكبر بكثير مما كان قبل الأزمة وهذا التكثيف لن يستهدف ايران في حد ذاتها, بل حماية المصانع ضد من تسول له نفسه تهديد المصالح الامريكية, ويستشهد علي فهي بأن ثمن برميل البترول اليوم 14 دولارا لافضل نوع و 9 دولارات للنوع الردىء, وفي حرب اكتوبر 73 وصل سعر البرميل الواحد الى 43 دولارا. اي ان بقاء اسعار البترول منخفضة يخدم استمرار رفاهية الغرب القائمة على البترول الرخيص وهذا هو الهدف الاستراتيجي الرئيسي لامريكا في المنطقة والذي لا تتخلى عنه. مكاسب عراقية ويرى اللواء الدكتور زكريا حسين الخبير الاستراتيجي والرئيس الاسبق لاكاديمية ناصر للعلوم العسكرية أن اكبر مكسب تحقق للعراق من هذه الأزمة هو إعادة طرح القضية العراقية بشكل كبير على الساحة الدولية فهذه هي أول مرة منذ فرض الحصار على العراق عام 1991 نجد تعاطفا عالميا غير مسبوق حتى داخل بلدان الخليج العربي نفسها مع الشعب العراقي ودعوات متكررة بضرورة رفع الحصار عنه خاصة في ضوء (الصور) الاعلامية المتلاحقة التي أظهرت الكم الهائل من المعاناة التي يعيشها الشعب العراقي في الوقت الراهن. أما المكسب الثاني في نظر اللواء زكريا حسين فهو تعرية السياسة الامريكية في المنطقة فقد اظهرت الأزمة العراقية بما لا يدع مجالا للشك ان الولايات المتحدة تكيل بمكيالين فهي تتعامل مع قضية العراق بشكل ومع قضية السلام بين العرب واسرائيل والقضية الفلسطينية على وجه الخصوص بشكل آخر. فامريكا لم توجه حتى ولو مجرد لوم لتركيا على غزوها المتكرر لشمال العراق, بل وصل الامر بها الى توجيه ضربة صاروخية لبغداد في سبتمبر عام 1995 لأن الحكومة العراقية سعت لافشال محاولة كردية كانت تستهدف تقطيع اوصال العراق والنيل من سيادته, وهذا على العكس من الدعم المطلق الذي تحصل عليه اسرائيل من الولايات المتحدة سواء كان معنويا أم عسكريا واقتصاديا. والمكسب الثالث في نظر اللواء حسين هو ظهور شرخ في التحالف الدولي الذي تشكل ضد العراق إبان أزمة 1990 وظهور معارضة للسياسة الامريكية على مستوى العالم سواء كانت معارضة حكومية ام شعبية, فالجماهير في مناطق عدة من العالم هتفت ضد واشنطن واعربت عن تعاطفها مع العراق وطالبت برفع الحصار عنه. الازمة لم تنته من جانبه يرى الدكتور حسن نافعة الاستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة ان حساب الخسائر والأرباح يقتضي تحليلا شاملا للأزمة العراقية الأخيرة. أو أن شئنا الدقة الأزمة التي أثارتها أمريكا وصعدتها الى اقصى درجة فيما يتعلق بلجان التفتيش التابعة للأمم المتحدة. ورغبة العراق في تحديد (سقف) زمن للتفتيش وصولا الى إنهاء الحصار. ويرى الدكتور نافعة أن الأزمة لم تنته بعد, بل لا تزال في مراحلها الساخنة.. صحيح أنه أصبح من الصعب الآن استخدام القوة العسكرية وتم تحجيم ذلك الاحتمال مرحليا. إلا أن استخدامها مازال واردا, وأن الولايات المتحدة الأمريكية لم تحقق أهدافها وخصوصا أنه إذا