نافذة: مغزى اختيار طه نائبا للبشير: بقلم-عبد الله عبيد حسن

أخيرا حسم حزب الجبهة القومية الاسلامية الامر, ووضع حدا للجدل الذي كان يدور في بعض دوائر خصومه ومعارضيه السياسيين, و(التوقعات) التي كان (يسربها) قادته بمهارة فائقة, حول الاتجاهات (المعتدلة) والاتجاهات المتطرفة داخل النظام , وحول (المصالحة) مع الآخرين, و(التعددية) والديمقراطية, وكل ذلك الجدل العقيم الذي انشغل به بعض المحللين والمنظرين السياسيين من المعارضة السودانية... حسم حزب الجبهة الامر واختار له لحظة درامية هي وفاة نائب الرئيس الفريق الزبير محمد صالح ليعلن الفريق البشير تعيين صديقه وزميله القديم ــ منذ ايام مدرسة الخرطوم الحكومية ـ نائبا أول له, على غير كثير من (التوقعات) والترشيحات الساذجة التي تبرع به كثيرون ونظروا لها كثيرا حول تعيين النائب الاول. الذي سيكون عسكريا لأن (العادة) قد جرت ان يكون نائب رئىس النظام العسكري (أحد زملائه) العسكريين) كما كانوا يقولون . هؤلاء كانوا ـ وما زالوا ـ اسرى (للخدعة) التي قام بها حزب الجبهة وجازت على كثيرين عندما نفذ انقلاب صبيحة الثلاثين من يونيو العام 89 ووضع في الواجهة مجموعة من الضباط المجهولين حتى لدى زملائهم العسكريين, وعين مجلسا للوزراء كانت محاولة الوصول الى فهم اسماء معظم اعضائه مهمة عسيرة حتى على (السياسيين المحترفين) ناهيك عن عامة السودانيين.. يومها قال (الجبهجية) ان الضباط الاحرار (الوحدويين) قاموا بالانقلاب العسكري لما رأوا تردي احوال السودان في ظل حكم الاحزاب (والديمقراطية المستوردة) وانهم ــ لانهم قلقون على السودان ــ قد ايدوا الانقلاب وصافحوا اليد الممدودة لكل (الوطنيين المخلصين) ... وجازت الخدعة على من اراد ان تجوز عليه. يومها كان علي عثمان طه نائب الامين العام للجبهة, الذي حاز اعلى الاصوات في مؤتمرها العلني في ظل الديمقراطية وكان زعيما للمعارضة في البرلمان (المستورد) يقبع في مبنى قيادة القوات المسلحة, الذي دخله مع قواته فجر الجمعة وبقي فيه يواصل الليل بالنهار اياما واياما, لتأمين الانقلاب من الناحيتين السياسية والعسكرية, وكانت (المرحلة) وقتها تقتضي ان يكون في قلب الصورة, ولكنه ليس في واجهتها... وقد ادى دوره باتقان وحذق شديدين. وتطورت الامور على النحو المعروف لكل متابع للشأن السوداني, وخرج (الرجل القوي) الى النور... واصبح وزيرا لوزارة كانت في حقيقتها (مجلس وزراء كامل) وزارة التخطيط الاجتماعي!! ثم وزيرا للخارجية في وقت بدأ فيه ان الشأن السوداني كله اصبح خارجيا. وواقع الأمر ان اعلان تعيين طه نائبا اول للرئيس البشير ليس فيه (مفاجأة) فالرجل ظل وحتى قبيل تنفيذ خطة الانقلاب هو مسؤول الجبهة التنفيذي الاول عن الانقلاب وتوابعه بحكم صلته التنظيمية الحزبية وصلاته الخاصة بمعسكر الجبهة.. انما المفاجأة للذين يحبون المفاجآت حتى في معنى هذا الاعلام وتوقيته... في الوقت الذي انشغل فيه كثير من (الناس الطيبين) بتوقعات