الانسحاب المحتمل للولايات المتحدة من حلف الناتو يمثل كابوساً للعواصم الأوروبية منذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وهو يكرر بين الحين والآخر بالانسحاب من الحلف. وبرز التهديد أخيراً في ظل أزمة مضيق هرمز، حيث زادت حدة التوتر بين الولايات المتحدة وحلفائها في الحلف، عقب رفض الدول الأوروبية الأعضاء إرسال سفن لفتح مضيق هرمز.
الحلف الذي تأسس عام 1949 بهدف مواجهة خطر أي هجوم من الاتحاد السوفييتي، وأصبح مهماً جداً لأمن الغرب منذ ذلك الحين يصفه ترامب بأنه «نمر من ورق». ويضيف: إنه يُفكّر بجدية في سحب الولايات المتحدة من الحلف، وذلك بعد ساعات فقط من رفض وزير دفاعه بيت هيغسيث إعادة تأكيد التزام الولايات المتحدة بالدفاع الجماعي للحلف، وهو مفهوم يُمثل جوهر «الناتو».
ترامب قال لصحيفة ديلي تيليغراف البريطانية «لم أقتنع يوماً بحلف الناتو. كنت أعرف دائماً أنه نمر من ورق، و(الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين يعرف ذلك أيضاً، بالمناسبة».
تشجيع لروسيا
ويحذر خبراء منذ فترة طويلة من أن التصريحات بأن الولايات المتحدة قد لا تفي بالتزاماتها تجاه الحلف قد تشجع روسيا على اختبار استعداد أعضاء الحلف لتطبيق المادة الخامسة من معاهدة الحلف، والتي تنص على أن أي هجوم مسلح ضد دولة عضو هو هجوم على جميع الدول.
وكانت فرنسا من أوائل الدول الأوروبية الأعضاء في الحلف التي ردت على ذلك، لكنها لم تتطرق بشكل مباشر إلى تهديد ترامب بالانسحاب من الحلف.
ودعا وزير الدفاع البولندي فلاديسلاف كوسينياك كاميش إلى الهدوء. وقال «أتمنى أن تأتي لحظة من الهدوء في ظل المشاعر المتعلقة بالرئيس الأمريكي حالياً».
وأضاف «لماذا؟ لأنه لا يوجد ناتو بدون الولايات المتحدة، ومن مصلحتنا أن يأتي هذا الهدوء، لكن لا وجود أيضاً للقوة الأمريكية بدون حلف الناتو».
ورداً على تصريحات ترامب، قال متحدث باسم الحكومة الألمانية إن برلين لا تزال ملتزمة تجاه الحلف. وأضاف في مؤتمر صحافي دوري «هذه ليست المرة الأولى التي يفعل فيها (ترامب) ذلك، وبما أن هذه ظاهرة متكررة، فربما يمكنكم الحكم على العواقب بأنفسكم».
وقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إنه يعمل لما فيه مصلحة بلاده بغض النظر عن «الضجيج». وأضاف أن عدم الاستقرار الناجم عن الحرب على إيران يعني أن بريطانيا يجب أن تحول تركيزها على توطيد العلاقات الاقتصادية والدفاعية مع أوروبا.
ورداً على سؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة بالدفاع المشترك ضمن الحلف، قال هيغسيث الثلاثاء «القرار فيما يتعلق بحلف الناتو سيترك للرئيس، لكنني سأقول فقط إن أموراً كثيرة انكشفت».
هل يستطيع ترامب؟
الانسحاب من الناحية القانونية ليس سهلاً كما يصوره ترامب، ففي عام 2024، مرر الكونغرس قانوناً (NDAA) يمنع أي رئيس من الانسحاب من «الناتو» من جانب واحد دون موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ أو قرار من الكونغرس.
لكن ترامب لديه أدوات بديلة، حيث يمكنه سحب القوات فعلياً، تقليل التمويل، أو ببساطة إعلان أن أمريكا لن تلتزم بـ«المادة الخامسة» (الدفاع المشترك)، ما يجعل الحلف «ميتاً إكلينيكياً» حتى لو بقي عضواً فيه ورقياً.
تعتمد أوروبا بشكل شبه كلي على «المظلة النووية» الأمريكية. فرغم امتلاك فرنسا وبريطانيا أسلحة نووية، إلا أنها لا تقارن بالترسانة الأمريكية ولا تغطي القارة بأكملها استراتيجياً.
كما تفتقر الجيوش الأوروبية (حتى القوية منها مثل ألمانيا وفرنسا) إلى قدرات النقل الجوي الضخمة، الأقمار الصناعية العسكرية المتقدمة، وأنظمة الدفاع الجوي المتكاملة التي توفرها واشنطن.
ورغم أن دولاً مثل بولندا وألمانيا رفعت ميزانياتها الدفاعية بشكل تاريخي (وصلت لـ 2.1% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025)، إلا أن تعويض «الفراغ الأمريكي» يتطلب تريليونات الدولارات وعقوداً من التصنيع.
ويبدو أنه إذا نفذ ترامب تهديده، فمن المرجح أن يتحوّل «الناتو» إلى حلف دفاعي أوروبي صِرف تحت قيادة فرنسية-ألمانية مشتركة، وبدعم قوي من بولندا ودول البلطيق.
لكن يبقى الخطر الأكبر من وجهة نظر الأوروبيين هو فقدان الردع، فبدون أمريكا، قد تزداد شهية روسيا لاختبار حدود الحلف في مناطق مثل لاتفيا أو إستونيا، لمعرفة ما إذا كانت باريس أو برلين مستعدتين فعلاً لخوض حرب شاملة من أجلها.
