تطورات ملفتة على صعيد التطبع بين مصر والسودان

في أول ترجمة واقعية لاعلان القيادة السياسية في كل من مصر والسودان عن رغبتهما المشتركة في تحسين العلاقات السياسية والاقتصادية بينهما تقرر ان تعقد سلسلة من الاجتماعات الهامة بين كبار المسؤولين الاقتصاديين في كلا البلدين وذلك ابتداء من يوم 15 يناير الحالي بالقاهرة . ومن المنتظر ان تسفر الاجتماعات المرتقبة على الاتفاق على احياء صيغة المجلس الاعلى للتكامل وهو الجهاز الذي تم تشكيله في ظل ميثاق التكامل الاقتصادي الذي وقع بين البلدين عام 1982 والذي كان يقضي باقامة وحدة اقتصادية كاملة يتم تنفيذها تدريجيا مع الغاء كافة القيود الجمركية والسماح بحرية انتقال الاشخاص ورؤوس الاموال والارباح وحرية الاقامة والتملك. وسوف يبحث الجانبان السبل الكفيلة بزيادة ودفع حركة التجارة المتبادلة بين البلدين خاصة في ظل تدني حجم التجارة بين البلدين والذي لم تتعد 41 مليون دولار العام الماضي. وقد اتفق الجانبان على اهمية اعادة النظر في كافة الترتيبات التجارية التي تنظم حركة التجارة بين البلديين خاصة ترتيبات الدفع التي تقضي بتسوية المدفوعات بالعملات الحسابية. وسوف يطالب الجانب المصري بالغاء اتفاق التجارة والدفع الموقع بين البلدين منذ عام 1965 والذي يقضي باعفاء السلع المتبادلة بين البلدين من الرسوم الجمركية ومنح كل دولة للاخرى من الدولة الاولى بالرعاية. وتأتي الرغبة المصرية في الغاء هذا الاتفاق استجابة لطلب من الجانب السوداني وتمشيا مع التزامات مصر الدولية خاصة بعد انضمامها الى منظمة التجارة العالمية والتي تعارض اي اتفاقات ثنائية تنص على تبادل الدولتين لحق الدولة الاولى بالرعاية كما تعارض ايضا سداد المدفوعات بالعملات الحسابية. ويعد اتفاق التجارة والدفع مع السودان هو الاتفاق الوحيد الباقي في مجالات هذا النوع من الاتفاقيات بين مصر ودول العالم حيث يقضي بتسوية المدفوعات بالدولار الحسابي. وبالرغم من وجود اتفاق التجارة والدفع والذي يتم في اطاره ابرام بروتوكولات سنوية تجدد كل عام الا ان حجم التجارة بين البلدين ظل يميل نحو الانخفاض من التسعينات وحتى الآن. حيث انخفض من 67 مليون دولار في عام 1992 حتى وصل 41 مليون دولار في عام 1996. ويميل الميزان التجاري لصالح مصر بقيم تختلف من عام لآخر. حيث حقن هذا الفائض اعلى قيمة له في عام 1994 فوصل الى 27 مليون دولار بينما لم يتعد مليون دولار عام 1996. وبالرغم من البروتوكول ظل يجدد سنويا من الجانبين حتى عام 1994 الا انه تم تجديده من جانب مصر فقط خلال عام 1995 وذلك رغبة من الجانب المصري في استغلال هذا البروتوكول في سداد جزء المديونية السودانية المستحقة لمصر حيث ان البروتوكول قد سمح للجهات والافراد المصريين بالاستيراد من السودان بالعملات الحرة الى جانب العملات الحسابية على ان يتم عقد صفقات متكافئة ويتم السماح بخصم نسبة 10% من قيمة الواردات السودانية ووضعها في حساب تحت بند المديونية السودانية, وقد تم بالفعل تنفيذ هذا القرار وامكن من خلاله سداد جزء من المديونية بلغت 2.6 مليون دولار حتى نهاية نوفمبر الماضي. ومن المتوقع ان تكون المديونية السودانية لمصر والتي وصلت حاليا الى 74 مليون دولار والتي تتراكم منذ عدة سنوات هي اصعب المشاكل على جدول اعمال الاجتماعات وذلك لتعذر سدادها من الجانب السوداني بسبب الصعوبات التي يتعرض لها الاقتصاد السوداني. وربما يقلل من اهمية