ارتباك الساحة السياسية في الخرطوم بعد المؤتمر الوطني . - البيان

ارتباك الساحة السياسية في الخرطوم بعد المؤتمر الوطني .

تثير الاشارات المتباينة التي اطلقها اركان الحكم في السودان حول مسألة عودة التعددية حيرة واسعة وتشويشا كبيرا بدأ اثره واضحا في الصفحات الاولى بصحف الخرطوم وفي مجالس ونستها الشهيرة . وبات عاديا في سياق هذا (الارتباك) ان تصطدم العناوين الرئيسية لصحف يوم واحد مع بعضها البعض بشكل لافت . بين اصوات تؤ كد عودة الحزبية وأخرى تؤكد رفضها. ووسط موجة التصريحات المتناقضة التي يلعب رئيس البرلمان المهيمن على النظام حسن الترابي والشريف الهندي القطب العائد من صفوف المعارضة الى احضان الحكم دور البطل فيها فان الخرطوم تبدو مشوشة ومحتارة للغاية ازاء السؤال ـ المازق هل تعود الحزبية ام لا تعود؟ وكانت لجنة قومية واخرى فنية شكلتها الحكومة لوضع مسودة لدستور البلاد, حركت السؤال , باقرارها فقرة تنص على حق السودانيين في تجمعات وتنظيمات سياسية. لكن المؤتمر الثاني للمؤتمر الوطني وهو ( حزب الحكومة) و الذي يهيمن علىه الصقور لم تعجبه هذه الفقره. فاعمل اعضاؤه فيها ذما وتجريحا, قبل ان يتوصلوا الى (فقرتهم) الخاصة في هذا الشأن ينص على ان (قضية الحرية تعطي المواطن الحق في التعبير والتنظيم والتداول السلمي للسلطة وجعل المؤتمر الوطني منبرا للمبادرات السياسية) . وتم الاتفاق على احالة هذه (الفقرة) الى البرلمان مع الفقرة الاخرى التي اقرتها لجنة الدستور, على ان يحسم البرلمان الجدال في هذا الشأن. لكن هذه التوصية التي جاءت بعد ومداولات صاخبة لم تحسم الموضوع او تغلق باب النقاش بل بدأ على العكس من ذلك انها اشعلته. وقد غذت الموافق الحكومية المتعارضة في هذا الشأن. الجدال الساخن , مشيعة جوا ضبابيا على الساحة السياسية. واعطى ذلك ايحاء بان الحكومة لم تحزم امرها بعد. ازاء التعددية. وجاءت مناسبة انفضاض سامر المؤتمر الثاني للمؤتمر الوطني. لتشكل ذروه (التخبط) الحكومي حيال التعددية, اذ قال الدكتور الترابي ( ان المؤتمر الوطني حزب سياسي يرعى حركة الحياه العامة وانه ناد للجميع) بينما قال الرئيس السوداني عمر البشير ( ان السودان بصدد توصيات المؤتمر الوطني قد توحد بدون قبلية وطائفية وحزبية) اما الشريف الهندي فقد قال في ذات المناسبة (ان المؤتمر الوطني ليس حزبا وان وجودنا فيه) رمزي ولكن سيكون (فعلا) ابتداء من يونيو المقبل. ولكن في اليوم الثاني ازدادت دهشة المراقبين فقد صرح الدكتور الترابي (ان السودان لايعرف الا حزبا واحدا هو حزب الله) بينما نسبت احدى الصخف العربية اللندنية ونقلت عنها صحف الخرطوم الى الترابي قوله ان حكومة الفريق البشير ستسمح بتشكيل احزاب في البلاد وانه يمكن للمعارضين مثل الصادق المهدي تشكيل احزاب) /. اما الشريف زين العابدين الهندي احد ابطال التخبط الذي حير المراقبين فان تصريحاته جاءت اكثر غموضا فبالرغم من انه قدم نفسه بعد اختياره نائبا للبشير في رئاسة المؤتمر وباعتباره الامين العام للحزب الاتحادي الديمقراطي الا ان تفسيره لما جاء بشأن التعددية (بان الاحزاب التي ستقوم خلال المرحلة المقبلة لن تكون