الشاذلي القليبي لـ (البيان): مستقبل العرب مرهون بانصهار الاقتصاديات العربية

منذ تخليه عن منصب الامين العام للجامعة العربية قبل اعوام عدة اختار الشاذلي القليبي الانزواء عن الاضواء, محتفظا لنفسه بتلال الاسرار التي توالدت لديه خلال عشر سنوات من عمله على رأس الجامعة العربية. ومنذ ذلك الحين حافظ القليبي على مسافة بعيدة من اجهزة الاعلام, مقلا كعادته في الكلام, متمرسا وراء كلمة (لم يحن الوقت بعد) لصرف الصحافيين الكثيرين الذين يلهثون وراءه. وعندما قرر القليبي اخيرا الكلام كانت (البيان) حاضرة سريعا حيث اقتنصت منه نحو ساعتين من الحديث الذي كان اغلبه ليس للنشر لان موعده لم يحن بعد كما قال وكرر لكن لحسن الحظ قليلا منه للنشر, وهذا هو؟ نتانياهو الخطير تصريحات رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو الاخيرة تضع المنطقة على كف عفريت؟ كيف ترون سبل مواجهته فلسطينيا وعربيا ودوليا؟ - المعروف عن رئيس الوزراء الاسرائيلي انه يطلق تصريحاته جزافا, دون ان يزن عواقبها ودون ان يراعي اقرب الاصدقاء لاسرائيل واعني الولايات المتحدة الامريكية. اما تصريحه الاخير عن ان الضفة هي ارض اسرائيلية, فهو تعبير واضح عن تبنيه لمقولة الجناح المتطرف لائتلاف (ليكود) المتعلقة باسرائيل الكبرى, من النهر الى البحر, وستكون العاقبة وخيمة, اذ لا احد يستطيع ان يتحكم في الشارع الفلسطيني, ان فقدت الجماهير كل امل في سلام كريم. ثم ان المناداة باسرائيل الكبرى ستحرض الفصائل الفلسطينية المعارضة للرئيس عرفات على المطالبة, بكامل فلسطين, وبذلك نتانياهو يعرض مسيرة السلام, لا فقط للتعثر بل للانهيار الكامل, بعد جهود مضنية دامت زهاء عشرين سنة - منذ قمة فاس سنة 1982 التي اعلنت فيها الدول العربية جميعا, بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية, عن قبولها لقرار التقسيم الصادر سنة 1947 والذي اعطى اليهود حق اقامة دولة خاصة بهم على ارض فلسطين. قلت ان رئيس الحكومة الاسرائيلية لم يحسب لتصريحه الاخير, حسابا دقيقا, ويجب ان نضيف انه اذا ما اصر على نفس الموقف, فسينسف مسيرة السلام من اساسها. والخاسر لن يكون فقط العرب. هل تعتقد ان الادارة الامريكية قادرة على رأب الصدع القائم في مسار المفاوضات الفلسطيني الاسرائيلي؟ - التجارب السابقة تجعلنا نميل الى التحفظ حول نجاح كلينتون لان من عادة نتانياهو ان يعد بأشياء , ثم لا يفي بالوعد, ثم انه بدأ ايضا بجرب سياسة التحدي, تجاه واشنطن, فهل يستطيع ان يتمادى فيها؟ هذا مرتهن بموقف المجموعة اليهودية الامريكية. فهي السند الاقوى لاسرائيل. ومن عادتها ان تناصر الحكومة الاسرائيلية, مهما تكن سياستها. لكن لدى الملاحظين دلائل على ان يهود امريكا انفسهم بدأوا يضيقون ذرعا بنتانياهو, بسبب المخاطر التي يسببها لاسرائيل ذاتها. فاكثرهم يرون ان الحكومة الاسرائيلية الحالية ستضيع على اسرائيل فرصة السلام مع العرب كافة, لا مع الفلسطينيين فقط والتوتر القائم بين نتانياهو ومصر يبعث على القلق في اوساط اليهود الامريكيين, لان مصر, وهي اكبر دولة عربية, هي التي تزعمت سياسة السلام مع اسرائيل, وضحت كثيرا من اجلها. وتقديري ان المفتاح الآن بأيدي هذه المجموعة اليهودية في الولايات المتحدة ان هي حزمت امرها, واتخذت موقفا حاسما من سياسة (ليكود) , فان البيت الابيض سيكون اقوى في ضغطه لحمل الحكومة الاسرائيلية على الرجوع الى جادة مدريد: الارض مقابل السلام. لكن هذه المجموعة اليهودية في نيويورك وشيكاجو, ولوس انجلوس, من من العرب يهتم بمقاربتها, وفتح الحوار معها, والسعي لاقناعها بصدق النيات العربية في اقامة سلام دائم, لكن كريم, مع اسرائيل؟! هذا عمل ضروري , وحيوي, لانه سيساعد البيت الابيض في جهوده الدؤوبة - والخفية - من اجل الحصول على دعم المنظمات اليهودية الامريكية لسياسة اسرائيلية منفتحة كما خطط لها شمعون بيريز وبدأ في تطبيقها, عن اقتناع اسحاق رابين. كيف تنظرون الى القمة الاسلامية التي عقدت مؤخرا في ايران هل تعتقدون انها نجحت؟ - لنا ان تعبر عن ارتياحنا الى الاجواء التي سادت القمة الاسلامية في طهران, فان يعود الحوار الودي بين العرب وايران, ليس شيئا قليلا, فهذا القطر له اهمية كبيرة, بالنسبة الى أمن المنطقة, فضلا عن الاواصر التاريخية التي تربطه بالامة العربية, والدور العظيم الذي قام به الفرس في صنع الثقافة العربية, الاسلامية, ومن دواعي الارتياح ايضا ان يكون الرئيس الايراني محمد خاتمي قد نجح في التوجه بعلاقات ايران مع الولايات المتحدة نحو الانفراج, ريثما يتسنى قيام حوار مجد فعلا. وما قاله الرئيس الايراني عن اختياراته المبدئية المتعلقة بحوار الحضارات, والابتعاد عما يتنبأ به البعض من صراعات حتمية بين حضارات مختلفة ومتناقضة - اشارة بذلك الى الحضارة الاسلامية, ماقاله خاتمي في هذا الصدد له اهمية كبرى بالنسبة الى ايران وكذلك بالنسبة الى مجموع الأمة الاسلامية. لكن قمة طهران كانت محبطة لكل الآمال, في مجالات اخرى, كنا ننتظر منها مساعي ملموسة, مثلا التوجه نحو اتفاقيات مبدئية في شؤون لها اهمية قصوى من وجهة النظر العربية مثل اصدار بيان خاص بالامن العربي والأمن الايراني, وفي هذا السياق ألم يكن من الممكن ان يشار الى النزاع الايراني - الاماراتي حول الجزر المحتلة والتلميح الى امكانية الاحتكام الى هيئة دولية, لتقول الحق في هذا النزاع؟ وفي خصوص الصراع مع اسرائيل, من المهم ان تذكي القمة المسار الذي انطلق من مدريد وكذلك من اوسلو. لكن هذا يذكرنا بعادة قديمة قدم الصراع مع اسرائيل - تتمثل في الاشادة بكل بادرة سابقة, بعد اخفاقها وفشلها وضياع فرصتها, والذي كان لزاما على القمة ان تعمله هو القيام بمسعى جماعي - بواسطة لجنة رفيعة المستوى - من اجل اقناع الدول العظمى - والولايات المتحدة اساسا - بخطورة الموقف وباجماع الدول الاسلامية كافة على ابرام سلام دائم يعتمد الشرعية الدولية قاعدة. كيف يرى الامين العام السابق للجامعة العربية, الحل بالنسبة للجزر الاماراتية الثلاث الآن, وفي ظل ما يسميه البعض مرونة وانفتاح القيادة الايرانية الجديدة؟ - امام تضارب الموقفين العربي والايراني, فالحل الوحيد هو الاحتكام الى سلطة قضائية دولية, اعني محكمة لاهاي الدولية. المصالحة العربية هل تعتقدون ان الجامعة العربية كان بامكانها ان تقوم بدور ما من اجل التقارب بين العرب, لم تقم به او لم يسمح لها بان تقوم به. - عندما نقول : (الجامعة العربية) فنحن نعني بالضرورة مجموع الدول الاعضاء. واي تحرك عربي لابد ان يعبر عن اجماع عربي, او على الاقل عن وفاق عربي. ولا اعتقد انه يوجد الآن وفاق بين دولنا للتحرك المجدي في الامر المشار اليه. كيف يفهم القليبي المصالحة العربية. هل ترونها ترتكز على التصريحات والمواقف الفردية, ام تتطلب قمة او لقاء للتصالح؟ ثم ماهو رأيكم في مقولة المصارحة قبل المصالحة, هل تعتبرون انها ضرورية؟ - لاشك ان التصريحات تساعد على تهيئة المناخ المناسب للدخول في طور المصالحة ان هي صدرت عن اعلى سلطة, وان هي عبرت عن ضمير صادق في تحمل المسؤولية, ومتفتح للحوار الاخوي. ولاشك ايضا ان المصالحة التي لم يسبقها حوار صريح بين الاطراف المعنية مباشرة, تبقى سطحية, ولا يكون لها مفعول عميق ودائم لانها لم تعالج الاسباب الكامنة في النفوس. ولا شك كذلك ان ابقاء الحال على ما هو عليه , دون علاج دون فتح قنوات الحوار الصريح, يؤدي الى تكريس الشقة بين دول هي لشعوب شقيقة ذات مصير مشترك. ان ما حدث بين العراق والكويت ليس بأمر هين يمكن نسيانه بسرعة, لذلك من مصلحة العراق ان يسهل على الكويت الصفح. كما ان من مصلحة الكويت عندئذ ان تقبل الحوار قصد الوصول الى وضع جديد يضمن امنه, دون ارتهان دائم بالوسائل العسكرية. وجوه الأمن الأمن القومي العربي: ماهي متطلباته وكيف ترون المحافظة عليه سياسيا واقتصاديا وجغرافيا في ظل التحولات الدولية الراهنة؟ - الأمن العربي له وجهان مترابطان : وجه خارجي يتعلق بضمان امن كل دولة عربية او أمن الوطن العربي, عامة - تجاه قوى اجنبية ووجه داخلي يخص امن كل دولة في علاقتها مع سائر الدول الشقيقة وهو الأمن البيني. فلا ينبغي ان يغيب عنا ان الامن القومي مرتكز على تضامن المجموعة كلها, وان هذا التضامن متوقف على نوعية العلاقات البينية, فالامن القومي يقوى بالأمن البيني, فعندما تهدد اسرائيل, مثلا, امن احدى دولنا, فهي تهدد في الوقت نفسه بصورة موضوعية - الأمن القومي, لكن هذه الحقيقة لا تكون حاضرة في الاذهان اذا كان الأمن البيني منحرما, وكانت القلوب شتى, وكان تصور دولة - او عدد من دولنا - لمصالحها الخاصة تصورا ينأى بها عن التضامن, ويصرفها الى التعاون مع جهات اجنبية. من شروط الأمن العربي - القومي منه والبيني مناخ علاقات نقية, وهذا لا يتأتى الا بجملة من اعمال التعاون المركزة البعيدة المدى الطويلة النفس, التي تنسج بين الدول الشقيقة شبكة من المصالح الثابتة المشتركة, غير الظرفية الزائلة, فتجعل كل دولة منها في حاجة ماسة الى مجموع شقيقاتها, وتجعل الجميع مقتنعا, بجدوى التعاون والتناصر والتكاتف. بهذا يقوى الأمن (القومي) ويصبح سندا للأمن (القطري) لكل دولة من دولنا, وهذا الذي ينبغي لدولنا ان تفكر في بنائه, مستفيدة في ذلك من تجارب (المجموعة الاوروبية) التي اصبحت اليوم (الاتحاد الاوروبي) وربما انشأت بعد مدة قليلة عملة موحدة ودبلوماسية مشتركة ودفاعا مترابطا, فان نحن بدأنا في بناء هذا المناخ العربي الذي يؤلف بين القلوب بفضل ترابط المصالح, فان الكثير من دولنا ستكون في غنى عن الكثير من الاسلحة التي تنفق فيها اموالا طائلة قد تكون التنمية احوج اليها. تحديات الالفية الثالثة كيف تقيمون اذن الوضع العربي الآن. ونحن على مشارف سنتين من الالفية الثالثة؟ - هذا السؤال مرتبط بما كنا بصدده, عند حديثنا عن الأمن العربي ومقوماته وشروطه, فمستقبل الوطن العربي في هذا القرن الجديد الذي ستطغى فيه العولمة أكثر فأكثر - متوقف على مدى انصهار الاقتصادات العربية في نظرة جماعية, تأخذ بعين الاعتبار مصالح كل دولة عربية. وفي الوقت نفسه تراعي مصلحة المجموعة العربية ككل, باعتبارها تؤلف امة , لها تاريخ وثقافة, ولها مصير مشترك, تريد له ان يكون آخذا باسباب الكرامة والرقي والازدهار. على سبيل المثال , كيف ترون سبل الحل بخصوص القضية الفلسطينية؟ - الاحداث الاخيرة, اقامت الدليل من جديد على ان هذه القضية مرتبطة الى ابعد حد بمدى تضامن سائر دولنا, ذلك قدر هذه القضية : هي قضية شعب وهي في الوقت نفسه قضية امة. فلا تحل الا بمؤازرة جميع القوى العربية, لكن بالاعتبار اولا وبالذات على الطاقات الفلسطينية. في كفاح متعدد الجبهات, متنوع الوسائل. والقضية الفلسطينية تضرب ابلغ مثل على ترابط ( الأمن القطري) و (الأمن القومي) : فامن الوطن العربي متوقف على حل كريم لهذه القضية التي بدورها, تحتاج الى وقفة عربية حازمة لتظفر بالحل المنشود. فلابد لاخواننا الفلسطينيين من التمسك بالمسار الذي نهج له الرئيس عرفات, لكن بدائم التنسيق مع الدول العربية - الفاعلة منها خاصة - والاعتماد على مناصرتها في المحافل الدولية. مقصلة تركيا دائما في صلب (الأمن القومي) كيف تقيمون العلاقات التركية العربية, وكيف ترونها في المستقبل؟ - بالنسبة لهذا الملف, اي العلاقات العربية التركية , فمن الضروري تكثيف التحرك العربي في اتجاه انقرة, دون غضب او غيظ لا يجديان نفعا. ومن المصلحة الا نقتصر على شرح مخاطر التقارب بين تركيا واسرائيل, لانها مخاطر على المنطقة العربية, وتركيا قد لا تكون كثيرة الاهتمام بمشاغلنا العربية وبمقتضيات أمننا القومي - لاعتبارات تاريخية معروفة لا تحتاج الى شرح - ارى التركيز على محاولة الاقناع بان مصير تركيا مرتبط بمنطقتها - رغم ما حصل وان ذلك لا يعني الاعراض عن مصالحها مع اوروبا. بل بالعكس تكون هذه المصالح مضمونة اكثر اذا نظرت اوروبا الى تركيا على انها قاطرة هامة من قاطرات منطقة الشرق الاوسط - في شؤون التنمية والأمن والسلم التي لها اهمية عالمية, ولاشك ان انقرة, اذا مافكرت في منزلتها الحالية, وهي منزلة بين المنزلتين - لاهي في اوروبا ولاهي في الشرق الاوسط - ستختار الخيار الاصح للحاضر والمستقبل. ويمكن اقامة الادلة المتنوعة ان هي حظيت بثقة دول المنطقة في الشؤون الاستراتيجية. لا شك ان لتركيا وزنا في حد ذاتها. لكن بمساندة المنطقة كلها, سيكون لها وزن آخر, اكبر بكثير لكن هذا المنطق الودي وهذا الخطاب السياسي تجاه تركيا يتطلبان معالجة القضايا الخافية بينها وبين سوريا والعراق, وليس ذلك بمتعذر. وارى ان نجرب طريقة كثيرا ما اعطت نتائج ايجابية في المستوى الدولي, وهي تكليف شخصية مرموقة بملف العلاقات العربية التركية - رجل له مثل تجربة ومقدرة د. سليم الحص, مثلا, حتى يتركز الاهتمام بهذه القضية ويتسنى الانجاز على مستوى عربي شامل, ولا ينبغي ان يغيب عن اذهاننا اننا, من وراء تركيا, نمس دولا كثيرة في آسيا, لنا مصلحة في ربط العلاقة بها في مختلف المجالات. العرب وايران بنفس صيغة السؤال: اي بخصوص الامن القومي دائما, كيف ترون العلاقات العربية الايرانية, سواء في الحاضر, انطلاقا من مؤشرات السياسة الايرانية التي تبدو جديدة, او في مستوى مستقبل هذه العلاقات؟ - بخصوص علاقات ايران بالدول العربية, فالاجواء تبدو اليوم, بعد انتخاب الرئيس خاتمي, اقرب الى الحوار الودي من اي وقت مضى, منذ عقود. ذلك ان الموجة الخمينية تبدو في تراجع. والمجتمع الايراني اصبح ميالا الى الاخذ بالواقعية في علاقاته مع سائر المجتمعات العربية وغير العربية. فالخطاب السياسي الذي نسمعه اليوم من الرئيس خاتمي, مع الحاحه على وجود (مجتمع سياسي) في ايران ورأي عام لمجموع المواطنين, وهو الذي اوصله الى منصة الحكم, كل ذلك يزيد من قناعتنا بان الآفاق غير مسدودة , وحبذا لو وجهت الدعوة اليه لزيارة عدد من دولنا العربية في بحر السنة الجديدة, فان ذلك من شأنه ان يوطد بين الطرفين العربي والايراني, هنا ايضا يمكن تكليف شخصية مرموقة, بهذا الملف, ولا ارى افضل من الدكتور عز الدين العراقي, الامين العام الجديد لمنظمة المؤتمر الاسلامي. تونس - فاطمة بن عبد الله

تعليقات

تعليقات