هذه المشكلة حرص الجانب المصري على نجاح الاجتماعات المقبلة في دفع حركة التجارة خاصة وان المسؤولين المصريين يراهنون على زيادة الصادرات المصرية بحيث تصل نسبتها الى 30% من اجمالي الواردات السودانية من الخارج والتي تصل الى مليار دولار سنويا. ومن المتوقع ان تشهد الاجتماعيات جدلا كبيرا حول قضية اخرى وهي الخاصة بمطلب الجانب السوداني باقامة منطقة تجارة حرة بين البلدين, والجدل المرتقب يعود الى عدم ترحيب الجانب المصري باقامة منطقة حرة مع السودان الآن وذلك على الرغم من اتجاه القاهرة الحالي الى اقامة مناطق حرة مع عدد من البلدان العربية مثل تونس والمغرب والكويت. ولكن يعود تحفظ الجانب المصري الى اعتبارات اقتصادية اهمها المزايا التي ستحصل عليها مصر خلال العام الحالي بعد انضمامها الى السوق المشتركة لدول الشرق والجنوب الافريقي المعروفة باسم (كوميسا) وهو الاتفاق الذي يهدف الى تنمية التجارة بين دول هذه المنطقة من خلال ازالة كافة العوائق الجمركية وغير الجمركية حتى عام 2000 ويرى الجانب المصري ان تمتع مصر بهذه المزايا سوف يتيح للسلع المصرية مزايا نسبية في السودان (التي هي عضو في الاتفاقية) تكفي لزيادة حجم الصادرات المصرية دون الحاجة الى اقامة منطقة تجارة حرة, الى جانب ان هناك تخوفا مصريا من القلق الذي قد تثيره اقامة منطقة تجارة حرة مع السودان لدى بعض الدول في منطقة القرن الافريقي التي لها خلافات مع السودان والذي ربما قد ينعكس سلبا على العلاقات المصرية مع هذه البلدان. من ناحية اخرى يصل الى القاهرة قريبا وفد امني سوداني في زيارة لمصر تستهدف وضع اللمسات الاخيرة على اتفاقية للتعاون الامنى يعتزم الطرفان ابرامها في سبيل انهاء كافة المشكلات العالقة بينهما والخاصة بالملف الامني. وكان وفد امني مصري قد زار السودان مؤخرا من اجل الهدف نفسه وتوصل من خلال مباحثاته مع المسؤولين السودانيين الى (صيغة) عامة للتنسيق الامني بين الطرفين. واعتبرت مصادر مطلعة ان تسوية المشكلات الامنية ستكون بمثابة خطوة متقدمة نحو عقد لقاء قمة بين الرئيسين المصري حسني مبارك والسوداني عمر البشير. وكان من المنتظر عقد هذه القمة خلال شهر ديسمبر الماضي الا ان الجانبين فضلا حسم الخلافات الامنية قبلها حتى يتسنى خلالها اتخاذ قرارات قوية في سبيل تطبيع العلاقات المصرية السودانية. وتشير هذه المصادر ان تسلم السفيرين الجديدين (المصري عماد حامد والسوداني احمد عبدالحليم) لمهام منصبيهما سوف يفتح الباب امام المزيد من الاتصالات الايجابية, خاصة بعد ان تتم تسوية الملف الامني. وفي الوقت الذي تتركز فيه الاضواء على الجانب الامني في علاقات البلدين فإن المراقبين يؤكدون ان زيارة الوفد المصري للخرطوم تكتسب اهمية كبيرة في هذا الوقت بالذات, نظرا لمكانة رئيس الوفد وهو المسؤول الاول في جهاز الامن المصري وقربه من الرئيس مبارك من ناحية وللظروف التي تتم فيها الزيارة حيث تمت بعد تصريحات اولبرايت عن استعداد امريكا لاسقاط النظام السوداني ولو بالقوة المسلحة, وهو ما اعلنت مصر معارضتها الشديدة له, وتأتي ايضا في ظل ما يتردد حول وساطة مصرية محتملة بين السودان وفصائل المعارضة وهو الاتجاه الذي بدأت بأخذ رقما في الاونة الاخيرة وتأتي ـ ثالثا ـ بعد نجاح مصر في عقد اتفاق القاهرة بين الفصائل الصومالية, وهو الامر الذي انعش الآمال بامكانية تكرار التجربة مع السودان. القاهرة ـ البيان

تعليقات

تعليقات