أمريكا ومكافحة انتشار الأسلحة: بقلم: جيم هوجلاند - البيان

أمريكا ومكافحة انتشار الأسلحة: بقلم: جيم هوجلاند

اذا كان تحدي العراق لعملية تفتيش الامم المتحدة عن الاسلحة سيجبر الرئيس بيل كلينتون على اصدار الاوامر لتوجيه ضربات عسكرية , فإن رئيس الاركان المشتركة محاولة الجنرال هنري شيلتون لن يهدر وقته في محالة لاجبار صدام حسين على السماح لاستئناف عمليات التفتيش او القيام ببعض المبادرات السياسية الايجابية الاخرى. وبدلا من ذلك فان هدف الجنرال شيلتون سيكون تدمير الاسلحة الكيماوية والبيولوجية والمرافق النووية التي لا يزال لعراق يحاول اخفائها حتى الآن. وقد حدد الجنرال شيلتون الخطوط العريضة لهذا الاقتراح التاريخي خلال لقاء تم مؤخرا مع بعض المحررين والمراسلين في الواشنطن بوست. وسألت شيلتون اذا كان يعتقد فعلا ان الغارات الجوية يمكن ان تلحق ما يكفي من الالم والمعاناة لاجبار الرئيس العراقي على التخلي عن اهدافه وان يقبل علنا بتراجع مذل حول عمليات التفتيش. حرص في ما بعد على التوضيح انه سمع اصداء تجربة فيتنام التي وردت في السؤال وهي ان القصف الجوي الامريكي المكثف لم يجبر هانوي على التخلي عند اهدافها او حتى تأجيلها. وجاء رد شيلتون الهادىء بالنفي فهو لن يلجأ الى الحاق الاذى والمعاناة كوسيلة لتحقيق اهدافا سياسية ولكن (سندمر المرافق والمنشآت التي يحاولون اخفاءها وخصوصا اننا نعرف الكثير عما يحاول القيام به في هذا الخصوص) . ان توجه شيلتون هذا لا يمثل مجرد تحول عن طريقة التفكير التي كانت سائدة في حقبة فيتنام وهو الامر الذي استوعبته الدوائر العسكرية الامريكية منذ سنوات عديدة وحسب, ولكنه يعكس ايضا التحول الجوهري في الطريقة التي سترد بها الولايات المتحدة على انتشار الاسلحة الكيماوية والبيولوجية والنووية وغيرها من اسلحة الدمار الشامل الى الدول ذات النزعات العدوانية والتي لا تتمتع بأقل قدر ممكن من المسؤولية تجاه المجتمع الدولي والسلام العالمي. لقد كانت السياسة الامريكية حتى الآن ترتكز على منع انتشار اسلحة الدمار الشامل والعمل الجاد على منع الدول الاخرى من امتلاك اكثر الاسلحة قدرة على الفتك والتدمير استطاعت البشرية ان تطورها حتى الآن. الا ان المخططين الامريكيين اصبحوا الآن يفكرون وبشكل متزايد بانتهاج سياسة مكافحة انتشار هذه الاسلحة وكذلك التفكير بأنجح الوسائل لاحتواء وتدمير هذا العفريت الذي لا يمكن في حقيقة الامر ابقائه حبيسا داخل القمقم. ومستوى التورط العسكري والدبلوماسي الامريكي في منطقة الخليج والتحدي الذي يمثله كل من العراق وايران ولهذا التورط جعل من الضروري جعل الرأي العام الامريكي ان يدرك ويعي وبشكل مباشر هذا التحول نحو مكافحة انتشار هذه الاسلحة وخصاصا انه حتى هذه اللحظة لا يزال وجود ومفهوم هذا التحول محصورا في نطاق دوائر الخبراء ووزارة الدفاع الامريكية. ولا تقتصر المواجهة المستمرة مع العراق على النوايا الشريرة التي يضمرها صدام حسين. لقد ادرك العالم مدى الاخطار المخيفة التي تهدد مستقبل البشرية