مفتاح فهم عقلية صدام حسين: بقلم: جيم هوجلاند

يقول ان تذكر ما كنت تهدف لانجازه في بداية الامر يمكن ان يكون الجزء الاصعب في اي من محاولات الانسان المعقدة . فجهود الولايات المتحدة والتي استمرت على مدى السنوات السبع الماضية لمعاقبة العراق لاعتدائه على جيرانه, ولمنع تكرار مثل هذه الاعتداءات في المستقبل اصبحت الآن مهددة بالطرق المتعددة والمختلفة التي تخدم في الذاكرة السياسية كلا من صدام حسين وبيل كلينتون. فالظروف الموضوعية وتركيبته الشخصية تجبر الرئيس العراقي على التمسك بالهدف الرئيسي بشكل ينطوي على قدر نادر من الوضوح من ناحية, والقسوة وعدم الرحمة من ناحية اخرى. كما ان غضبه واستياءه الشديدين يغذيان تصميمه الذي لا يعرف الحدود لألحاق الخراب والدمار باسرائيل والولايات المتحدة الامريكية. اما الجيران العرب الذي لا يرغبون بمساعدته في تحقيق هذه الاهداف فانهم يستحقون السحق والتدمير وهذا ما يستحقه ايضا عراق لا يستطيع ان يحقق اهداف الدكتاتور القاتلة. وهذا هو المفتاح لفهم عقلية وذاكرة صدام حسين: ان عراقا يفشل في ان يحقق اهدافه ويرعى ايديولوجيته يستحق التدمير. فالعقوبات الاقتصادية والغارات الجوية والاجراءات الاخرى التي تنزل العقاب بالشعب العراقي ولكنها لا تهدد مكانته في السلطة لا تعتبر رادعا بالنسبة له. فمعاناة الشعب ما هي الا برهان على اخلاصه وطاعته للحاكم وقد لا يكون من العدل ان يحرم الشعب من هذه الفرصة التاريخية! والمفارقة الغريبة ان التاريخ وضع تمسك صدام حسين بهدفه الاساسي جنبا الى جنب مع رغبة الرئيس بيل كلينتون بالانتقال من هدف الى آخر قد يعد بتحقيق انصاف الحلول او المصالحة او حتى تجنب المشكلة وعدم التصدي لها على الاطلاق. وفيما يتعلق بمشاكل السياسة الخارجية يبدو ان ذاكرة كلينتون السياسية تزداد قصرا كلما تراكمت العقبات امام تحقيق هدف كان يعتبر مهما في وقت من الاوقات. وقد يذكر القارىء على سبيل المثال كيف انتهت قمة اكتوبر مع جيانج زيمين والتي كان من المفروض ان تؤدي الى تعاون الصين في قضايا التلوث والامن البيئي وهي قضايا في غاية الاهمية بالنسبة للرئيس قبل انعقاد قمة كيوتو. الا ان هذا الموضوع اختفى تماما من جدول الاعمال بعد ان وجهت بكين انتقادا حادا الى واشنطن في مؤتمر كيوتو حول التغيرات المناخية, ومن دون ان نقدم اية تنازلات. لقد اصبحت ادارة الرئيس كلينتون تعرف الآن بأنها قادرة على ادارة الازمة والتقليل من الاضرار الناجمة الى ابعد حد ممكن. ولكن الامر يختلف الآن بعد ان نجح صدام حسين في تمديد المواجهة حول حقوق فريق الامم المتحدة في عمليات التفتيش للشهر الثالث على التوالي. فتفسير الادارة الاعرج لموقفها السلبي هو ان الدكتاتور العراقي وبغباء واضح يعاقب نفسه بنفسه. فالعقوبات الاقتصادية ستبقى مفروضة على العراق لفترة اطول لأن التحدي سيؤخر اليوم الذي سيقرر فيه مجلس الامن رفع العقوبات عن العراق. ان هذا التفسير ليس اعرج ومنقوصا لأن صدام حسين لا يكترث بالعقوبات الاقتصادية وحسب ولكن يبقى اعرج لأنه ليس صحيحا ايضا: تقوم روسيا الآن وبدعم فرنسي بدفع قرار لمجلس الامن ينص على التفتيش عن المنشآت النووية والصواريخ المخبأة في العراق. وقد اصبحت موسكو وباريس والعديد من الدول الاخرى تميل الى الاعتقاد ان هذه المواجهة القائمة اكدت الحاجة الملحة لتخفيف العقوبات المفروضة على العراق, والى ضرورة ان يصبح العراق قادرا على رؤية (الضوء في نهاية هذا النفق) . ان الفيتو الامريكي ضد التحرك الروسي قد يؤدي الى المعارضة العالمية المتزايدة ضد هذه العقوبات وقد يعقد كذلك خطط الرئيس كلينتون لعقد اجتماع قمة محتمل مع بوريس يلتسين في منتصف العام. وليس من المبالغة القول ان التماسك الدولي الذي ايد العقوبات على العراق اخذ بالتدهور. واخيرا فإن التفسير يبقى اعرج لأنه يحجب الهدف الاساسي للموقف الامريكي والدولي ضد العراق. فالابقاء على العقوبات الاقتصادية ضد العراق ليس هدفا سياسيا بحد ذاته ولا يمكن الاستمرار بابقائه قيد التنفيذ من ناحية, كما ان عمليات التفتيش ليست هدفا بحد ذاتها من الناحية الاخرى وهو ما يشير اليه ولو بطريقة خفية المسؤولون في البيت الابيض ووزارة الخارجية. لقد وافق العراق على عمليات التفتيش الدولي دون قيد او شرط للتوصل الى وقف اطلاق النار الذي انهى حرب الخليج في مارس 1991. فقد تم الاتفاق ان يقوم العراق خلال 120 يوما من وقف النار بتدمير جميع اسلحة الدمار الشامل الموجودة لديه بالاضافة الى المنشآت التي تنتجها. كما طلب من بغداد ايضا ان تسلم جميع المعلومات المتوفرة لديها حول انتاج الاسلحة النووية والبيولوجية والكيماوية والصواريخ البعيدة المدى وكذلك قائمة باسماء الموردين الاجانب الذين ساعدوا العراق على امتلاك هذه التقنيات. وهذه القيود اللامسبوقة تمثل اعترافا من المجتمع الدولي بالتهديد الذي يشكله نظام الرئيس العراقي. الا ان بغداد نجحت في ان تتخلص من حالة البلد المنبوذ وان تجعل الامم المتحدة تدريجيات تعاملها كعضو ذات سيادة في العائلة الدولية. لقد تأخر العراق ما يزيد عن ست سنوات للوفاء بالتزاماته للمجتمع الدولي. الا ان واشنطن تطوف في ارجاء كل مجابهة مع صدام حسين وكأنها تحاول ان تتذكر هدفا اساسيا اكثر بعدا وترفض في نفس الوقت ان تأخذ زمام المبادرة لتعلن ان العراق يخالف نصوص اتفاق وقف اطلاق النار الذي دفع ثمنه دماء امريكية واوروبية وعربية. يجب الا ننسى ما يكلفه وقف اطلاق النار او ما كان يهدف لتحقيقه وانجازه في بداية الامر مهما كان النسيان يبدو مريحا في الوقت الراهن. كبير كتاب الواشنطن بوست *

تعليقات

تعليقات