مرتقبة حول تحولات سيقوم بها النظام نحو التعددية والديمقراطية والمصالحة الوطنية, قررت القيادة الفعلية الحاكمة في الجبهة ونظامها ان تخطو خطوتها قبل الاخيرة وتسفر عن وجهها الحقيقي وان تقول للجميع (هذا نظامنا وهذا حكمنا ومن يريد ان يتعامل معنا عليه ان يتعامل معنا بدون اوهام ولا احلام حول وجود مراكز متعددة داخل النظام فليس هنالك معتدلون ومتطرفون, وانما هنالك الجبهة التي تعرفونها) . والذين استهجنوا واستغربوا اللهجة الحادة التي تعامل بها الدكتور الترابي والدكتورة سعاد الفاتح وغيرهم مع (حكاية) التعددية والديمقراطية لم يدركوا بعد حقيقة وطبيعة هذا الحزب الفريد الذي يريد ان يغير العالم بعد ان يغير السودان. فالحقيقة ــ وبكل الجدية ــ ان ما يبدو احيانا وكأنه (فلتات لسان) تصدر عن بعض قيادات الجبهة التاريخية, وتجعلهم يبدون وكأنهم يعيشون في عصور تاريخية موغلة في القدم هو جزء من التركيبة الفكرية والنفسية لهؤلاء القوم الذين مازال بعض السودانيين يتساءلون مع الروائي العظيم الطيب صالح (من أين أتى هؤلاء؟) . وحدهم الذين خدعوا انفسهم ومنوها بالاماني الكاذبة هم الذين فوجئوا (بالفتوى) الصريحة التي اعلنها عوض الكريم موسى (امين الفكر) في المؤتمر الوطني اذ قال (ان المؤتمر الوطني الذي طرح نفسه بديلا للاحزاب لا يمكن ان يسمح بقيام الاحزاب. فالسيد (امين الفكر) كان يعبر حقيقة عن الرؤية الفكرية التي تحكم وتتحكم في الغالبية العظمى (لهؤلاء القوم) الذين اعتبروا ان رسالتهم المقدسة في الحياة هى (الغاء) الاخرين الذين يختلفون معهم ليس في الكليات الاساسية, بل حتى اولئك الذين يخالفونهم في بعض الجزئيات الفرعية... ومن تحكمه وتتحكم فيه هكذا رؤية لا يمكن ان (يسمح) للاخرين بالانتظام في احزاب او هيئات سياسية او دينية. نعم خطت الجبهة خطوتها قبل الاخيرة باعلان تعيين مسؤولها التنفيذي الاول نائبا اول للرئيس خطوتها الاخيرة باعلان اختيار زعيمها ومؤسسها الدكتور الترابي امينا للتنظيم السياسي الحاكم ليكون الامين العام (للحزب الحاكم) هو صاحب الكلمة العليا في مصير البلاد والعباد كما هي العادة في الانظمة والاحزاب الشمولية اليس ذلك هو درس التاريخ منذ ان عرف الناس الحزب الشمولي الحاكم؟ من جانبها فان الجبهة تعتقد انها قد استكملت مراحل مشروعها وهي تستقبل عامها العاشر في حكم السودان.. ومن جانبها ايضا فالجبهة تعتقد انها قد (غيرت) معالم وجه السودان وحققت نبوءة حكيمها الذي وعد بانه خلال عشر سنوات سيغير وجه السودان. بقي امامها الان في المرحلة العشرية المقبلة ان تحقق باقي النبوءة... ان (تغير العالم) ! ومهما كان الرأي في النبوءة فهنا بالضبط مقتل الجبهة فالعالم الذي تستعد لتغييره يبدو عصيا على ذلك. لقد دفع السودانيون ثمن طموح الجبهة في تغيير السودان شقاء وبؤسا شديدا والامل والرجاء الا يدفعوا ثمن محاولة الجبهة تغيير العالم شقاء اكثر وبؤسا اكثر. دمشق ـ يوسف البجيرمي

تعليقات

تعليقات