حلم المعارضة في التناوب لايزال بعيدا: سيناريوهات تشكيل الحكومة المغربية الجديدة

رغم انتخاب رئيس اشتراكي لمجلس النواب, واعتبار ذلك مؤشرا على امكانية تكليف حزب (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) بتولي المسؤولية الحكومية, وبالتالي اخراج فكرة التناوب, التي مثلت اهم تطلعات المعارضة, إلى حيز التطبيق, يبدو من الصعب قراءة (طالع) الوضع السياسي المغربي, والاطمئنان إلى ما يقوله (المنجمون) من المراقبين في وقت يبدو فيه هذا الوضع مفتوحا على كل الاحتمالات. ففيما رجحت بعض الاوساط تولي عبدالرحمن اليوسفي السكرتير الاول لحزب الاتحاد الاشتراكي رئاسة الوزراء, واحمد عصمان رئيس التجمع الوطني للاحرار نائب رئيس الوزراء مع وزارة الخارجية, رأت اوساط اخرى ان عصمان هو الاوفر حظا بتقلد منصب الرئاسة كونه سبق وان تولاه اكثر من مرة, ولان انتخاب عبدالواحد الراضي عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي لرئاسة مجلس النواب سد الطريق على اليوسفي, اذ ومن غير المألوف في تقاليد السياسة المغربية اناطة كل من رئاسة الحكومة ورئاسة مجلس النواب بحزب واحد من الاغلبية السابقة, فأحرى بحزب من المعارضة. وفي خضم هذه السيناريوهات, يتداول سيناريو ينطوي على الكثير من الاثارة, يرى ان ادريس البصري وزير الداخلية الحالي يعد بديلا لكل الوجوه المطروحة لتولي المسؤولية الحكومية الاولى. وافرزت خارطة برلمانية مشابهة تقريبا لخارطة 1993 التي افرزت ازمة وجمودا سياسيا, وكرست التوازنات نفسها التي تجعل من الصعب تشكيل حكومة منسجمة ومتضامنة, ايا كانت التركيبة, كما ان دور المؤسسة النيابية نفسه وبالاخص في ميدان المراقبة, بات اضعف من اي وقت مضى, بحكم وجود السلطة التشريعية الموازية: مجلس المستشارين الذي استحدث وفقا لدستور 1996. ويستحضر المراقبون للوضع السياسي المغربي دلالات الاقدام على انتخابات سابقة لأوانها وما تنطوي عليها من استجابة لانتقادات المعارضة للتجربة السابقة, حيث شكلت الخروفات التي شابتها عقبة امام انفتاح الحقل السياسي المغربي على تجربة جديدة عنوانها: التناوب, كما يتذكرون ان فشل التناوب ارتبط بتشبث المعارضة بضرورة خروج التناوب من رحم صناديق الاقتراع, ولذلك فانهم يرون ان التناوب المطلوب هو تناوب يستدعي انتقال قوى المعارضة إلى ممارسة المسؤولية. واذا كان صحيحا ان التناوب المنشود سيفتح الباب امام قوى جديدة ويرجح تولي المعارضة السابقة مسؤولية تسيير امور البلاد فانه من المؤكد ان احزاب الاغلبية التي مارست تدبير شؤون البلاد كانت واعية بهذا الترجيح لمصلحة المعارضة, لذا عملت ما بوسعها للدفاع عن مواقعها والغاء التناوب من المعادلة السياسية, وقد اعتمدت في ذلك على توظيف امكاناتها المحققة على مستوى الانتخابات الجماعية (البلديات) , كما لجأت على غير عادتها إلى ترشيح نسبة عالية من الاطر بموازاة التخلص من بعض (الاعيان) الذين ارتبطت اسماؤهم بها في مراحل ولادتها. وعلى صعيد التكتلات, افرزت صناديق الاقتراع احزاب الوسط شريكا ضروريا لأي تكتل يكلف بتشكيل الحكومة المقبلة. ورغم ان (الكتلة الديمقراطية) قد احتلت المرتبة الاولى الا ان نسبتها اقل عما حققته في انتخابات 93, فيما حصل حزب الاتحاد الاشتراكي لوحده على 57 مقعدا, وتراجع حزب الاستقلال, الشريك الثاني في الكتلة إلى 32 مقعدا, واذا كان الوزير الاول (رئيس الحكومة) الذي سيختاره العاهل المغربي الملك الحسن الثاني لتشكيل الحكومة سيبدأ مشاوراته مع الكتلة, فان قبولها المشاركة بالحكومة يفرض عليها التحالف مع حزبين من احزاب الوسط, ويرجح ان يكونا التجمع الوطني للاحرار 46 مقعدا, والحركة الوطنية الشعبية 19 مقعدا, أو ان تكتفي بالتحالف مع التجمع الوطني والاحزاب الصغيرة, الحزب الاشتراكي الديمقراطي (خمسة مقاعد) جبهة القوى الديمقراطية تسعة مقاعد, والحركة الدستورية الديمقراطية تسعة مقاعد, وفي احسن الحالات تضمن تأييد هذه الاحزاب دون مشاركتها بالتحالف, مع الاخذ بالاعتبار المصاعب التي تواجه هذا التحالف مع تصاعد دعوة التيار المتشدد داخل حزب الاستقلال للبقاء في صفوف المعارضة, حتى لو كان وحيدا. والمرتبة الاولى للاتحاد الاشتراكي لم تمنعه من اتهام السلطة باجهاض شفافية ونزاهة الانتخابات, لكنه بالمقابل لم يعلن رفضا أو قبولا للمشاركة بالحكومة المقبلة, مكتفيا بتوجيه الرسائل عبر عدد من قياديه, وفي حين يتجه التيار المتشدد في الحزب إلى عدم المشاركة في الحكومة, يكاد ينتصر التيار الداعي إلى المشاركة باعتبارها الخاتم الذي سيرسم التغيير من موقع المسؤولية الحكومية بعدما عجزت صناديق الاقتراع عن رسمه. ويبقى خط تكتل الوفاق 100 مقعد, قائما في حال رفض الكتلة الديمقراطية المشاركة في الحكومة, وهو ما حدث عام 95 بعدما فشلت محاولة تكليف الكتلة بتشكيل حكومة التناوب, الا ان كل ذلك مرتبط ببقاء الكتل السياسية, كما هي قائمة حاليا وعدم تفتتها, ومن هنا تأتي التفاتة العاهل المغربي في الخطاب الذي افتتح به البرلمان في 26 ديسمبر الماضي, حين دعا النواب إلى عدم الانتقال من فريق برلماني إلى آخر, أي إلى ضرورة الحفاظ على تركيبة الاحزاب الممثلة في مجلس النواب, وبالتالي الحفاظ على الالوان السياسية القابلة للتغيير على ايقاع التغيير الحكومي.

تعليقات

تعليقات