ترامب والناتو.. هل حان وقت الفراق؟

باتت العلاقة بين واشنطن والناتو على المحك بعد تصعيد حاد في خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد  الحلف بسبب عدم مساعدته بإعادة فتح مضيق هرمز، واصفاً الحلف بأنه «نمر من ورق»، ومؤكداً أنه يدرس «بجدية» سحب الولايات المتحدة من التحالف الدفاعي، وذلك في أعقاب رفض الحلفاء الأوروبيين الانضمام إلى العمليات العسكرية التي تقودها واشنطن ضد إيران.

هذه التطورات نعكس اتساع الفجوة بين ترامب والناتو بسبب حرب ايران وقد تتجه الى  انفصال الطرفين حيث تواجه أوروبا واقعاً جديداً صارخاً حيث لم يعد من المؤكد أن الولايات المتحدة هي العمود الفقري لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، التحالف الذي ضمن أمن القارة لمدة تقرب من ثمانين عاماً، حيث باتت في ولاية ترامب تهدد بالفراق عن الناتو ما يفرض على أوروبا زيادة إنفاقها الدفاعي وتطوير قدراتها العسكرية لضمان أمنها بعيداً من المظلة الأمريكية.

وفي مقابلة مع صحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية، وصف ترامب الحلف الذي تأسس قبل 77 عاماً بأنه «نمر من ورق»، مشيراً إلى أن قرار إنهاء العضوية الأمريكية «تجاوز مرحلة إعادة النظر». وتعد هذه أقوى إشارة حتى الآن إلى أن البيت الأبيض لم يعد يعتبر أوروبا شريكاً دفاعياً موثوقاً به، وذلك في أعقاب رفض طلب ترامب بإرسال الحلفاء سفناً حربية لإعادة فتح مضيق هرمز.

تساؤلات

وتثير هذه المواجهة تساؤلات جوهرية حول قدرة الحلف على تقديم موقف موحد أمام تهديدات غير تقليدية، إذ لم تعد الأزمة مجرد صراع ثنائي، بل أصبحت انعكاساً لتداعيات أوسع تشمل أمن الطاقة العالمي، وسلاسل الإمداد، وأمن أوروبا هذا الواقع يفرض على الحلفاء الأوروبيين خيارات متعددة: إما الانخراط في دعم جهود الردع التي تقودها واشنطن لمواجهة التهديد الإيراني على أمن الطاقة العالمي، أو الدفع نحو مسارات دبلوماسية تحد من التصعيد، دون الإخلال بأمنهم ومصالحهم الاستراتيجية.

ويرى خبراء أن هذه الحرب تمثل لحظة اختبار حقيقية لصلابة التحالف، فقد تدفع نحو توحيد المواقف في مواجهة ما يُنظر إليه كتهديد مشترك للاستقرار الإقليمي والدولي، أو تكشف في المقابل عن تباينات داخلية بين من يفضل نهج الحسم والردع، ومن يميل إلى مقاربة أكثر تحفظاً. ونظراً إلى تضاؤل الاحترام الذي يكنه ترامب للحلف ولالتزامه الدفاع الجماعي، فلن يكون من المفاجئ أن تقرر إدارته الانسحاب من «الناتو».

القدرات العسكرية

ورصد القادة في أوروبا سلفاً مزيداً من المال، جزئياً من خلال إعفاء نفقات الدفاع من القيود الخاصة بالموازنة. والآن، سيتعين عليهم الاستثمار في نوع القدرات العسكرية الأساسية التي كثيراً ما تكفلت الولايات المتحدة بتقديمها.وكشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مخاوف متزايدة داخل الأوساط الأوروبية من أن يدفع التوتر المتصاعد مع واشنطن ترامب إلى اتخاذ خطوة غير مسبوقة بإعلان نهاية حلف شمال الأطلسي «الناتو»، وهو ما من شأنه أن يضع القارة الأوروبية أمام مفترق طرق بالغ الحساسية.

وأوضحت الصحيفة في تقريرها إنْ تحقق هذا السيناريو فسيجبر الدول الأوروبية على الشروع في بناء تحالف عسكري مستقل بعيداً عن المظلة الأمريكية، واصفة هذه الخطوة بأنها «مهمة شديدة الكلفة»، لا سيما بالنسبة لدول تعاني أصلاً من تباطؤ اقتصادي مزمن وضعف في معدلات النمو.