انتهت الأزمة عند هذا الحد وعادت القوات الأمريكية مرة اخرى الى بلادها بالشروط التي حددها اتفاق كوفي عنان مع العراق, فيمكن اعتبار الولايات المتحدة الأمريكية هي الاقرب للخسارة, واعتبار العراق هو الأقراب لتحقيق المكاسب بمعنى أن الأزمة كشفت عن حمق السياسة الامريكية في الشرق الاوسط, وأن هناك معارضة عربية شديدة لها, خاصة على المستوى الشعبي, ليس حبا في صدام حسين, وإنما تعاطفا مع محنة الشعب العراقي. وكراهية في السياسة الامريكية التي تكيل بمكيالين وتنحاز بشكل مطلق وصارخ الى السياسة الاسرائيلية, الازمة كشفت ايضا عن ان المعلومات التي تقال على لسان كبار المسؤولين الامريكيين هي معلومات كاذبة في معظمها, فمثلا عندما يصرح وزير الدفاع الامريكي بأن مساحة قصور الرئاسة العراقية تتجاوز مساحة واشنطن وباريس, ثم تقول اللجنة التي دخلت القصور ان المساحة اقل بكثير مما توقعت وأنها فقط 30 كيلو مترا مربعا, يتأكد لنا أن هذا ليس قصورا في المعلومات بل نقصا في مصداقية المعلومات التي ترددها أمريكا. ومن جانب آخر تؤكد الأزمة ان الولايات المتحدة تبحث عن ذريعة لتدمير البنية العسكرية العراقية بالكامل, وليس هناك ما يؤكد بشكل قاطع وجود أسلحة دمار شامل عراقية, خصوصا وأن وزيرة الخارجية الامريكية, بل والرئيس كلينتون نفسه صرحا قبل ذلك بأن العقوبات سوف تستمر طالما صدام حسين في السلطة, لا أحد يعرف إذن هل القضية بقاء صدام حسين في السلطة ام اسلحة الدمار الشامل؟ مسألة غير واضحة بالتأكيد بل ان العالم كله لم يفهم الموقف الامريكي, وحقيقة الأهداف الأمريكية, وبالتالي كشفت الأزمة عن تخبط واضح جدا في السياسة الامريكية, وعن عداء عربي شامل لها, بالنسبة للعراق.. فقد كسب الشعب العراقي لأنه تجنب الضربة العسكرية مؤقتا, كسب لأنه اتضح ان شعوبا كثيرة بما فيها تيارات مهمة داخل الشعب الامريكي نفسه تتعاطف مع محنة الشعب العراقي.. وصدام حسين كسب ايضا, ليس لأن هناك أناسا يلتمسون له الاعذار, أو يحبون نظامه فالكل يعرف أن النظام العراقي ارتكب جريمة كبرى في حق الكويت سنة 1990. في هذه المرة كان الموقف العراقي له ما يبرره وأن العراق بصرف النظر عن الحكومة المسؤولة عن إدارته, يريد أن يرى ضوءا في آخر النفق, ويرى رفع العقوبات وأنه لابد أن تأتي لحظة تقرر فيها لجان التفتيش نقطة النهاية.. وكان خطاب العراق محملا بمصداقية قوية (أنتم تفتشون منذ سبع سنوات, فمتى تنتهون؟!!) وهذا هو جوهر القضية, وليس أن العراق لا يريد للمفتشين ان يدخلوا قصور الرئاسة, بل يريد أن يحدد وقتا معينا تقدم لجان التفتيش بعده تقريرها النهائي. يستنتج الدكتور حسن نافعة, العراق إذن هو الكاسب. وبالطبع العالم كله كسب بتجنب الحرب, والدمار الذي تسببه, ودخول المنطقة في دوامة جديدة كانت ستؤدي الى عدم استقرار. ولكن لايعني كل ذلك أن الأزمة انتهت - فالولايات المتحدة ستبحث عن ذريعة للتعلل بأن صدام حسين لم ينفذ الاتفاق