تعتبر العلاقات الروسية الأمريكية واحدة من أبرز العلاقات الدولية التي تشهد تذبذباً دائماً بين فترات التوتر والانفراج، ذلك أنه عبر العقود الماضية، لعبت هذه العلاقة دوراً محورياً في تحديد توازن القوى على الساحة العالمية، حيث تواجهت موسكو وواشنطن في ملفات معقدة تشمل الأمن الدولي والطاقة والسياسات الخارجية تجاه مناطق النزاع.
ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأمريكية، تتزايد التكهنات حول مستقبل هذه العلاقات وما إذا كانت ستشهد أي تغيرات جوهرية.تاريخياً، شهدت العلاقات بين البلدين مراحل مختلفة من التعاون والتوتر، كان أبرزها خلال الحرب الباردة وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي.
في الفترات الأخيرة، تعمقت الخلافات نتيجة للأزمة الأوكرانية، وفرضت واشنطن عقوبات صارمة على موسكو، مما أدى إلى تدهور إضافي في العلاقات.
مع اقتراب الانتخابات الأمريكية، تتجه الأنظار إلى ما إذا كان الرئيس القادم، سواء أكان من الحزب الديمقراطي أو الجمهوري، سيغير من موقفه تجاه موسكو.
بينما يُعتقد أن الحزب الديمقراطي قد يتخذ موقفاً أكثر تشدداً تجاه روسيا، فإن هناك من يرى أن إعادة انتخاب ترامب قد تؤدي إلى تهدئة التوترات ولو بشكل محدود. ولكن في ظل التوافق الواضح بين مؤسسات الحكم الأمريكية على معاداة السياسات الروسية، يظل السؤال مفتوحاً حول مدى التغيير الممكن في هذه العلاقة المتوترة بعد الانتخابات.
ملفات معقدة
من جانبه، أوضح الأستاذ المساعد في معهد العلاقات الدولية والتاريخ العالمي بجامعة لوباتشيفسكي الحكومية الروسية، عمرو الديب، في تصريحات خاصة لـ «البيان»، أن توقع حدوث أي تغيرات إيجابية فيما يخص العلاقات الروسية الأمريكية بعد انتهاء الانتخابات الأمريكية يعد أمراً مستبعداً، نظراً لتعقد الملفات العالقة بين البلدين.
مشدداً على أن هذه الملفات تشمل مناطق عدة حول العالم، كما أنه «خلال فترة حكم ترامب الأولى، شاهدنا محاولاته لإعادة تطبيع العلاقات بين البلدين، لكنها لم تنجح نتيجة تدخل الدولة العميقة في الولايات المتحدة».
وأضاف الديب: «حتى في حال وصول ترامب إلى البيت الأبيض مجدداً، فإنه لن يتمتع بنفس القوة التي كان عليها في فترة ولايته الأولى. سيتعين عليه أولاً ترتيب أو إقناع مؤسسات الحكم الأمريكية للوصول إلى تفاهمات مشتركة مع روسيا حول القضايا المهمة والخطيرة». وأشار إلى أن تجميد بعض الملفات، مثل القضية الأوكرانية، قد يكون السيناريو الأقرب.
واختتم الديب تصريحه بالقول: «إذا استمر الحزب الديمقراطي في الحكم، فقد نشهد سيناريوهات أكثر قتامة ليس فقط على مستوى العلاقات بين روسيا وأمريكا، ولكن على الصعيد العالمي ككل، بما في ذلك احتمال نشوب حرب عالمية مباشرة بين البلدين».
تغيرات محتملة
على الجانب الآخر، أكد الباحث ومدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الروسية، ديمتري بريجع، أن العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية قد تتغير بناءً على نتائج الانتخابات الأمريكية المقبلة، سواء بفوز كامالا هاريس أو دونالد ترامب. وأضاف أن لترامب تجارب سابقة مع روسيا في السعي لإيجاد حلول للأزمة الأوكرانية وتجنب التصعيد الخطير.
حيث يفهم الحاجة إلى التعاون مع روسيا. وأوضح أن «هذا التفاهم مهم لتجنب تصعيد مباشر أو العودة إلى سباق التسلح، كما شهدنا في حقبة الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة».
وأشار الباحث إلى أن «هاريس يُعتقد أنها ستكون أكثر تشدداً تجاه روسيا مقارنة بترامب، ما يجعل الانتخابات الرئاسية الأمريكية عاملاً حاسماً في تحديد مصير الأزمة الأوكرانية والصراع في الشرق الأوسط، خصوصاً في الشأن الإسرائيلي الفلسطيني». وأوضح أن الحزبين الديمقراطي والجمهوري يمتلكان استراتيجيات ورؤى مختلفة تجاه السياسة الخارجية الأمريكية.
وضع متغير
من جانبه، أوضح الأستاذ بكلية موسكو العليا، رامي القليوبي، في تصريحات خاصة لـ «البيان» أن الدعم الروسي لترامب في انتخابات 2016 كان ملحوظاً من خلال الإعلام ونشاط مواقع التواصل الاجتماعي، موضحاً أن موسكو احتفلت بفوز ترامب آنذاك، ولكن رغم ذلك، فرضت إدارته (إدارة ترامب) عقوبات جديدة على موسكو واستمر في دعم أوكرانيا ومهاجمة مشاريع الطاقة الروسية في أوروبا.
وأشار القليوبي إلى أن روسيا تنظر حالياً ببرود إلى الانتخابات الأمريكية، حيث يعتبر بوتين فوز هاريس أفضل من ترامب، بينما وصف بايدن بأنه سياسي محترف. وأكد القليوبي أن العلاقات الروسية الأمريكية لن تشهد تحسناً بعد الانتخابات بسبب الموقف الموحد في واشنطن تجاه روسيا.
