لم تشهد الولايات المتحدة الأمريكية على مدار 250 عاماً رئيساً في السلطة يحصن نفسه وعائلته من المساءلة الضريبية، بعد استغلاله لسياسات تصب في مصلحة أعماله التجارية ومحافظه الاستثمارية الشخصية، كما يفعل دونالد ترامب اليوم.
وبحسب ما أورده تقرير لموقع "أكسيوس"، فإننا لا نتحدث هنا عن فضيحة خفية، بل عن أفعال يمارسها ترامب علانية وبكل فخر. ففي العام الماضي، وصفت هذه الرئاسة بأنها "الأكثر خروجاً عن المألوف منذ قرنين ونصف". وبأفعاله هذه، أرسى ترامب سابقة كانت تبدو يوماً ما غير قابلة للتصديق لدرجة تثير السخرية؛ وهي إرساء مبدأ يقبل بأن يجني الرؤساء وأفراد عائلاتهم مليارات الدولارات من صفقات تتأثر بشكل مباشر بالقرارات الحكومية، ثم يستخدمون وزارة العدل لضمان حماية مدى الحياة تمنع التدقيق في إقراراتهم الضريبية السابقة.
وقد شكلت مغامرة ترامب في عالم العملات المشفرة وحدها مكسباً مفاجئاً لم يسبق له مثيل في تاريخ الأعمال الرئاسية، حيث أدرت على عائلة ترامب خلال 16 شهراً أموالاً نقدية تفوق ما أنتجته إمبراطورية ترامب العقارية بأكملها بين عامي 2010 و2017، وفقاً لصحيفة "وول ستريت جورنال". وقد صرح ترامب في مقابلة أجراها في يناير الماضي مع صحيفة "نيويورك تايمز" قائلاً إنه ترك أبناءه يمارسون الأعمال التجارية، مشيراً إلى أنه منعهم من ذلك في ولايته الأولى، ولم يلقَ أي تقدير على ذلك الإطلاق.
وفي ظل توالي الكلمات والأفعال غير المسبوقة أسبوعياً، يبدو من الصعب حصر مدى غرابة تصرفات ترامب. ولكن دعونا نتخيل، كما يشير تقرير "أكسيوس"، أن أمريكا طرحت هذه الأسئلة في استفتاء شعبي: هل يُمنح الرؤساء وعائلاتهم، بخلاف غيرهم من المواطنين، حصانة مدى الحياة من عمليات التدقيق الفيدرالية والتحقيقات الجنائية في إقراراتهم الضريبية السابقة؟ وهل يمكن لهم الاحتفاظ بملكية نشطة لإمبراطوريات تجارية عالمية، والتربح من قرارات حكومية تفيد تلك الشركات تحديداً؟ وهل يجوز للرؤساء، أثناء وجودهم في مناصبهم، الاحتفاظ بمحافظ شخصية ضخمة للعملات المشفرة والأسهم، تُباع وتُشترى بمئات الملايين من الدولارات في قطاعات تنظمها إدارتهم بشكل مباشر؟ لو طُرحت هذه الأسئلة، فمن الصعب تخيل أن تحظى أي من هذه القضايا بدعم يتجاوز نسبة مئوية من رقم واحد. ومع ذلك، يمارس ترامب الأمور الثلاثة مجتمعة، ممهداً الطريق لرؤساء المستقبل لفعل الشيء ذاته، وهذا ما يجعل السوابق الرئاسية غالباً بأهمية القوانين ذاتها.
وهذه المسألة تتجاوز كونها مشكلة تتعلق بترامب وحده. فالنظر إلى العدد المذهل من المشرعين الذين يتداولون الأسهم ويجنون الأرباح منها، وغالباً ما يكون ذلك بفضل معلومات داخلية حول قرارات مرتقبة للكونغرس، يكشف عمق الأزمة. وقد أظهرت استطلاعات الرأي حول موقف الأمريكيين من تداول المسؤولين للأسهم أثناء توليهم مناصبهم، أن هذه القضية تعد من القضايا النادرة التي تحظى بإجماع حقيقي من الحزبين في السياسة الأمريكية اليوم.
عودة إلى الماضي
وبالعودة إلى الماضي، وكما يرصد تقرير "أكسيوس"، نجد أنه بعد فضيحة "ووترغيت"، حرص الرؤساء المعاصرون من كلا الحزبين على بناء هياكل قانونية وأخلاقية معقدة تهدف إلى الفصل بين المنصب العام والإثراء الخاص. فجيمي كارتر وضع مزرعة الفول السوداني الخاصة به في عهدة ائتمان أعمى، وحذا حذوه رونالد ريغان، وعائلة بوش، وبيل كلينتون. أما باراك أوباما، فاكتفى بالاحتفاظ بأصول متنوعة مثل سندات الخزانة وصناديق المؤشرات. وحتى رجال الأعمال الأثرياء الذين دخلوا المعترك السياسي كانوا ينظرون عموماً إلى التداخل المباشر في المصالح على أنه أمر محظور. ومع مرور العقود، أدت التداولات في الأسهم بالكونغرس والأموال التي تدفقت بعد قضية "سيتيزنز يونايتد" إلى جعل الإثراء الذاتي حول السلطة السياسية أمراً مألوفاً، ليأتي ترامب ويدفع بهذا المسار نحو مناطق كان الرؤساء السابقون يعتبرونها خطوطاً حمراء لا يمكن المساس بها.