وسوف تحاول أن تهين كرامة العراق, وأن تفتش القصور الرئاسية بشكل يؤذي الكرامة العراقية, لأن الولايات المتحدة - كما يبدو - تعترض على الفقرة المتعلقة بكلمات (السيادة والأمن القومي العراقي) التي وردت في الاتفاق مع أمين عام الأمم المتحدة كوفي عنان .. فمن المفروض أن تحافظ اللجنة على أسرار العراق الأمنية, فلا تدخل في ملفات المخابرات العراقية, لأن ذلك معناه كشف مقومات أمن الدولة للعالم ولأمريكا, ومعناه أنه لاتوجد دولة عراقية ولاسيادة لها .. وهذا ليس اجراء قانونيا فالعراق ما زالت دولة عضو في الأمم المتحدة, ودولة ذات سيادة ومهمة اللجنة تقتصر على البحث عما يؤدي الى توصلها لأدلة عن أسلحة دمار شامل, لا أن تبحث فيمن يتعامل مع العراق أو أجهزة المخابرات أو مواقع القوات وأين توجد .. فهذه مسائل تتعلق بالأمن .. أمريكا ستثير كل أنواع المشاكل وستبقى على قواتها في الخليج مما يدل على استمرار التحرش .. ووارد جدا التلكؤ والتعلل بأي خطأ عراقي - وأي رغبة عراقية في المحافظة على كرامته أو عدم فتح ملفاته الأمنية من أجل ضربه .. الأزمة لم تنته إذن وعلى العالم أن يمارس دوره حتى لايصبح التحرش الأمريكي أو البلطجة الأمريكية مسوغا لإشعال الفتنة من جديد في المنطقة. روسيا وفرنسا والصين وعن مكاسب كل من روسيا وفرنسا والصين يؤكد الدكتور حسن نافعة (بالطبع هناك مكاسب للمجتمع الدولي ككل, ليس فقط على مستوى الاستقرار والأمن, ولكن أيضا وضح أن هناك ضيق شديد بمحاولة الولايات المتحدة الأمريكية اختطاف الأمم المتحدة, واختطاف مجلس الأمن, وظهرت رغبة واضحة لأن يقال للولايات المتحدة أن في العالم قوى أخرى لها قدرها ووزنها وأنها لم تعط أمريكا شيكا على بياض للتعامل مع الأزمة, بل يجب التعامل باسم الأمم المتحدة, وباسم مجلس الأمن, وأن أمريكا لايمكن أن تحل محل مجلس الأمن .. هي رغبة صريحة من روسيا وفرنسا والصين, حتى لو كانت تتعلق فقط بدور سياسي عالمي, فكل دولة تبحث عن مصالحها .. وليس عيبا .. ونقول بوضوح ان مصالح أمريكا ليست بالضرورة مصالح العالم كله. ولا تتطابق بالضرورة مع المصالح الفرنسية أو الروسية, ومعنى عرقلة حركة القطب الأوحد أو من يدعى بحقه في قيادة العالم خلال هذه الأزمة أنه ربما بداية التوجه الحقيقي إلى نظام مختلف, يميل أكثر إلى تعدد الأقطاب عن حالة القطب الواحد المتفرد, خاصة أن الأزمة هي أول مرة يعلن فيها الرئيس الروسي أن هذه الأزمة قد تؤدي إلى حرب عالمية ثالثة - وربما يكون تصريحه في إطار (التهويش) إنما مجرد التصريح بهذا المعنى فهو بادرة جديدة لم تحدث من قبل, حدوثها ليس مسألة هينة ينبغي وضعها في حجمها الصحيح. أما عن الموقف الصيني فيرى حسن نافعة أنه كان متخاذلا إلى حد كبير, يقول من حيث المبدأ انه ضد الضربة العسكرية, لكنه لم يفعل شيئًا كبيرا ضدها, لم ينشط دبلوماسيا لم يرسل مبعوثين, ليس لأن مصالحه قليلة, ولكن لأن هذا تقليد في السياسة الصينية, مالم