على أعتاب نوفمبر.. هل تعيد «النصفية» رسم المشهد الأمريكي؟

تدخل الساحة السياسية الأمريكية مرحلة مفصلية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي المقررة في نوفمبر المقبل، قد تحدد ملامح النصف الثاني من ولاية الرئيس دونالد ترامب.

المعركة الانتخابية المرتقبة لا تقتصر على التنافس على مقاعد مجلسي النواب والشيوخ، بل تمثل اختباراً مباشراً لقدرة الإدارة الأمريكية على الحفاظ على نفوذها التشريعي وتمرير أولوياتها الاقتصادية والأمنية خلال السنوات المقبلة.

وتأتي الانتخابات في وقت تواجه فيه إدارة ترامب تحديات داخلية وخارجية متشابكة، تبدأ من الملفات الاقتصادية وقضايا الهجرة والحدود، ولا تنتهي عند الأزمات الدولية المتصاعدة في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية.

ويرى مراقبون، أن نتائج الاقتراع ستحدد إلى حد كبير ما إذا كان البيت الأبيض سيواصل العمل بأريحية سياسية، أم سيدخل مرحلة من الضغوط الرقابية والتجاذبات الحزبية في حال تمكن الديمقراطيون من انتزاع الأغلبية في أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما.

ويجمع محللون على أن الملف الاقتصادي سيبقى العامل الأكثر تأثيراً في توجهات الناخب الأمريكي خلال الأشهر المقبلة، مؤكدين أن إدارة ترامب تراهن على إبراز مؤشرات النمو واستقرار سوق العمل والسياسات الداعمة للصناعة المحلية باعتبارها عناصر قادرة على تعزيز ثقة الناخبين بالأداء الحكومي.

وفي المقابل، يواصل الديمقراطيون التركيز على قضايا تكلفة المعيشة والعدالة الاجتماعية والإنفاق الحكومي، في محاولة لاستقطاب أصوات الفئات المتضررة من التحديات الاقتصادية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.

وإلى جانب الاقتصاد، تحتفظ ملفات السياسة الخارجية بموقع متقدم على أجندة الإدارة الأمريكية، وينظر إلى تعامل واشنطن مع الأزمات الدولية، سواء في الشرق الأوسط أو في الحرب الروسية الأوكرانية، باعتباره اختباراً لفاعلية القيادة الأمريكية وقدرتها على إدارة التوازنات الدولية دون الانخراط في مواجهات عسكرية واسعة.

كما يظل ملف الهجرة وضبط الحدود من أكثر القضايا حضوراً في الخطاب السياسي الجمهوري، حيث تسعى إدارة ترامب إلى تقديمه باعتباره دليلاً على التزامها بتطبيق القانون وتعزيز الأمن الداخلي، وهو ملف يحظى بأهمية خاصة لدى القاعدة الانتخابية المحافظة.

ويشير الباحث السياسي، أحمد المصري، إلى أن انتخابات نوفمبر تمثل اختباراً استراتيجياً للرئيس ترامب يتجاوز مسألة الاحتفاظ بالأغلبية الجمهورية في الكونغرس، ليطال مستقبل برنامجه السياسي خلال ما تبقى من ولايته.

ويقول المصري، إن الإدارة الأمريكية تدرك أن الناخب الأمريكي يقيم الأداء الحكومي من خلال مؤشرات الاقتصاد وقدرة الأسواق على الحفاظ على استقرارها، ما يفسر تركيز البيت الأبيض على ملفات الصناعة الوطنية والنمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل.

ويضيف أن الإدارة تحاول توظيف ملفات السياسة الخارجية لإبراز صورة الولايات المتحدة كقوة دولية قادرة على إدارة الأزمات وحماية مصالحها الاستراتيجية، من دون الانزلاق إلى حروب طويلة أو مكلفة قد تؤثر في المزاج الانتخابي الأمريكي.

ويشير المصري، إلى أن ملف الهجرة والحدود يظل أحد أبرز أوراق الجمهوريين خلال الحملة الانتخابية، نظراً لقدرته على تحفيز القاعدة المحافظة ورفع نسب المشاركة في الولايات المتأرجحة.

ويخلص المصري إلى أن نتائج انتخابات التجديد النصفي لن تحدد فقط شكل التوازنات السياسية داخل الكونغرس، بل ستشكل أيضاً مؤشراً على قدرة ترامب على تنفيذ أجندته خلال النصف الثاني من ولايته، سواء من موقع القوة السياسية أو في ظل كونغرس أكثر تشدداً ورقابة على سياسات الإدارة.

تحدٍ استراتيجي

بدوره، يرى د. محمد عطيف، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة شعيب الدكالي بمدينة الجديدة المغربية، أن انتخابات التجديد النصفي تمثل تحدياً سياسياً واستراتيجياً مهماً لترامب، بالنظر إلى الطبيعة الخاصة لهذا الاستحقاق الذي غالباً ما يشكل اختباراً شعبياً لأداء الإدارة الحاكمة.

ويقول عطيف إن التجربة السياسية الأمريكية تظهر أن الحزب الذي ينتمي إليه الرئيس يتعرض في كثير من الأحيان لخسائر خلال الانتخابات النصفية، باعتبارها مناسبة لتقييم سياسات البيت الأبيض ومدى رضا الناخبين عن أدائه.

ويشير إلى أن المعطيات المتوافرة حتى منتصف العام 2026 تعكس تراجعاً في مستويات التأييد الشعبي للرئيس ترامب مقابل ارتفاع مؤشرات عدم الرضا، نتيجة عوامل متعددة، من أبرزها التحديات الاقتصادية المرتبطة بالتضخم وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب تداعيات بعض ملفات السياسة الخارجية، وفي مقدمتها التوترات المرتبطة بإيران.

ويوضح عطيف أن الحزب الجمهوري يحتفظ بأغلبية محدودة في مجلس النواب، ما يجعل أي تحول طفيف في عدد من الدوائر الانتخابية كفيلاً بإعادة الأغلبية إلى الديمقراطيين، فيما تبدو المنافسة على مجلس الشيوخ أكثر تعقيداً وتوازناً في ظل طبيعة المقاعد المطروحة للتنافس والخريطة الانتخابية الحالية.

تعبئة قاعدة

ويؤكد عطيف أن استراتيجية ترامب خلال الأشهر التي تسبق الانتخابات ترتكز على تعبئة القاعدة الجمهورية، وخاصة أنصار حركة ماغا «لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً»، إلى جانب التركيز على إبراز حصيلة الإدارة في الملفات الاقتصادية والتشريعية.

ويخلص إلى أن المؤشرات الحالية تمنح الديمقراطيين أفضلية نسبية في سباق مجلس النواب، فيما يبقى التنافس على مجلس الشيوخ أكثر توازناً، مؤكداً أن النتيجة النهائية ستظل رهينة بتطور الأوضاع الاقتصادية ومستوى المشاركة الانتخابية، وقدرة كل حزب على حشد قاعدته في الولايات المتأرجحة، وسط استمرار حالة الاستقطاب الحاد التي تطبع المشهد السياسي الأمريكي.