في خطابه للأمريكيين: هل يرسي خاتمي أسس الحوار بين الحضارات

اكتسب الخطاب الذي ينوي الرئيس الايراني محمد خاتمي توجيهه للشعب الامريكي خلال ساعات اهمية متزايدة بعد ان تلقت المحافل السياسية , الامريكية خصوصا والغربية عموما هذه المبادرة بنوع من الحماس وتلقت مصادر الادارة الامريكية مبادرة الرئيس الايراني على انها خطوة في اطار الرغبة الايرانية في تطبيع العلاقات الثنائية بين البلدين بعد سنوات طويلة من الجفاء. ومع ان الرئيس خاتمي حرص على توضيح مراده من الخطاب حينما اعلن عن ذلك في مؤتمره الصحافي الذي عقد بعدانتهاء اجتماعات القمة الاسلامية الثامنة اواسط شهر ديسمبر الماضي, فقال: (ان الازمة بين ايران وامريكا ليست من النوع الذي يمكن حله بسهولة) الا ان مجرد المبادرة بتوجيه الخطاب الى الشعب الامريكي يعد بالنسبة للمسؤولين الامريكان خطوة لا يستهان بها باعتبار انها تعني وجود الشأن الامريكي على قائمة الاهتمامات الايرانية خصوصا وان خاتمي وصف الشعب الامريكي (بالعظيم) حينما قال في نفس المؤتمر الصحافي (في نيتي التحدث الى الشعب الامريكي العظيم) , غير انه وضع اطارا لتلك المبادرة احرجت مؤيديه ومعارضيه على حد سواء فقد اضاف القول في معرض جوابه على سؤال لمراسل وكالة رويتر (ان الحكومة الامريكية, هي حكومة امريكا, وهي بالنتيجة تمثل خيار الشعب الامريكي, الذي لابد لنا من احترام خياره) كما وسع من نطاق حديثه المزمع توجيهه للشعب الامريكي الى الحد الذي يمكن استنتاج جميع الاحتمالات منه فقال (ان قصدي بالحوار بين الحضارات اوسع بكثير مما يتبادر له من معنى مباشرة, فالتعاطي بين الايديولوجيات يساهم في تكامل التراث الفكري البشري, اذا ساهم فيه الفلاسفة والكتاب والفنانون) .. الامر الذي اثار جدالا محتدما على الساحة السياسية الايرانية, ركز فيه المتشددون على رفض اصل فكرة الحوار مع الشعب الامريكي التي قد تعني الحوار مع الادارة الامريكية, الاحتمال الذي لم ترفضه مصادر في الرئاسة الايرانية حينما ادلت بتصريحات خاصة اشارت فيها الى (امكانية فتح صفحة جديدة من العلاقات مع الولايات المتحدة في اطار الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشوؤن الداخلية والالتزام المشترك بالمقررات والقوانين الدولية, عبر حالة من الحوار الحضاري الشامل المتواصل والعلني الواضح) . وفي الوقت الذي تمثل فيه مبادرة الرئيس الايراني عملية سباحة ضد التيار على الصعيد الايراني, فانها مثلت على ما يبدو قشه النجاة بالنسبة للادارة الامريكية خاصة انها تأتي في وقت تعرضت فيه الى احباطات متكررة نجمت عن فشل السياسات الامريكية على صعيد الشرق الاوسط وتعثر مفاوضات السلام نتيجة الانحياز الامريكي لاسرائيل وتعنت حكومة نتانياهو وتعثر الجهود في آسيا الوسطى للبدء بعمليات نقل الطاقة الى الاسواق العالمية, وسقوط الحصار الذي سعت الادارة الامريكية لفرضه على ايران في اطار سياسة الاحتواء المزدوج للعراق وايران. وحدوث شرخ واضح في الحلف الامريكي ـ الاوروبي حين دعمت دول الاتحادالاوروبي العقد الذي وقعته شركة توتال الفرنسية مع ايران في اطار تحالف بترولي دولي شاركت فيه شركتا غاز بروم الروسية وبتروتاس الماليزية لتطوير حقل بارس الجنوبي المشترك بين ايران وقطر, بقيمة ملياري دولار, مما الغى نظريا فكرة الالتزام بقانون داماتو الامريكي الذي يحظر على الشركات النفطية التعاون مع ايران بما يزيد على 40 مليون دولار سنويا. بالاضافة الى جهود ايران لمواجهة سياسة الهيمنة الامريكية