تمس القضية مصالح الصين مباشرة, فلا تحاول القيام بدور يتجاوز الموقف المبدئي, تعلن أنها ضد الضربة لكنها ليست مستعدة مثلاً لإعلان الحرب على أمريكا, أو تهدد بتصريحات على شاكلة التصريح الروسي - الصين الآن لا يهمها أن تلعب مثل هذا الدور العالمي, ولكن روسيا يهمها أن تعلن استعادتها لجزء من توازنها, وأنها تتحرك كقوة عظمى. الأزمة أوضحت أيضاً ماهي الدول التابعة تماما لأمريكا, وماهي الدول المتمتعة بدرجة من الاستقلالية مثل بريطانيا وألمانيا, وحتى دول الشمال الأوروبي كالدنمارك, اضطرت إلى توجيه رسائل بمعنى التبعية لأمريكا, كاستعدادها لإرسال جنود - دول من هذا النوع أفرزت الأزمة وضوحا في دورانها على مسار الفلك الأمريكي, في نهاية المطاف عندما تضغط أمريكا بشدة تتراجع مثل هذه الدول - هي إذن أزمة كاشفة في النظام الدولي قد تكون لها دلالات معينة في قراءة مستقبل النظام العالمي في المرحلة المقبلة. عنصران يحكمان الموقف الأمريكي أما عن السيناريو المحتمل فيتوقف في تقدير الدكتور حسن نافعة على أمرين: مدى إصرار أمريكا على الخروج فائزة, وتحقيق أهدافها غير المعلنة, لاتعرفها حقيقة, ربما تكون تقسيم العراق, ربما التغطية على إسرائيل أي إذا أصرت الولايات المتحدة الأمريكية على هذه الأهداف, وضربت عرض الحائط بردود الأفعال الأخرى العربية والدولية - وستكون في تلك الحالة في موقف لاتحسد عليه - العنصر الثاني في السيناريو المحتمل هو مدى مرونة العراق - هل ستأتي لحظة من اللحظات يستبد الغضب بالعراق, أو يستثار بحيث يعطي المبرر للولايات المتحدة الأمريكية للضربة - هي مسألة مفتوحة, تتوقف على ردود فعل القيادة العراقية, ومهارتها ومرونتها - المطلوب منه أن يكشف أمريكا, التي تشبه إلى حد بعيد الثور الهائج والعراق يشبه مروض هذا الثور - المطلوب من المروض ألا يعطي الثور الفرصة لكي ينطحه أو يفتح كرشه, بل أن يلعب بالقماشة الحمر اء بمهارة حتى تأتي لحظة وضع سيفه في رقبة الثور الهائج ويصرعه .. فعلا واضح أن هناك قوة جبارة عاتية أمام شعب لا حول له ولا قوة مهيض الجناح, تحاول الولايات المتحدة أن (تمرمط) بكرامته الأرض - بالطبع العرب (الطرف الحاضر الغائب) أضيرت كرامتهم إلى حد ما, ولكن أيضاً الموقف العربي عموماً كان معقولا, نسبيا, على الأقل تعلق بذيل روسيا, وفرنسا, ذيل الدول التي حاولت أن تقول (لا) للولايات المتحدة الأمريكية, من أجل إجهاض هذه الأزمة - ولكن حدث امتهان للكرامة العربية بشكل واضح وكان المفروض أن تتم وقفة عربية أفضل .. والحق ان موقف صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الامارات العربية المتحدة كان اكثر احتراما, في عز الأزمة حيث أرسل مساعدات غذائية, وقال (لا) للثور الأمريكي أما بقية الدول العربية فتراوحت بين الضعف والبؤس, أي أن الأزمة أفرزت التباين في مواقف الدول العربية, وهذا يضر بالعرب, الذين يفترض أن يكون لديهم رؤية لحل