لبنان (يشتعل جدلاً) حول مشروع الهراوي للزواج المدني - البيان

لبنان (يشتعل جدلاً) حول مشروع الهراوي للزواج المدني

احدث طرح رئيس الجمهورية الياس الهراوي لمشروع قانون يتعلق بتطبيق الزواج المدني في لبنان, وتوزيع نسخ عنه على الوزراء تمهيداً لدرسه في مجلس الوزراء , شرخاً واسعاً في العلاقة بين رئاسة الجمهورية ودار الفتوى. ورغم ان المراجع الروحية الاسلامية والمسيحية, تجمع على رفض المشروع, مقابل اصرار من الهراوي على احالته على مجلس النواب لدرسه واقراره, الا ان مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ محمد رشيد قباني حمل بعنف عليه معتبراً ان المشروع (فئوي.. ويهز أمن لبنان واستقراره والسلام فيه وزرع الفتن الطائفية, ويهدد الوفاق الوطني) وفيما يؤيد وزير النقل عمر مسقاوي موقف قباني, ويعارضه النائب السابق اوغست باخوس, بدا هذا الموقف في موقع التحدي المباشر لرئيس الجمهورية حول مشروعه ذاك, خاصة عندما يشدد على القول: (لن ندع الزواج المدني يمر... لن نقبل بزرع جرثومة العلمانية في لبنان, ولا بتصديرها الى العالم العربي.. سنسقط مشروع الزواج المدني حتى لو قدمنا حياتنا) . وتعلق مصادر مقربة من قصر بعبدا ان الرئيس الهراوي سوف يستمر في طرح المشروع, معتبراً ان المشروع فكرة استراتيجية مستقبلية, الامر الذي يصبح فيه مستبعداً اقتناعه بانه يمكن اقراره في السنة الاخيرة الحالية في عهده, خاصة وانه يحرص على تمرير هذه السنة بهدوء وتناغم مع المراجع جميعها في البلاد, وعلى الاخص مع تلك التي تربطه بها علاقات ود وصداقة واحترام متبادل مثل المفتي قباني. لكن الرئيس اللباني يأمل بأن يصبح الزواج المدني في لبنان واقعاً قانونيا عاماً, مع حرصه على التأكيد على ضرورة ان يكون اختياريا لمن يشاء ويرغب. ويقول مصدر سياسي في بيروت ان القانون المدني الاختياري للاحوال الشخصية كان قد طرح للمرة الاولى عام 1974 وقد وضعه المحامي عبدالله لحود وتبناه (الحزب الديمقراطي) الذي كان النائب السابق اوغست باخوس عضواً فيه, وهو ما لبث ان اعاد طرحه في لجنة الادارة والعدل اللبنانية عام 1976, ثم في (تجمع النواب الموازنة المستقلين) والذي كان الهراوي عضواً فيه, وهو تبنى ذلك بدوره. ويضيف المصدر: لهذا فان الرئيس اللباني يعيد حالياً اعادة طرح ذلك, وهو مصرّ عليه رغم ادراكه بالمواقف المناوئة للمشروع, وبانه من الصعب تمريره في نهاية عهده, وان مصيره لن يكون افضل من التعديلات الدستورية التي سبق أن اقترحها, لكن ما لبثت صفحتها ان طويت (حتى تنضج الظروف السياسية والوطنية في البلاد) , كما يقول. ماذا في اراء قباني ومسقاوي وباخوس حول ذلك؟ قباني: مشروع الهراوي فئوي يعتبر المفتي قباني ان مشروع الزواج المدني, (يمس دين الله, وشرع الله عز وجل, والاسلام, وشريعة محمد (صلى الله عليه وسلم) , لهذا فانه لن يهون علينا من اجل اسقاطه ان نقدم حياتنا ثمناً لذلك) . يضيف قائلاً: ان موضوع الزواج المدني, ليس موضوع زواج فقط, انه سلسلة في حلقات العلمانية: هذه الجرثومة التي لن نسمح ابداً بزرعها في لبنان, ولن نقبل ابداً بان يكون لبنان مصدر هذه الجرثومة الى العالم العربي, ان قضية الزواج المدني ليست قضية لبنان فحسب, بل قضية الامة العربية التي يعتبر لبنان جزءاً منها, ولا يجوز ابداً ان نسمح بتطبيق الزواج المدني لا في لبنان ولا في العالم العربي الذي لم يطبق العلمانية, ولا الزواج المدني, فلماذا نطرح اموراً تهز امنه وسلامه واستقراره وتزرع الفتن الطائفية فيه؟! هناك اسر كثيرة زرعت فيها الفتنة بسبب الزواج المدني, وهناك اناس يريدون ان يتبرأوا من ابنائهم, وهناك اباء يريدون ان يحرموا ابناءهم من الميراث, كما ان هناك ارحاماً قطعت من اجل الزواج المدني في لبنان. اليس هؤلاء من المواطنين اللبنانيين؟ الا ينبغي ان نكون حريصين عليهم؟!! ويتابع المفتي قباني مجيباً عن سؤال حول موقفه من مشروع الرئيس الهراوي بشأن الزواج المدني الاختياري بالقول. (ان للبنان مميزاته, وهو عندما يفقدها انما يفقد وفاقه لذلك يجب ان يعي كل مسؤول, وكل مواطن, هذه المسألة اننا رغم الطروحات الاعلامية من اي مسؤول, ومن اي مواطن, لم نكن نتصور ابداً بآن يتقدم المسؤول الاول في البلاد و(يقصد الهراوي) بمشروع الزواج المدني الى مجلس الوزراء. لماذا يتخذ المسؤول الاول في البلاد هذه الخطوة الفئوية, والجزئية والتي ينقسم اللبنانيون حولها؟ لقد سمعنا قبل ايام كلاماً جيداً من بعض مؤيدي الزواج المدني وهو حرص هذا البعض على ألا يطرح مشروعاً ينقسم حوله اللبنانيون, مشدّداً على ان وفاق اللبنانيين اهم من اي قضية اخرى تؤدي الى تقسيمهم. انني باسم المسلمين في لبنان أقول: المسلمون يرفضون الزواج المدني حتى ولو كان اختيارياً, والمسيحيون رفضوا هذا الزواج على السنة مراجعهم, فلماذا يصرّ المسؤولون على طرح هذه القضية؟) الاخطار الصهيونية ويصعّد قباني اكثر ضد مشروع الهراوي ذلك فيشدّد على انه من انتاج العلمانية الاوروبية, ويصب في اطار الاخطار الصهيونية المحدقة, ويوضح قائلاً: (الامر خطير, وليس هيناً, لهذا لن ندع الزواج المدني يمر في لبان. يجب ان يدرك كل واحد منا هذه الاخطار. ان الصهاينة الذين تعتبرون ان بني اسرائيل مع شعب الله المختار يريدون ان تفسدوا الشعوب ويجردوا الناس جميعاً في العالم من معتقداتهم, حتى المسلمين وحتى المسيحيين, فزرعوا العلمانية في اوروبا ليجردوها عن دينها وعن معتقداتها, والزواج المدني هو حلقة من حلقات العلمانية في اوروبا. ويتابع مفتي الجمهورية اللبنانية قائلاً (ثمة امر مهم اخر, ان الذين لا يقرأون التاريخ لا يعرفون كيف نشأت العلمانية في اوروبا ولماذا؟. بالتالي لماذا الزواج المدني بالذات في اوروبا؟ اننا نعذر المسؤولين اذا كانوا لا يطلعون فأعمالهم قد تشغلهم عن ذلك, وقد نعذر ايضاً كثيرين من ابناء شعبنا اذا لم يتمكنوا من ان يحصلوا على مثل تلك المعلومات او يقرأوا عنها. لقد وصل الامر برئيس جمهورية احد البلدان الاوروبية, الى ان يعيش مع إمرأة, وله منها ثلاثة اولاد من دون زواج. ففي الزواج المدني اذا استمر الرضا بين الرجل والمرأة, عاشا معاً. واذا لم يستمر فلا حاجة بينهما الى طلاق, ولا الى نفقة, ولا الى رعاية اولاد, فتتولى الدولة هناك المحاضن لهم. هذه اخطار نحن قادمون عليها مستقبلاً, لانه اذا فرطت حلقة في عقد الزواج كرت سبحة سائر الحلقات بشكل مماثل) . ويقول مفتي الجمهورية اللبنانية اخيراً: اننا نطالب المسؤولين في البلاد, وهم ممن نعتقد بحكمتهم, وبفكرهم ووطنيتهم, وبقدرتهم على حل الامور بالحكمة والتعقل, بأن يدركوا الاخطار البعيدة التي قد يصل اليها لبنان, ولو بعد عدة اجيال بسبب العلمانية, والزواج