وانه بالرغم من الجهود المكثفة لم ينجح حتى الآن من منع وصول اسلحة الدمار الشامل الى ايدي الدول الخارجة عن القانون بالرغم من انها تخضع ومنذ سنوات عديدة للحصار الاقتصادي واكثر عمليات التفتيش شمولية في تاريخ البشرية. وبالرغم من القيود الدولية الصارمة تمكن رجال صدام حسين البدء بالعمل على انتاج قنبلة نووية سرية وتطوير ترسانة ضخمة من الاسلحة الكيماوية والبيولوجية وكذلك انتاج الرؤوس الحربية التي يمكن ان تنقل هذه الاسلحة بواسطة الصواريخ. منذ عام 1991 نجح فريق الامم المتحدة للتفتيش عن الاسلحة بتدمير الكثير من ترسانة الاسلحة العراقية. ولكن وبالرغم من هذه الجهود اعترف وزير الدفاع الامريكي وليام كوهين مؤخرا بأن العراق لا يزال قادرا على انتاج اسلحة بيولوجية وكيماوية خلال ساعات او ايام واصدر اوامره بتلقيح افراد القوات العسكرية ضد هجوم محتمل بغاز الانثراكس. والطريقة التي تعاملت فيها الادارة الامريكية مع الازمة العراقية وضعت لتحضر الرأي العام الامريكي للنظر الى التحول الى مكافحة انتشار اسلحة الدمار الشامل كحقيقة قائمة وكاستراتيجية على طريق الدخول الى القرن الحادي والعشرين. وكأن كوهين يقول ما بين السطور انه لابد من الاعتراف بالحقيقة وهي اننا عاجزون عن منع دول مثل العراق وليبيا من الحصول على او تصنيع مثل هذه الاسلحة. ولذلك لابد من تحصين دفاعاتنا وان لا نتردد ابدا في تدمير كل ما يمكن تدميره كلما سنحت لنا الفرصة. لم يتم الاعلان عن هذا بشكل واضح وصريح ليس لانها اخبار مزعجة وحسب ولكن لانها تفرض سؤالا لا يبدو ان الادارة الامريكية نجحت في الاجابة عليه حتى الآن ايضا: من الذي انتخب الولايات المتحدة وقواتها المسلحة لتكون المدافع الاول عن العالم وحمايته من اسلحة الدمار الشامل؟ لقد ورث كلينتون هذا الدور في حالة العراق بسبب التزام الرئيس الامريكي السابق جورج بوش بقيادة التحالف لتحرير الكويت وحماية الطرق المؤدية لنفط الخليج, وهي اهداف (بالكاد) تم اقرارها من قبل الكونجرس فالامريكيون لم يعلنوا حتى الآن انهم يرغبون بتحمل حصة الاسد من المخاطر تحت لواء مكافحة انتشار اسلحة الدمار الشامل في العالم. الا ان هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه بقوة عليهم كلما اصبح التخلي عن مكافحة انتشار هذه الاسلحة اكثر وضوحاً. وتحتفظ الولايات المتحدة الآن بحوالي 28 الف جندي في منطقة الخليج وهي المنطقة التي لم يكن فيها للولايات المتحدة قبل 25 عاما اكثر من مئات معدودة من الجنود عندما كانت واشنطن تعتمد على حلفائها في المنطقة للتصدي للمخاطر الاستراتيجية. لقد وجدت الولايات المتحدة نفسها تنوء بهذا العبء المتزايد ليس نتيجة لاستراتيجية واضحة المعالم وبمشاركة من الرأي العام الامريكي ولكن نتيجة لانحرافها عن المسار المرسوم تارة والسير على غير هدى تارة اخرى. والا ان الحاجة للقيام بمبادرة مشكوفة وواضحة انتشار اسلحة الدمار الشامل ستضع الامور في نصابها الصحيح. كبير كتاب الواشنطن بوست *

طباعة Email
تعليقات

تعليقات