الأزمة, وألا يتركوا الولايات المتحدة تدير وحدها الأزمة وفقا لمصالحها وأهوائها, لأن ذلك سيؤدي الى كسر النظام العربي تماما وانهياره في النهاية. المطلوب من العرب في ضوء هذه الأزمة أن يبحثوا عن طريقة للتعامل مع العراق, لنزع خطورة صدام حسين وفي الوقت نفسه استيعاب العراق كدولة وكشعب في النظام العربي. اسرائيل المستفيد الأكبر ويشير الخبير العسكري اللواء نبيل صادق الى ان الأزمة انتهت بعد وضوح الاصرار الأمريكي على ضرب العراق من ناحية, ومن ناحية أخرى نجاح الجهود العربية والدولية والاقليمية في توقيف الضربة العسكرية بالاضافة الى الرأي العام الأمريكي نفسه ونستطيع القول ان امريكا حققت هدفها وهو اثبات انها ما زالت تسير دفة أمور العالم ورغم رضوخها للمطالب الدولية إلا انها اكدت قدرتها على أن تفعل ما تشاء ووافق العراق على طلبها للتفتيش - امريكا اذن حققت هيبتها ولن تخسر شيئًا. وفيما يخص العراق أرى أنه خسر بلا شك, ولكن أظهر قدرته على المواجهة وأنه لاينفذ المطلوب منه فورا فهو كالطفل الشقي الذي لا يستجيب بسرعة ولم يخسر ماء وجهه لأنه استجاب بعد وساطة على أعلى مستوى عالمي. أما إسرائيل فهي المستفيد الأكبر من كل ما حدث مثلما استفادت من قبل بغزو العراق للكويت في الحصول على أسلحة اضافية كبطاريات باترويت المضادة للصواريخ فقد حصلت من خلال الأزمة الأخيرة على أسلحة متطورة وأقنعة واقية بكميات كبيرة وأعدت نفسها لمواجهة أي ضربة بأسلحة بيولوجية وحصلت على تأكيد بحمايتها من دول أوروبا واكتسبت تأييدها وتعاطفها تحت مسمى أنها معرضة للخطر من دولة عربية, حتى ان الاتحاد الأوروبي الذي كان معارضا ويحن لتوجيه ضربة الى العراق لم يتخلخل موقفه إلا من خلال اسرائيل, وماكسبته إسرائيل في المقام الأول هو تراجع الاهتمام بالتسوية السلمية وانقاذ (نتانياهو) من مأزقه الذي حاصرته فيه أصابع الاتهام بأنه السبب في توقف المسيرة السلمية. وبالنسبة لروسيا فقد تمكنت من أن تأخذ مساحة من التأثير في المنطقة مترجمة رغبتها القديمة في اتخاذ مكانة الاتحاد السوفييتي السابق في المنطقة ولاتترك أمريكا تمارس هيمنة منفردة فيها, ومارس يلتسين اظهار روسيا كدولة مؤثرة لها مطالب ومصالح حيوية في المنطقة تستطيع الدفاع عنها والتدخل من أجلها. وعن السيناريو المقبل يقول اللواء نبيل صادق ان ما حدث ومايمكن أن يحدث هو ترجمة تكاد تكون حرفية للأهداف الاسرائيلية ويذكرنا نبيل صادق بكتاب صدر في أواخر السبعينات هو استراتيجية اسرائيل في الثمانينات لكاتب اسرائيلي اسمه (ديعوديت يانوت) وكتب المقدمة (اسرائيل شحاك) جاء في الكتاب ان استراتيجية اسرائيل في الفترة المقبلة تعتمد على تقسيم عدد من الدول العربية ومنها العراق وتقسيمه إلى ثلاث دول شيعة .. وسنة .. وأكراد .. وتقسيم لبنان وإيران ومصر أيضاً .. تخيلوا تقسيمها الى أربعة أقسام لكن الكتاب لم يتطرق إلى كيفية احداث هذا التقسيم أو خطط محددة له .. نستطيع