المدني, وانفراط عقد الاسرة في لبنان سواء كانت اسرة اسلامية ام مسيحية. مسقاوي يحذر من المجازفة ويشارك وزير النقل عمر مسقاوي مفتي الجمهورية اراءه تلك وموقفه من الزواج المدني, ويبدي رفضاً مسبقاً لمضمون المشروع الذي وزعه عليه, كما على سائر الوزراء من الذين حضروا الجلسة الاخيرة لمجلس الوزراء او تغيبوا عنها, وقد تم ايصال نص المشروع اليهم بالوسائل الرسمية. ويقول مسقاوي موضحاً اسباب رفضه: (اذا شئنا ان نتلمس حقيقة المجتمع اللبناني, مسيحياً ام مسلماً متوغلين في عمقه وليس في قشرة الواقع المظهري للحياة الاجتماعية فان مكونات الاسرة تعتمد في صورة اساسية على جملة اعراف وقواعد وتقاليد تنتمي الى جذور العقيدة الدينية... هذه التجربة هي اساس وحدة المجتمع الحضارية والثقافية التي رسخت استقراراً عميقاً في تكوين القرى والمدن والتي تجمع الكنائس الى جوار المساجد. ويخلص وزير النقل الى القول: لذلك فانه من الخطورة المجازفة بسن قانون مدني للروابط الزوجية لا يجد صداه العميق في بنية المجتمع اللبناني اللهم اذا استثنينا بعض المتأثرين بالحضارة الغربية دون ان يكون لها التأثير اي تعبير عن مرحلة اجتماعية نمر بها. فنحن اليوم في لبنان اشد ما نكون تمسكاً بالبنية الطائفية في ادائنا السياسي, وفي تطلعاتنا المستقبلية, ونحن اليوم ايضاً اكثر انتماء الى مؤسساتنا الدينية منا الى مفهوم الدولة... وحتي نغامر بنقلة لا ارضية لها من تطور تاريخي, نصبح في كثير من المواقف مثل طائر الغراب الذي شاء ان يقلد مشية الطاووس, فلم يحسنها, لكنه- وهذا هو الاشد خطورة- نسي مشيته لذلك فاننا لا نستطيع ان نقلد مشية الاطراد التاريخي لاوروبا والعولمة المفضية الى ساحتنا, على الاقل في الجانب المثقل بالروابط الاجتماعية لبناء المجتمع, وذلك لاننا نعتقد كل تجربة مستمدة في اطارها. ويتابع مسقاوي قائلا: ان الذين يطرحون مفهوم الزواج المدني كوسيلة للانصهار الوطني انما يخدعون انفسهم... علينا قبل ان نختار النموذج الاجتماعي المتداعي مع مسيرة العولمة الاستهلاكية ان نقرر اي مجتمع لبناني نريد؟ هل نريد مجتمعاً لبنانياً تقرر مسيرته تقلبات العالم الاستهلاكي ام ذلك المجتمع المتمسك باصالة نموه التاريخي السابق على تطورات العصر الحديث؟ ... فالاحوال الشخصية للمواطن ترتبط بتقاليده التي تحكم خياراته واذا كان هنالك من ظروف تدعو للخروج على هذه العفوية الثابتة فمن البديهي ان تبقى استثناء محسوباً لا يستدعى ايجاد قانون ينسف القاعدة الراسخة من اساسها... فنحن نعلم ان قوانين الاحوال الشخصية التي أفرغت من كل قيمة روحية في الغرب اصبحت في حد ذاتها مشكلة اجتماعية تثقل كاهل الحياة والجيل, وموازنة هذا المسار ليست في مصلحة الاسرة ولا وحدة المجتمع. باخوس يدافع عن الزواج المدني لكن ثمة وجهة نظر اخرى للنائب السابق , رئيس لجنة تحديث القوانين اوغست باخوس الذي يوضح الاسباب القانونية والاجتماعية التي تدفعه لتأييد الزواج المدني بقوله: من المعلوم ان في لبنان 18 مذهباً وان للمسيحيين نظاماً للاحوال الشخصية متعلقاً بهم لجهة الارث, ولكل مذهب نظام زواج متعلق به, وكذلك الامر عند المسلمين, مشيراً الى ان هذا الموضوع قد تم التعرض له خلال مؤتمر الطائف, حيث جرى التوافق على الغاء الطائفية السياسية, مع العلم ان الخوض في تفاصيل الموضوع واسبابه وموجباته لم يحصل. الا ان الاستثناء كان للمادة السابعة من الدستور التي بقيت كما هي منذ وضعها في العام 1926, وهي تنص بالحرف الواحد: (كل اللبنانيين سواء لدى القانون, وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دونما فرق بينهم) . وهنا يتساءل باخوس: كيف يمكن ان نوفق بين المادة السابعة من الدستور اللبناني وتعدد المذاهب وتعدد اشكال الزواج؟ خاصة وان لبنان ينتسب الى شرعة حقوق الانسان التي تساوي بين الرجل والمرأة ومن المعلوم ان القانون العام الشامل الدولي يتقدم على القوانين المحلية, بمعنى انه لا يمكن ان نبقى على الحالة التي نحن فيها, بل يتحتم علينا ان نعتمد قانوناً موحداً للاحوال الشخصية الذي يتضمن حتماً الزواج المدني. ويذهب باخوس في الدفاع عن رأيه الى حد التذكير بقانون صادر عام 1936, ايام المفوض السامي الفرنسي انذاك دي مارتيل, اذا تنص المادة 25 منه حرفياً على الاتي: اذا عقد في بلد اجنبي زواج بين سوري ولبناني او بين سوري او لبناني واجنبي كان صحيحاً اذا احتفل به وفقاً للاشكال المتبعة في هذا البلد, اذا كان نظام الاحوال الشخصية التابع له الزواج لا يقبل بشكل الزواج ولا بمفاعيله كما هي ناتجة عن القانون المحتفل بالزواج وفقاً له فيكون الزواج خاضعاً في سوريا ولبنان للقانون المدني. لذلك يتابع باخوس قائلاً: يعمد مئات الالاف من الشباب والشابات على عقد زواج مدني اما في تركيا او اوروبا او امريكا او قبرص ويسجل مثل هذا الزواج في دوائر الاحوال الشخصية في لبنان, وهو يرى ان الغريب في الامر هو انه اذا حصل خلاف بين الزوجين المتعاقدين بزواج مدني يعرض هذ الخلاف امام محكمة البداية التي تعتمد بدورها قانون الدولة التي عقد الزواج في ظلها, اي امام القانون القبرصي او التركي او الفرنسي او سواه. ويرى باخوس ان في هذا الامر: (مساساً بسيادة الدولة اللبنانية اي انه يعتمد قانوناً غير قانون الدولة التي نعيش في ظلها, فضلاً عن العذاب والشقاء, اللذين يتعرض لهما الزوجان المتعاقدان بزواج مدني في دولة اخرى والتكاليف التي ينفقانها في سبيل تلك الغاية) . ويلفت النائب السابق قائلاً الى: ان الرئيس الهراوي يطرح سؤالاً كبيراً وهو: طالما ان المبدأ مقبول ومعمول به, فلماذا لا تتكون في لبنان دوائر رسمية يعقد امامها الزواج المدني اسوة بما يحصل في قبرص او سواها, ويضيف حرفياً (شخصياً لا افهم كيف ان رجال الدين يرفضون هذا الطرح وهم ارتضوه بسكوتهم الضمني على نص المادة 25 في العام 1936) (والمشار اليها اعلاه) . ويتحدث باخوس عن مشروع قانون موحد للاحوال الشخصية الذي سبق ان تدرسه الوزيران الراحلان جوزف مغيزل والدكتور اميل بيطار, والعلامة الراحل عبد الله لحود في اواخر الستينات, ثم الاقتراح المتكامل الذي تقدم به سنة 1972 والذي حصل على موافقة ما لا يقل عن 57% من النواب مسلمين ومسيحيين, وهو اصرّ انذاك على ان تكون الموافقة بنسبة اعلى لا تقل عن 85% لانه لا يجوز برأيه تأييد المشروع بالأكثرية النسبية. ويتساءل النائب السابق اخيراً: (يحق للانسان ان ينتحر او يغير مذهبه, افلا يحق له ان يعتمد اختيارياً قانوناً موحداً للاحوال الشخصية؟ ان الذين يتعرضون لهذا الحق انما يمانعون الحرية الشخصية وشرعة حقوق الانسان, وخاصة حقوق المرأة بالذات) . بيروت - وليد زهر الدين

طباعة Email
تعليقات

تعليقات