ما مدى جدية ترامب في الانسحاب من «الناتو»؟

ترامب في لقاء مع مارك روته في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة
ترامب في لقاء مع مارك روته في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة

يرزح حلف شمال الأطلسي «الناتو» تحت وطأة ضغوطات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الذي جدد أخيراً إطلاق سهام نقده على دول الحلف، مؤكداً في تصريحات إعلامية له قبيل أيام أن عليهم «دفع فواتيرهم، وفعل ما يجب أن يفعلوه».

فيما أفاد إعلام أمريكي بأن إدارة ترامب تدرس التخلي عن دور القائد الأعلى لقوات (الناتو) في أوروبا، وذلك في إطار عملية إعادة هيكلة وزارة الدفاع «البنتاغون».

جاء ذلك في تقرير نشرته قناة «إن بي سي نيوز» استناداً لتصريحات القائد السابق للقيادة الأوروبية لحلف الناتو جيمس ستافريديس، والقائد السابق للقيادة العسكرية الأمريكية في أوروبا بن هودجز.

وذكر كل من ستافريديس وهودجز أن إدارة ترامب درست إمكانية الانسحاب من دور القائد الأعلى لقوات الناتو في أوروبا، في إطار خطط إعادة هيكلة القيادة العسكرية ودوائر البنتاغون، وأنها ناقشت خطط إعادة الهيكلة.

تغير جوهري

ضغوطات ترامب - الذي رفع سقف مطالبه بشكل غير مسبوق، مطالباً بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5 % لدول الحلف - تعكس تغيراً جوهرياً في العلاقة بين ضفتي الأطلسي. وبينما تسعى العواصم الأوروبية إلى تعزيز استقلالها الاستراتيجي، يظل الحلف أسيراً لميزان القوة الأمريكي.

مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول مصير التحالف في ظل تجاذبات سياسية لا تهدأ. من برلين، يشير خبير الشؤون الدولية، محمد الخفاجي لـ «البيان» إلى أن «دعوات ترامب للدول الأعضاء بالناتو لزيادة الإنفاق العسكري إلى 5 % بدلاً من 2 % تثير انقساماً أوروبياً، لا سيما وأن ذلك الأمر علاوة على التوجه لزيادة مخصصات الدفاع يؤثر سلباً على الاقتصاد الأوروبي المتراجع بالأساس.

والذي يعاني من تبعات جائحة كورونا ثم الحرب في أوكرانيا منذ فبراير 2022 وأزمة الطاقة والقطاع الصناعي وتراجع الإنتاج». بحسب بيانات الناتو، فإن هدف الـ 2 % السابق للإنفاق الدفاعي لا يلبيه سوق 23 دولة فقط من الدول الأعضاء. بينما أعلن أخيراً عدد من الدول الأوروبية عن خطط لزيادة الإنفاق، وهو ما يتماشى مع رغبة ترامب.

لكن على خلفية الحرب في أوكرانيا وموقف الرئيس الأمريكي من مسألة تمويل كييف ومدها بالسلاح والمال فإن «أوروبا تسعى إلى إعادة التسلح، وتقليل الاعتماد على الضمانات الأمنية الأمريكية، وسط مخاوف من تغييرات في التزام واشنطن بالناتو»، وفق الخفاجي الذي يشير إلى أن «أوروبا تستعد لسيناريو انسحاب أمريكي جزئي من الناتو، وما تقوم به من خطوات يوضح هذه المخاوف».

ويلفت خبير العلاقات الدولية إلى تصريحات ومواقف قادة أوروبيين عدة، من بينهم الزعيم الألماني المحافظ الفائز في الانتخابات الألمانية، فريدريش ميرتس، بشأن «ضرورة الاستقلال الدفاعي عن الولايات المتحدة» مهما كلف ذلك أوروبا من ضغوطات اقتصادية.

مشدداً على أن ذلك الاتجاه «أصبح ضرورة بالنسبة لأوروبا التي تشعر أنها ستعاني من هيمنة روسية قوية، وهو سيناريو مرعب بالنسبة للأوروبيين».

في سياق متصل، يقول مدير مركز كوروم للدراسات، طارق الرفاعي لـ «البيان» من لندن: إن الدول الأوروبية تواجه تحديات في زيادة الإنفاق على الدفاع؛ نظراً لارتباطها بحلف الناتو، الذي يفرض أن تكون نسبة معينة من أسلحة الدفاع مشتراة من الولايات المتحدة وفقاً للاتفاقيات المعتمدة.

ووفق الرفاعي، فإن «هذا الوضع يصب في مصلحة الولايات المتحدة، وهو ما سعى إليه ترامب منذ البداية، حيث هدد بالانسحاب من الناتو وكان يطالب بأن تزيد دول الناتو إنفاقها الدفاعي وأن تتحمل جزءاً أكبر من التكاليف بدلاً من الاعتماد على الولايات المتحدة. بالتالي، يمكن اعتبار ذلك نجاحاً لواشنطن وترامب على حد سواء».