القول إذا ان السيناريو المقبل يرتبط بتحقيق أهداف إسرائيل وهي تفتيت دول المنطقة. ويشير نبيل صادق الى ان الأزمة صنعتها أمريكا لعدة أهداف منها, اثبات سيطرتها على الأمم المتحدة, وادارة العالم وحدها, ومحاولة قهر العراق نفسيا لكي ينفذ ما تريده أمريكا من خلال الأمم المتحدة وهذا ما يلخصه اصرار أمريكا على تفتيش قصور الرئاسة كنوع من الإذلال وهو يحقق في الوقت نفسه أهداف السياسة الأمريكية وعلاقتها الحيوية باسرائيل التي تخشى العراق باعتباره القوة العسكرية العربية المهددة لها رغم أنها ليست من دول الطوق خاصة بعد تراجع التهديد العسكري المصري لاسرائيل ثم دخول الدول العربية في علاقات مع اسرائيل .. ولم يتبق أمام أمريكا غير تفتيت العراق نهائيا ثم التهديد التالي المحتمل بالنسبة لاسرائيل وهو إيران. خسائر أمريكا أما الدكتور أحمد جلال عز الدين خبير الإرهاب الدولي, فيرى أن الضغوط الداخلية في الولايات المتحدة قد تكون سببا في فرض قرار مجلس الأمن الذي يوافق على كل ما توصل إليه كوفي عنان في بغداد, في إشارة من الدكتور أحمد جلال إلى التوازنات الداخلية لأمريكا, واعتراض الجمهوريين في الكونجرس على إنهاء الأزمة بالشكل الحالي بما يدفع الادارة الامريكية إلى الالتفاف على قرار مجلس الأمن, ومحاولة انتزاع تفويض آخر للتصرف المباشر إذا خرق العراق الاتفاق الأخير وفي تقييم الأزمة يعتبر أحمد جلال ان العراق حفظت ماء وجهها وكسبت تفادي الضربة العسكرية, التي كادت أن تكون فاضحة يمكن أن تعيد العراق إلى العصور الوسطى وفي حساب الخسائر تكلفت أمريكا تكلفة مالية عظيمة في جلب حشودها العسكرية وربما هي تفكر في تقاضي التكاليف من العالم العربي بصورة أو بأخرى. من ناحية أخرى خسرت أمريكا الأثر المعنوي كدولة عظمى تتحرك ثم تعود ؟ خذلان سياسي لاشك, وكان الشعور الغاضب من العالم العربي عنصر ضغط على الإدارة الأمريكية اضافة إلى التنازل العراقي وموقف الشعوب الأوروبية وموقف قطاعات من الأمريكيين أيضا يمكن حسابه بالخسارة على أمريكا, التي فشلت في تبرير سياستها, وحشد الرأي العام العالمي معها, فالتلويح بالقوة وعدم استخدامها دليل فشل سياسي لاشك. أما روسيا وفرنسا فقد أثبتتا أنها دولتان لهما نفوذ وتأثير على مستقبل المنطقة العربية, بما يقود لتعامل أوسع معهما, ويشهد على ذلك زيارة وزير خارجية ايران الى روسيا والحديث عن جبهة ايرانية روسية لمواجهة الانفراد الأمريكي بمستقبل المنطقة .. هناك تقارب أقوى محتمل وقادم, وتعاطف أقوى مع القضية العربية, يمكن الاستفادة منه وتضعيفه دون المبالغة في حجمه أيضا. عن السيناريو المحتمل, يخشى الدكتور أحمد جلال من التلكؤ والتعلل الأمريكي بأي حجة, ويخشى أيضا من أن يسئ العراق تفسير الموقف, أو تدفعه النزعة التسلطية الى خطأ ما, فالولايات المتحدة متربصة لاشك لأصغر خطأ حتى تضرب العراق, مما يجعل احتمال تصاعد الأزمة ما زال قائما.

تعليقات

تعليقات