يوضح د. حمدي أعمر حداد، الباحث في العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أنه منذ اندلاع المواجهة العسكرية في 28 فبراير الماضي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، دخل النظام الدولي مرحلة توتر غير مسبوقة، أعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة بصيغة أكثر حدة حول مدى قدرة الحروب الكبرى على توحيد الحلفاء أو كشف حدود التحالفات عند تصادم المصالح.ويرى حداد أن العلاقة بين ترامب، كفاعل محوري في رسم توجهات القرار الأمريكي، وحلف شمال الأطلسي، أمام اختبار حقيقي، مشيراً إلى أن الحرب الحالية لا تضع إيران في قلب المواجهة فحسب، بل تعيد رسم معادلات الثقة والتنسيق داخل المعسكر الغربي.

عامل توحيد نظري

إن التهديد الإيراني قد يشكل عامل توحيد نظري بين ضفتي الأطلسي، نظراً للمخاطر المرتبطة بأمن الطاقة واستقرار الممرات البحرية واحتمالات توسع النزاع إقليمياً، لكنه يشير إلى أن التجارب السابقة، مثل غزو العراق 2003 والاتفاق النووي الإيراني 2015، أظهرت أن الأزمات الكبرى لا تضمن إجماعاً دائماً، إذ انقسم الحلف بين داعم ومعارض في مناسبتين مختلفتين. مقاربة حذرة ويضيف حداد أن بعض الدول الأوروبية تنظر إلى الحرب بقلق بالغ، ليس فقط لتداعياتها الأمنية، بل لما قد تجرّه من أزمات اقتصادية وطاقية، ما يدفعها إلى مقاربة حذرة تهدف إلى احتواء التصعيد وتفادي الانزلاق نحو مواجهة إقليمية شاملة.

ويرى أن المقاربة الأمريكية المرتبطة بترامب تميل إلى الحسم وإعادة تعريف التحالفات وفق مصلحة مباشرة، وهو ما يطرح تساؤلات حول مستقبل الالتزام الأمريكي تجاه الناتو، مضيفاً أن احتمال أن تؤدي الحرب إلى اتساع الخلافات، وأن التاريخ يعلّم أن التحالفات تُختبر في زمن الحرب لكنها لا تنجو دائماً موحدة.
ويخلص حداد إلى أن بين منطق «التحالف» ومنطق «الصفقة» تتحدد اليوم ملامح النظام الدولي القادم، متسائلاً: هل ستعيد الحرب ترميم الجبهة الأطلسية أم تعجل بإعادة تشكيلها على أسس جديدة؟

من جهته يشير د. أشرف سنجر، أستاذ السياسات الدولية، إلى أن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران تأخذ شكلاً غير معتاد، إذ اعتمد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سياسة أحادية في إدارة النزاع، ما أدى إلى استجابة بطيئة من أوروبا وحلف الأطلسي، خصوصاً في التعامل مع قضية مضيق هرمز، الذي يحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية.

خلاف مؤقت

ويرى أن هذه الفجوة الأوروبية ـ الأمريكية يمكن أن تكون مؤقتة وأن العلاقات ستعود بعد وقف إطلاق النار إلى مستويات أفضل، مشدداً على أن قوة الناتو، المتمثلة في أوروبا وأمريكا معاً، هي الضامن الوحيد للحفاظ على الهيمنة في النظام الدولي، خاصة في ظل الصعود الصيني، إذ لا يمكن لأي طرف منفرد مواجهة التحديات وحده.ويضيف سنجر أن حدة ترامب في تصريحاته ضد أوروبا كانت تهدف جزئياً لدفع الدول الأعضاء إلى زيادة نفقاتها الدفاعية، بعدما كانت بعض الدول تعتمد على الإنفاق الأمريكي بشكل كبير.

ويؤكد أن الحرب الأمريكية ـ الإيرانية ستنتهي عاجلاً أم آجلاً، لكن التحالف الأطلسي سيظل قائماً، وأن دوره سيكون أساسياً في إدارة السياسات الدفاعية والأمنية والدولية، مع الحفاظ على التنسيق الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وأوروبا، لضمان استقرار النظام الدولي في المستقبل.