عواصف هوجاء تتجمع في أفق العام الجديد

يبدو أن هذا هو موسم ازدواجية الرؤية والحاجة إلى الأعصاب القوية, عينٌ على المرآة الخلفية والعام الذي مضى, بينما العين الثانية تحدّق بالكرة السحرية علّها تقدر على استكشاف ما سيحدث في عام ,1998 كما أنه لابد لنا من ربط الأحزمة استعدادا للتغيرات المفاجئة والمثيرة التي ستطرأ على الشؤون الدولية مع بداية العام الجديد. التحديات الرئيسية الأربعة التي تواجهها الولايات المتحدة في سياستها الخارجية ليست صعبة التحديد وخصوصاً أن جميعها ينشأ من قضايا لم تتم معالجتها بشكل نهائي في الماضي وهي العراق وايران وانهيار المعجزة الأمريكية وعودة الصين كقوة رئيسية على الساحة الدولية بعد قرن من العزلة والمذلة. ومن الامور التي تحتاج الى مزيد من الاهتمام وعلى وجه السرعة من الرئيس كلينتون ومستشاريه ثلاث قضايا أخرى انتقلت من العام الماضي أيضاً وتحمل في ثناياها نذر التشاؤم وهي انهيار جهود السلام الفلسطينية الاسرائيلية, والاضطراب الذي يعمُّ الكوريتين وعدم الاستقرار السياسي الذي يخيّم على اندونيسيا. أما توقعاتي لعام 1998 على المدى البعيد فهي اكثر تفاؤلاً. فزيارة البابا يوحنا بولس الثاني الى كوبا في منتصف شهر يناير ستحرك العديد من التيارات السياسية التي ستؤدي في نهاية المطاف الى عزل فيدل كاسترو عن السلطة. كما أن القيادة اليابانية والتي تقف وجهاً لوجه أمام كارثة اقتصادية اشبه ما تكون بفترة الركود التي شهدتها الولايات المتحدة في الثلاثينيات من هذا القرن ستضع جانباً نظرتها الضيقة وحذرها المفرط في الشؤون المالية الذي أدى إلى تعميق أزمة الثقافة لدى الشعب الياباني, ومن الممكن أن نتوقع ظهور آلية يابانية جديدة لصنع القرار السياسي والاقتصادي والتي يمكن أن تساعد على حل المشاكل المالية الآسيوية. وطالما نحن في عالم الأمنيات فلتكن أمنياتنا كبيرة وخصوصاً أن الأمور المؤكدة تحمل في طياتها الكثير من بذور الأزمات والكوارث. فشهر يناير يمكن أن يكون الشهر الأصعب بالنسبة للرئيس الأمريكي بيل كلينتون, فهو سيركز خطابه السنوي عن حالة الاتحاد على الانجازات وخصوصاً توسيع الناتو الذي كان هو العقل المدبر والموجه له, إن هذا الانجاز سيعطي البيت الأبيض الفرصة لتحقيق مكسباً سهلاً وخصوصاً أنه لاتوجد معارضة في الكونجرس لتعديل معاهدة حلف شمال الأطلسي بفتح الباب أمام انضمام جمهورية التشيك وهنجاريا وبولندا. أما فيما يتعلق بصدام حسين فالأمر يختلف إلى حدٍّ كبير, فبعد انقضاء فترة الأعياد وما رافقها من احتفالات سيبدو واضحا ان الرئيس العراقي نجح ولفترة لاتقل عن ثلاثة أشهر من وضع العراقيل أمام مفتشي الأمم المتحدة للبحث عن الأسلحة الكيميائية والبيولوجية من ناحية وان القلق الدولي قد تزايد حول قسوة الحظر الاقتصادي على المدنيين العراقيين من ناحية أخرى. الوقت الآن لايعمل لصالح بيل كلينتون ولكن لصالح صدام حسين, فإذا ما قبل كلينتون باستمرار الوضع القائم على ماهو عليه وعودة مفتشي الأمم المتحدة الى العراق دون القيام بمهامهم الموكلة اليهم بالاضافة الى ضعف الدعم للعقوبات القائمة وازدياد المعارضة العالمية لأي عمل عسكري ضد العراق .. فإن كلينتون نفسه هو الذي سيكون محاصراً وليس صدام حسين. وسيعود الكونجرس لاستئناف نشاطه في شهر يناير ليمارس الضغوط على كلينتون لتمرير موضوع آخر كان قد فضل تأجيله مع نهاية عام 1997 وهو موضوع ايران, سيقوم جيسي هيلمز وغيره من الجمهوريين المحافظين بتقديم طلب لادارة كلينتون بفرض عقوبات اقتصادية على فرنسا وروسيا وماليزيا لقيامها باستثمار أموال في ايران حتى في الوقت نفسه الذي سيبحث فيه كلينتون عن مساعدة دولية لمواجهة العراق ولمعالجة انهيار العملات الآسيوية بالاضافة الى قضايا أخرى تهم الولايات المتحدة الأمريكية. إن فرض عقوبات اقتصادية على فرنسا وروسيا سيؤدي إلى القضاء على التنسيق القائم بين دول العالم وسيفجر صراعا قذرا بين واشنطن والاتحاد الاوروبي في مجال التجارة الدولية في الوقت نفسه الذي يحبس فيه العالم أنفاسه حول إمكانية انقاذ كوريا الجنوبية من أزمتها المالية وكذلك في الوقت نفسه الذي بدأ فيه الصراع على السلطة يطفو على السطح في اندونيسيا في حالة وفاة الرئيس سوهارتو. الا انه ليس من الحتمي أن يسير العام الجديد في هذا الاتجاه والذي يمكن أن يؤدي الى انتشارالفزع في الأسواق العالمية والى ارتفاع اسعار النفط, فللمرة الأولى منذ ثورة ,1979 هناك مؤشرات تدل على صراعٍ كبير في صفوف القيادة الايرانية وكذلك الى امكانية تخفيف حدّة التوتر بين واشنطن وطهران, فبداية عام 1998 هي اللحظة المناسبة لمزيد من الحوار مع ايران بدلاً من تصعيد المجابهة بينهما. ان الاضطراب الذي خيم على الاسواق المالية الآسيوية خلال الاشهر الستة الماضية وتدهور أسعار العملات فيها حوّل الانتباه من الصين التي استحوذت على اهتمام العالم عام ,1997 الى اليابان التي ستؤثر وبشكل ملحوظ على الاستقرار العالمي بناء على الخيارات المالية والسياسية التي ستتبناها أو لا تتبناها خلال العام الجديد. وسيرتفع عجز الولايات المتحدة التجاري مع آسيا خلال العام الجديد ومن المحتمل ان يصل عالميا الى 250 مليار دولار مع نهاية ,1998 وعلى اليابان أن تتحرك لتتفادى الضغوطات الوقائية التي قد يفرضها هذا العجز على واشنطن. فالاستمرار بالركود البيروقراطي والسياسي الذي كان مسيطرا منذ انتهاء الحرب الباردة لم يعد أحد الخيارات المطروحة أمام اليابان والتي أصبح نظامها المصرفي معرضاً لكارثة حقيقية بسبب المشاكل المالية التي عصفت بكوريا الجنوبية. وتلوح العواصف الهوجاء في أفق العام الجديد, الا انه مع قليل من الحظ والمهارة فإنه يمكن تجنبها أو حتى التغلب عليها, وبشكل عام فان هذه هي سنة الهرولة وحمل المظلات الكبيرة استعداداً لهطول الأمطار المفاجئة. بقلم: جيم هوجلاند

تعليقات

تعليقات