عام على ولاية ترامب.. «الناتو» أول ضحايا «أمريكا أولاً»

لم يدخل حلف شمال الأطلسي «الناتو» العام الأول مع إدارة دونالد ترامب الثانية وهو على الصورة ذاتها التي استقر عليها لعقود، فقد أعادت واشنطن، بقيادة ترامب، صياغة علاقتها بالحلف من منطلق مصلحي صارم، حوّل الناتو من مظلة أمنية قائمة على الثقة السياسية إلى معادلة ضغط متبادل تحكمها لغة الالتزامات المالية والقدرات العسكرية.

في هذا الإطار لم يعد الدعم الأمريكي تلقائياً أو غير مشروط، بل بات مرتبطاً بمدى امتثال الحلفاء لمعايير الإنفاق والدور العسكري، في تحول أحدث ارتباكاً داخل بنية التحالف حيث كرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أكثر من مناسبة أن «الناتو» مدين له في استمراره، وأن الحلف «لم يكن ليبقى» لولا جهوده وإسهاماته.

هذا النهج دفع دولاً أوروبية، مثل ألمانيا وبولندا ودول البلطيق، إلى رفع ميزانياتها الدفاعية وتسريع برامج التحديث العسكري، ما عزز القوة الصلبة للحلف ورفع جاهزيته العملياتية.

في المقابل، كشفت ممارسات ترامب وخطابه التصادمي عن فجوة متزايدة في الثقة السياسية، تجلت في التباين داخل الحلف بشأن أوكرانيا، وفي القلق الأوروبي من غموض الالتزام الأمريكي بالمادة الخامسة، خاصة مع التلويح المتكرر بإعادة النظر في منطق «الحماية التلقائية».

ولا شك أن شعار «أمريكا أولاً» لم يكن مجرد شعار انتخابي، بل إطار متكامل يجمع بين النزعة الانعزالية والتدخلية المشروطة، مع إعطاء الأولوية للسيادة الوطنية والمصالح البراغماتية على الالتزامات الدولية أو الأطر الدبلوماسية متعددة الأطراف.وبينما أفرز منطق تقاسم الأعباء قدرات عسكرية أكبر، فإنه أضعف في الوقت نفسه التماسك السياسي الذي يقوم عليه الردع الجماعي.

وهكذا يجد «الناتو» نفسه أمام اختبار جوهري: تحالف أقوى عسكرياً، لكنه أقل يقيناً من حيث وحدة القرار والإرادة السياسية.

مقاربة الكلفة والمنفعة

إلى ذلك، يرى د. حمدي أعمر حداد، الباحث في العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس في الرباط، أن العلاقة بين الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) خلال العام الأول من الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب عادت لتحتل موقعاً استراتيجياً مركزياً، لكنها لم تعد كما عهدها التحالف، بل تحولت إلى مؤشر على تحولات أعمق في تصور واشنطن للتحالفات متعددة الأطراف.فقد انتهجت إدارة ترامب مقاربة براغماتية صارمة قائمة على الكلفة والمنفعة، مع إعادة تعريف الالتزامات الأمنية خارج إطارها القيمي التقليدي.

وفي هذا السياق، واصل ترامب ممارسة ضغوط متزايدة على الدول الأوروبية الأعضاء، مطالباً بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى مستويات غير مسبوقة، وملوحاً بإمكانية إعادة النظر في الالتزام بالمادة الخامسة من ميثاق الحلف.

وقد أدى هذا الخطاب إلى إضعاف الثقة السياسية داخل الناتو وفتح مخاوف لدى العواصم الأوروبية بشأن استمرارية الضمانات الأمريكية في مواجهة تهديدات كبرى.

ويضيف د.أحمدي: تفاقمت مخاوف الناتو مع المطالب الأمريكية بشأن جزيرة غرينلاند، التي اعتُبرت في أوروبا تجاوزاً لنمط التنسيق داخل الحلف، وتمس مباشرة بسيادة دولة عضو، هي الدنمارك، ما أبرز التوتر البنيوي بين المصالح الأمريكية ومبدأ التضامن الأطلسي.

ورغم ذلك، لم تصل التوترات إلى قطيعة، إذ واصلت واشنطن مشاركتها العسكرية والعملياتية، خاصة في إطار الردع تجاه روسيا.خلاصة الرأي كما يقول أحمدي: «الناتو ما زال الإطار الأمني المركزي للأوروبيين، لكنه يواجه مرحلة من تراجع اليقين الاستراتيجي ونمو النزعة التعاقدية داخل التحالف، ما يعكس تحولات أعمق في بنية القيادة الغربية ومفهوم الشراكة عبر الأطلسي».

مصالح براغماتية

بدوره، يؤكد د. محمد بوبوش، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول في وجدة، المغرب، أن السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولايته الثانية تمثل امتداداً استراتيجياً للرؤية التي بدأها خلال فترته الأولى، والمتمحورة حول العقيدة القومية التي تسعى إلى استعادة المكانة الأمريكية العالمية من خلال تفعيل أدوات الردع وحماية المصالح الحيوية.

وفي هذا السياق، يمثل حلف شمال الأطلسي ركيزة أساسية للأمن العالمي ورمزاً للوحدة بين أمريكا الشمالية وأوروبا، إلا أنه دخل مرحلة توتر متزايد بسبب الصراع المستمر في أوكرانيا والتباينات في تقييم التهديدات.

ويرى بوبوش أن عودة ترامب إلى البيت الأبيض أعادت طرح تحديات كبيرة لمستقبل الحلف، في ظل سياسات تمزج بين الانتقاد المستمر لأعضاء الحلف، والتهديد بإعادة النظر في الالتزامات الأمريكية، والتشكيك في فاعلية الضمانات الأمنية.

ويضيف أن هذا الخطاب الانعزالي دفع أوروبا إلى التفكير في تعزيز قدراتها الدفاعية بشكل مستقل، ما انعكس عملياً في قمة لاهاي 2025، حيث تم الاتفاق على التزام أعضاء الناتو بتخصيص 5% من الناتج المحلي الإجمالي للدفاع بحلول عام 2035، في خطوة تعد مؤشراً على سعي القارة للحد من هشاشة اعتمادها على الولايات المتحدة في ملف الردع الجماعي.

خلاصة القول، يرى د. بوبوش، أن العام الأول من ولاية ترامب الثانية كشف عن «دبلوماسية حسم» تتسم بالضغط والمحاسبة، أعادت رسم خرائط النفوذ داخل الحلف الأطلسي، وأجبرت أوروبا على التفكير الاستراتيجي المستقل دون التخلي عن إطار الشراكة الغربية التقليدية.