الداعية لتوحيد قطبية النظام الدولي, وذلك عبر تحالفات وتفاهمات ثنائية وثلاثية مع روسيا والصين والمانيا وفرنسا ودول شرق آسيا, والاتفاقيات الاقليمية مع ارمينيا واليونان مثلا لمواجهة التحالفات التي عكفت الادارة الامريكية على صياغتها في اسيا الوسطى والقوقاز. وما من شك في ان فشل مؤتمر الدوحة الاقتصادي ونجاح مؤتمر القمة الاسلامية الثامنة في طهران بعد ذلك, كان المنعطف الذي لفت الانظار الى خطورة الدور الايراني وخطورة سياستها الانفتاحية الجديدة على امريكا, فضلا عما افرزته الدراسات التخصصية المختلفة والتي اعلنت عنها العديد من المؤسسات السياسية الاستراتيجية الامريكية والتي اثبتت تحول السحر على الساحر حينما اكدت ان الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة يكاد يضر بصورة رئيسية الشركات والمصالح الامريكية. ومن جانب آخر فقد ادى ظهور حالة الاستقرار النسبي اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا في ايران الى حرمان الادارة الامريكية من مبررات الاصرار على توجيه الاتهامات الجوفاء الى ايران وساهمت في توليد ضغط داخلي على الادارة الامريكية باتجاه ضرورة اعادة النظر في سياستها حيال ايران. خصوصا بعد ان اصبح العديد من اصدقاء الولايات المتحدة على قناعة بحسن النوايا الايرانية او على الاقل بأهمية اتاحة الفرصة لايران كي تثبت حسن نواياها. وفي هذه المناخات جاءت المبادرة الايرانية لتمثل المخرج المناسب للادارة الامريكية تأكيده على (الاصرار على مواصلة المضي باتجاه تحسين العلاقات الايرانية من المأزق الذي اصبح يضيق الخناق عليها بدرجة كبيرة خصوصا بعد ان كرر الرئيس الايراني مع جميع دول العالم) وذلك لدى استقباله المبعوث الخاص للرئيس السوداني قبل اسبوعين. وتؤكد المصادر المقربة من الرئيس خاتمي, انه سيكون الرابح الاول من الخطاب الذي يبدو انه سيكون على شكل مقابلة تجريها (كريستين امانيور) مراسلة شبكة C.N.N الاخبارة الامريكية في طهران لانه (ومهما تكن النتائج فإن خاتمي وبعد ان يكون قد اثار من خلال خطابه الاجواء السياسية في الولايات المتحدة وشدد الضغط السياسي على ادارة كلينتون, سيجد متسعا من الوقت لحصد العديد من النتائج لصالحه ريثما تصل الادارة الامريكية الى رسم الخطوط العامة لتحركها الجديد) , ثم (واذا قبلت الادارة الامريكية الالتزام بالاحترام المتبادل, وعدم التدخل في الشؤون الداخلية فإن ذلك سيعني الافراج عن الارصدة الايرانية المجمدة وسيحقق لإيران مطالبها التقليدية بالكف عن مضايقتها بالتدخل بشؤونها او تلفيق الاتهامات ضدها) . وعلى هذا الاساس فان الذي يبدو متوقعا هو ان يقوم الرئيس محمد خاتمي باستعراض نماذج من السياسات الامريكية المتغطرسة ولكن بأسلوب جديد يعتمد على تقديم الادلة المقبلوة ليجرب بذلك نظريته في التعامل مع المعارضين من خلال الحوار الحضاري, والتي طرحها في حديث له مع مسؤولي وزارة الامن في آخر يوم من العام 1997 (ان المهارة لا تكمن في امكانية القضاء على الطرف المعارض, وانما في السعي لتوجيه سلوكه لما يخدم المصالح المشروعة) . ولو تمكن خاتمي من النجاح في مخاطبة الشعب الامريكي فإنه سيحقق نجاحا خاصاً على الصعيد الدولي لما ستعنيه حلحلته للموقف الامريكي من اهلية لحل المعضلات التي تواجهها ايران. ويبقى كل شيء رهين بتلك الساعة التي ستلفت اليها انظار مهندسي السياسة الامريكية وامكانيته على ايصال نداءه في تحقيق السلام والامن على سطح الكرة الارضية. طهران ـ محمد السيد

تعليقات

تعليقات