وبالتعمق في تفاصيل الحصانة الضريبية، نجد أن وزارة العدل أضافت بهدوء ملحقاً شاملاً لتسوية دعوى ترامب التي تبلغ قيمتها 10 مليارات دولار ضد مصلحة الضرائب بشأن التسريبات الضريبية السابقة؛ وهي قضية كان فيها ترامب فعلياً المدعي والمدعى عليه في آن واحد، حيث قاضى إدارته بصفته الشخصية. وبتوقيع من القائم بأعمال المدعي العام، تود بلانش، وهو المحامي الشخصي السابق لترامب، ينص التوجيه على أن الحكومة الفيدرالية ممنوعة ومحظورة إلى الأبد من ملاحقة أو فحص الإقرارات الضريبية التي قدمها ترامب وعائلته ومنظمة ترامب قبل اتفاق مايو 2026.
العمليات المحلية
من جهة أخرى، استمرت العمليات المحلية والدولية لمنظمة ترامب في الاصطدام مراراً بسياسات الإدارة الحالية. وتمتلك منظمة ترامب 25 مشروعاً عقارياً يحمل علامتها التجارية قيد التطوير في 12 دولة أجنبية، وهو ما يعادل أكثر من ثلاثة أضعاف عدد عقارات ترامب التي كانت تعمل في الخارج قبل عودته إلى منصبه. وتشمل هذه المشاريع "ترامب بلازا" بقيمة مليار دولار في مدينة جدة السعودية، و"ترامب إنترناشيونال" بقيمة 500 مليون دولار في عُمان. كما تحركت الحكومة الفيتنامية لتسريع وتيرة مشروع لترامب رغم الاعتراضات القانونية. ورغم أن قوانين الأخلاقيات الفيدرالية الحالية لا تلزم الرئيس الممارس لعمله صراحة بالتخلي عن الكيانات التجارية الشخصية، إلا أن منظمة ترامب تصر على أن إدارة شركة العائلة قد سُلمت إلى نجلي الرئيس، دونالد جونيور وإريك، مبررة إقبال القادة الأجانب والكيانات الخاصة على عقارات ترامب بجودة العلامة التجارية ومكانتها المرموقة.
وفي إشارة أخرى يسلط تقرير "أكسيوس" الضوء عليها، نجد أن التداخل يمتد إلى تجارة العملات المشفرة والأسهم. فقد وقع ترامب العام الماضي على "قانون العبقرية" (GENIUS Act)، وهو إطار تنظيمي للعملات المستقرة أضفى الشرعية على سوق العملات المشفرة ووسعه في نفس الوقت الذي كان يتربح فيه هو وعائلته بنشاط منه. ومن بين المعاملات الأجنبية الأكثر ربحية لشركة "وورلد ليبرتي فاينانشال"، استثمار سري بقيمة 500 مليون دولار بدعم من مستشار الأمن الوطني الإماراتي، تم توقيعه قبل أربعة أيام من تنصيب ترامب، وفقاً لصحيفة وول ستريت جورنال. وبعد شهرين، وافقت الإدارة على حصول الإمارات على حوالي 500 ألف من رقائق الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً سنوياً، وهي صفقة كانت إدارة بايدن قد عرقلتها لمخاوف أمنية وتقنية.
المتداول الأكبر
وتزامناً مع ذلك، أصبح ترامب أكثر متداولي الأسهم نشاطاً في التاريخ الرئاسي، حيث نفذ ما يقرب من 3700 صفقة عبر حسابات تُدار بشكل مستقل خلال الربع الأول من عام 2026. وشملت تداولاته أسهم شركة "إنفيديا"، التي وافقت إدارة ترامب على بيع رقائقها المتقدمة للصين. كما اشترت محفظته أسهماً في شركة "بالانتير" قبل أسابيع من إشادته بالشركة على منصة "تروث سوشيال"، بالإضافة إلى أسهم في شركات مقاولات تابعة للبنتاغون تساهم في دعم حرب إيران. وقد دافع نائب الرئيس جي دي فانس عن هذا الأمر خلال إحاطة إعلامية بالبيت الأبيض، قائلاً إن الرئيس لا يجلس في المكتب البيضاوي ليقوم ببيع وشراء الأسهم بنفسه، بل يمتلك مستشارين مستقلين للثروة يديرون أمواله. لتبقى المحصلة النهائية، كما تقدرها مجلة "فوربس"، أن صافي ثروة ترامب يبلغ اليوم 6.1 مليار دولار، بزيادة مطردة مقارنة بـ 5.1 مليار دولار العام الماضي، و4.3 مليار دولار في 2024، و2.4 مليار دولار في 2021.