احزابا ذات صيغة طائفية او احزابا ذات ارتباطات خارجية او احزابا ذات توجه سلطو ي واذا كان الشريف يعني حسب الاوصاف حرمان احزاب الميرغني والمهدي بحسبانهما طائفيان وايضا يعني الاحزاب الشيوعية والبقية لارتباطاتها الاممية والاقليمية و كذلك يعني حرمان التنظيمات السياسية السلطوية لنظام نميري, فان تفسير المراقبين ان التعددية التي تريدها السلطة لن تتجاوز المؤتمر الوطني الحالي بعد تحويله الى حزب ومجموعة الهندي باعتبارها شريحة من الاتحاديين, الى جانب حزب من ابناء الجنوب. اما الدكتور رياك مشار حاكم الجنوب فقال من جهته ان الدكتور الترابي بتوليه امانة المؤتمر فانه مؤهل للقيام بمتطلبات المنصب واعبائه وقادر على بناء التنظيم وعلى المساعدة في التوجه نحو التعددية واضاف مشار ان متطلبات المرحلة المقبلة تتطلب التوجه نحو التعددية وبناء تنظيم سياسي عريض تتوحد فيه كل الاراء للتنافس مع المنابر المرتقبة؟ الدكتور الجزولي دفع الله رئيس وزراء حكومة سوار الذهب وهو حاليا اقرب الى التيار الاسلامي قال (ان وجود تيارات داخل المؤتمر لايشبع تطلعات الشعب السوداني وطموحاته كما ان تجربة المنابر لاتصلح في السودان واضاف ان اعلان المؤتمر الوطني كحزب يحتم على الحكومة ان تتيح المجال لكل الكيانات السياسية لتعمل في العلن) . في التناول الصحفي كان محمد طه محمد احمد القيادي الاسلامي اكثر صراحة عندما قال في صحيفة الوفاق ان انتقال الدكتور الترابي الى قيادة النظام السياسي يعني اعلان حل الجبهة الاسلامية القومية بكل مؤسساتها القديمة وهي مجلس الشورى والهيئة التنفيذية والقيادة التنفيذية والمكتب السياسي. كما عبر البرلمان عن فهمه للمسألة من خلال ماقاله نائب بورتسودان موسى حسين ضرار ان حصر حرية التنظيم في ساحة المؤتمر الوطني ستؤثر على دعوة الوفاق وزاد لا اعتقد ان المؤتمر سيسمح لبقية الاحزاب بطرح برنامجها من خلال المؤتمر كما ان الاحزاب لا يمكن ان ترضى بالانخراط في المؤتمر. بيد ان الدكتور مجذوب الخليفة والي الخرطوم الذي يمسك الكثير من الخيوط الهامة باعتباره مقربا من الدكتور الترابي كان له رأي اخر اذ قال عندما طلب منه الصحفيون اجابة محددة عن امكانية السماح للاحزاب بممارسة نشاطها السياسي في اطار حرية التنظيم الحزبية شيء مبغوض وامر ومرفوض وليس بالضرورة ان تعني حرية التنظيم المتاحة الحزبية ولكن ليس بالضرورة ان تكون محصورة في عضوية المؤتمر الوطني واضاف بان حرية التنظيم التي اجازها المؤتمر الوطني لا تمنع ان تكون في داخله تنظيمات سياسية تلتزم بثوابته , وبهذه الوضعية فان المؤتمر الوطني ليس حزبا سياسيا وانما وعاء وطني جامع يسمح بالتنظيمات في داخله وقال فقط نريد ان يفهم الناس ان حرية التنظيم لاتعني بالضرورة المؤتمر الوطني وحده ومع هذا فهو الماعون الذي يحافظ على ثوابت الجميع ويترك لهم امر الاختلاف في الاراء ووجهات النظر ليعبروا عنها بحرية كاملة. ولاشك ان توصيف الترابي للمؤتمر بانه (ناد) والدكتور خليفة بانه (وعاء) و (ماعون) يسع الجميع هي كل ما يمكن للخرطوم ان تقبله لتعدديتها. المرتقبة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات