سياسات ترامب للهجرة.. مقاربة أمنية بهوية أيديولوجية

شكل ملف الهجرة، في العام الأول من ولاية ترامب الثانية، أداة مركزية لتعزيز السيادة الوطنية والأمن الداخلي، مع سلسلة إجراءات وقوانين أثارت جدلاً واسعاً داخلياً وخارجياً.من أبرز هذه الإجراءات، توسيع الحظر على دخول مواطني دول معينة، وتشديد إجراءات التحقق على حدود المكسيك، وزيادة سعة مراكز الاحتجاز، وتسريع عمليات الترحيل للمهاجرين غير النظاميين.

كما تم تشديد برامج مكافحة التوظيف غير القانوني وتعزيز العقوبات على المؤسسات التي تتهاون في توظيف المهاجرين غير الشرعيين.ويؤكد خبراء أن سياسات ترامب هذه نجحت جزئياً في خفض تدفقات الهجرة غير النظامية، لكنها أطلقت أزمات إنسانية واسعة وأثارت انتقادات حقوقية ودولية حول قسوة الإجراءات.

كما أن الكلفة السياسية والاقتصادية لهذه السياسات بدأت تظهر، عبر تراجع صورة الولايات المتحدة دولياً، وتأثير القيود على وفرة اليد العاملة في قطاعات حيوية، ما جعل تجربة الهجرة خلال العام 2025 مزيجاً من السيطرة الأمنية مقابل المخاطر الاستراتيجية والاقتصادية.

الهجرة بالسالب!

في هذا الإطار يؤكد أستاذ السياسات الدولية د. أشرف سنجر، أن العام الأول من ولاية دونالد ترامب الثانية شهد تحولاً نوعياً في إدارة ملف الهجرة في الولايات المتحدة، واصفاً ما حدث بأنه غير مسبوق منذ خمسين عاماً، حيث أصبحت الهجرة تقاس بالسالب للمرة الأولى، ما يعكس نجاح الإدارة في تقييد دخول المهاجرين إلى البلاد.

ويشير إلى أن السياسات شملت جميع أشكال الهجرة، سواء للكفاءات العلمية أو للبحث عن حياة جديدة في ظروف صعبة، مؤكداً أن ترامب اتخذ قرارات حازمة للحد من دخول المهاجرين غير النظاميين، ومراجعة ملفات الهجرة القديمة، حتى بالنسبة لمن حصلوا على الجنسية الأمريكية، بما في ذلك إمكانية سحبها في حال ثبوت التزوير.

ويضيف سنجر أن الإدارة الأمريكية، من خلال هذه السياسات، استهدفت تحقيق الأمن والسيادة والسيطرة على حدود البلاد، رغم التكلفة الإنسانية البالغة التي صاحبت هذا التقييد، والتي أثرت على آلاف الأسر والمجتمعات المهاجرة، وأدت إلى نقص في العمالة في قطاعات حيوية مثل الزراعة والفنادق والخدمات المنزلية، مما رفع تكاليف الإنتاج وأسعار الغذاء في بعض الولايات.

ويؤكد سنجر أن هذه الإجراءات، رغم حدتها، لم تمنع الولايات المتحدة من الاحتفاظ بمكانتها وجهة أساسية للهجرة الموهوبة والعمالة الأساسية، موضحاً أن تقييد الهجرة قد يؤثر على القدرة التكنولوجية للولايات المتحدة ويؤخر تقدمها في سباق الابتكار، خصوصاً مقارنة بالصين.

ومع ذلك، يرى أن السياسات الحالية قد تكون مؤقتة، وأن الإدارات القادمة، خصوصاً الديمقراطية، ستعيد فتح أبواب الهجرة وفق قواعد منظمة ومشروعة، وهو ما يعتبر من مزايا ترامب، إذ حاول ضبط الملف بشكل أكثر وضوحاً ومنهجية، مقارنة بالفترات السابقة، مع الحفاظ على عناصر الأمن الوطني والسيادة الأمريكية.

بُعد أيديولوجي

بينما يرى الباحث السياسي مرتضى سعد، المقيم في ولاية مينيسوتا، أن تعامل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع ملف الهجرة غير الشرعية لا يمكن قراءته من زاوية قانونية أو اقتصادية بحتة، بل في إطار أوسع تتداخل فيه الأبعاد السياسية والأمنية والهوياتية.ويشير إلى أن توظيف المهاجرين غير النظاميين لا يتم إلا عبر أذونات عمل تصدر بموافقة حكومية، ما يعني – بحسب رأيه – أن الدولة كانت على علم بوجودهم واستفادت منهم اقتصادياً، قبل أن تتجاهل ذلك لاحقاً في خطابها التصعيدي.

ويعتبر سعد أن أحد أكثر الجوانب حساسية في سياسات ترامب يتمثل في استهداف بعض الجاليات ذات الهوية الإسلامية، وعلى رأسها الجالية الصومالية، خاصة في ولاية مينيسوتا التي تضم ما بين 60 و80 ألف صومالي.ووفقاً لرؤيته، فإن نسبة كبيرة من هذه الجالية لا تملك إقامة دائمة، وتعتمد على تصاريح عمل مؤقتة إلى جانب استفادتها من برامج الدعم الحكومي.

ويثير الباحث تساؤلات حول كفاءة الرقابة على التمويلات الحكومية المخصصة لمشروعات تعليمية واجتماعية داخل الجالية الصومالية، متحدثاً عن حالات فساد وسوء إدارة، من بينها إنشاء مرافق تعليمية دون وجود أعداد حقيقية من المستفيدين.كما يشير إلى اعتماد واسع للمهاجرين على المساعدات الحكومية مثل السكن المدعوم، وقسائم الغذاء، والتأمين الصحي.

في المقابل، يؤكد سعد أن الجالية المكسيكية تمثل عنصراً حيوياً في سوق العمل الأمريكي، لكن السياسات المتشددة أدت إلى نقص حاد في العمالة، نتيجة خوف كثيرين من جهاز الهجرة والجمارك (ICE)، ما انعكس سلباً على الاقتصاد.ويخلص إلى أن سياسات ترامب لا تستهدف الهجرة غير الشرعية فقط، بل تنطوي على بُعد أيديولوجي واضح تجاه الجاليات الإسلامية، مع تغليب المقاربة الأمنية والهوياتية على الحلول الاقتصادية والاجتماعية طويلة الأمد.