«دافوس» بحضور ترامب .. من تجمع اقتصادي إلى «قمة دبلوماسية طارئة»

حول الرئيس الأمريكي قمة «دافوس» من تجمع اقتصادي مطالبه، إلى «قمة دبلوماسية طارئة»، للفصل في الأزمات من إعلان مجلس السلام في غزة، إلى اتفاق مبدئي حول غرينلاند، إلى بحث خطة السلام في أوكرانيا والخلافات حول سد النهضة.

لم تكن كلمة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، المطولة  التي ألقاها أمام كبار رجال الأعمال والمسؤولين الحكوميين في منتدى دافوس 2026 بجبال الألب السويسرية، متشددة بل تطرقت بدلاً من ذلك إلى النقاط القابلة للمساومة.

 الغالبية العظمى من المراقبين كانوا يتوقعون أن يثير ترامب الانقسام داخل المنتدى، نظراً لرؤاه التي لا تخلو من الجدل، لكنه إبدا «براغماتياً» هذه المرة. ما عدا الإهانات الموجهة إلى نظرائه الأوروبيين،   وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

اشتكى ترامب بلا هوادة من استغلال أوروبا للولايات المتحدة، وتساءل باستغراب عن سبب مواجهة محاولته للسيطرة على غرينلاند بالمقاومة، وانتقد بشدة القادة الأوروبيين لجعلهم قارتهم غير قابلة للتعرف عليها من خلال ما وصفه بالهجرة غير المنضبطة والسياسات الاقتصادية المتطرفة.

ومع ذلك، بالنسبة للمسؤولين الأوروبيين الذين كانوا يترقبون بفارغ الصبر خارطة طريق لكيفية تطور هذا الخلاف، برز بصيص من التفاؤل عندما قال ترامب إنه لن يستخدم القوة للاستيلاء على غرينلاند، بل اتفق مع الناتو على خطة مناسبة على حد قوله للجميع.

وبين خطاب القوة والصفقات، وشعار المنتدى هذا العام «روح الحوار»، يبرز السؤال حول ما إذا كان حضور ترامب يعكس استعداداً لإعادة صياغة التوازنات الدولية، أم مجرد إدارة للأزمات من موقع القوة في عالم يتجه بثبات نحو مزيد من التعددية.

طبيعة المرحلة

يرى اللواء محمد عبدالواحد، خبير الأمن القومي والاستراتيجي، أن مشاركة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مؤتمر دافوس هذا العام تمثل مؤشراً بالغ الدلالة على طبيعة المرحلة التي يمر بها النظام الدولي، كما تعكس توجهاً أمريكياً لإعادة فرض الحضور القيادي في لحظة عالمية شديدة الاضطراب.

فهذه المشاركة تأتي في ظل تصاعد حاد في الأزمات الجيوسياسية على مستوى العالم، وتنامي بؤر التوتر في أكثر من إقليم في وقت واحد.

ويشير إلى أن الساحة الدولية تشهد ضغوطاً أمريكية متزايدة في أمريكا اللاتينية، تشمل فنزويلا وكوبا والمكسيك وكولومبيا، بالتوازي مع تصعيد عسكري صيني ملحوظ حول تايوان، واحتمالات صدامات في شرق أوروبا وشبه الجزيرة الكورية، فضلاً عن حالة التوتر الممتدة في منطقة الشرق الأوسط، بما تحمله من تهديدات بضرب إيران، وإطلاق كوريا الشمالية لصواريخ باليستية تؤثر في أمن الإقليم

.

 الهيمنة الأمريكية

ويؤكد اللواء عبدالواحد أن هذه التطورات تترافق مع عودة واضحة لتكريس مبدأ الهيمنة الأمريكية، خاصة عبر تفعيل مبدأ مونرو والسعي لفرض سيطرة أقوى على النصف الغربي من الكرة الأرضية، إلى جانب محاولات بسط النفوذ على مناطق استراتيجية مثل غرينلاند.

يرى اللواء عبدالواحد أن تصريحات ترامب لا تعكس قيادة جماعية للنظام العالمي بقدر ما تمثل إعادة صياغة جديدة للنظام الدولي لصالح الولايات المتحدة. فالتعددية القطبية قد تكون مطروحة نظرياً، لكنها ستبقى ـ بحسب تقديره ـ ضمن حدود تضعها واشنطن، بما يسمح لروسيا أو الصين بهوامش حركة محدودة لا تمس المصالح الأمريكية، في إطار ما يمكن وصفه بسياسة الاحتواء المزدوج.

ويستدل الخبير على ذلك بسجل سياسات ترامب، من فرض الرسوم الجمركية والعقوبات الاقتصادية، إلى التدخلات العسكرية السريعة، والضربات ضد إيران، والتدخل في فنزويلا، ومحاولات السيطرة على غرينلاند، إضافة إلى الانسحاب من عشرات المنظمات الدولية، بما يعكس رفضاً للتعددية الدولية،

وتبني نهج الانفرادية القائم على الترهيب وفرض الأمر الواقع، أو ما يعرف بدبلوماسية القهر.

ويختتم اللواء محمد عبدالواحد بأن هذه المقاربة تمثل هيمنة أكثر منها قيادة تعاونية، مرجحاً أن تؤدي إلى إعادة إنتاج أجواء الحرب الباردة، في ظل سعي الولايات المتحدة للسيطرة على الموارد الاستراتيجية العالمية، من الطاقة والمعادن النادرة والمياه العذبة إلى الممرات الملاحية، وهو ما سيغذي التنافس مع الصين وروسيا، حتى وإن جرى إشراكهما كأطراف مساعدة في إدارة نظام دولي تقوده واشنطن وفق مصالحها الخاصة.

ضغوط أمريكية

يؤكد خبير العلاقات الدولية د. محمد ربيع الديهي، أن المؤتمر يظل من أبرز المنصات الدولية المعنية بمناقشة القضايا الاقتصادية الكبرى، لا سيما في ظل التحولات العميقة التي يشهدها النظام الاقتصادي العالمي.

ويشير إلى أن السنوات الأخيرة، وبالأخص العام الأول من ولاية ترامب الثانية، حملت تغيرات استراتيجية حادة كان في مقدمتها تصاعد الحروب والصراعات ذات الطابع الدولي، وما صاحبها من اضطرابات واسعة في حركة التجارة العالمية، شكلت صدمة قاسية لأسواق المال وسلاسل الإمداد والاقتصادات الوطنية على حد سواء.

ويوضح الديهي أن تأثير هذه الصراعات لم يقتصر على دول بعينها، بل امتد ليطال مختلف أطراف المجتمع الدولي، خاصة في ظل سياسات تجارية حمائية وفرض تعريفات جمركية واسعة النطاق، أسهمت في تعميق حالة عدم اليقين الاقتصادي عالمياً.

وفي هذا السياق، يكتسب حضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أهمية خاصة، لا سيما مع التمثيل الصيني والأوروبي الواسع، ومشاركة عدد كبير من الدول العربية في مؤتمر اقتصادي يعد من الأهم على مستوى العالم، وعقد هذا العام تحت شعار «روح الحوار».

ويرى الديهي أن الهدف الجوهري من دافوس يتمثل في فتح قنوات نقاش جادة حول مستقبل العلاقات الاقتصادية الدولية، وإعادة بناء منظومة الاقتصاد العالمي في ظل حالة من التباطؤ وعدم تحقيق معدلات نمو كافية في العديد من الاقتصادات الكبرى.

ويؤكد أن حضور ترامب قد يترك آثاراً متباينة على مجريات المؤتمر، سواء بشكل إيجابي أو سلبي، في ضوء مواقفه المتحفظة تجاه الصين، واحتمالات ممارسة ضغوط على الشركات الأوروبية في سياق علاقاتها الاقتصادية مع بكين. 

في المحصلة شكل مؤتمر دافوس الحالي فرصة لتحقيق اختراقات جديدة أو بلورة أشكال تعاون اقتصادي أوسع بين القوى الدولية، رغم سعي الإدارة الأمريكية الراهنة إلى إعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي وفق منطق القوة، مستندة إلى مكانة الدولار كعملة دولية أولى، وإلى أدوات الضغط التجاري والتعريفات الجمركية التي تؤثر بشكل مباشر في اقتصادات العديد من الدول حول العالم.