عام على صعود ترامب.... تصفية الحسابات الداخلية

في عامه الأول داخل البيت الأبيض بولايتِه الثانية، قاد دونالد ترامب الولايات المتحدة عبر مسار داخلي شديد الاضطراب، اتسم بتصعيد متعمد في الصراع مع مؤسسات تقليدية وأجهزة رقابية ووسائل إعلام، في إطار مقاربة حكم أعادت طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة السلطة وحدودها داخل النظام الأمريكي.

هذا النهج التصادمي، الذي انطلق من قرارات تنفيذية وخيارات سياسية مباشرة، ألقى بظلاله على قدرة واشنطن على إدارة ملفاتها الخارجية بقدر من الاتساق والاستقرار.

وخلال هذه المرحلة، دخل ترامب في مواجهات مفتوحة مع الكونغرس حول ميزانية الدفاع وسياسات العقوبات، وواجه نزاعات قضائية مرتبطة بأوامر الهجرة والتوظيف الحكومي، بالتوازي مع اشتباك واسع مع الإعلام والمؤسسات الأكاديمية بشأن مفاهيم الشفافية والمساءلة.

وبينما نجح أحياناً في فرض أجندته، كما في قرارات تتعلق بفنزويلا وتخفيف القيود عن بعض الاستثمارات العسكرية في الشرق الأوسط، اضطر في حالات أخرى إلى تعديل مواقفه تحت ضغط الداخل، ولا سيما في ملفات البرامج الاجتماعية والاحتجاجات المرتبطة بسياسات الهجرة.

تصفية حسابات

في هذا السياق، يقول د. محمد بوبوش، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول، وجدة، المغرب، إن عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بعد فوزه في نوفمبر 2024 أعادت تشكيل المشهد السياسي الأمريكي بشكل مثير للجدل.ويوضح أن الأوامر التنفيذية التي وقعها ترامب تعكس توجهاً مغايراً تماماً، حيث اتسمت بـ«تصفية الحسابات» مع من يصفهم بـ«أعداء الشعب»، و«سحق الخصم من الداخل»، في إشارة إلى المسؤولين الحكوميين والجهاز البيروقراطي والقضاة ووسائل الإعلام التي يعتقد بأنها ساهمت في تقويض رئاسته، مشيراً إلى أن أحدث مثال على ذلك كان استدعاء رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي جيروم بأول.

ويشير بوبوش إلى أن إعادة انتخاب ترامب لولاية ثانية مثلت تهديداً لسيادة القانون والدستور والأعراف الديمقراطية، وأن الخطابات الانتقامية لترامب تعكس تحولاً خطراً في السياسة الأمريكية، إذ أصبح استخدام الدولة لمعاقبة الخصوم جزءاً من الخطاب الانتخابي والممارسة التنفيذية، وهو ما يثير قلقاً بشأن استقرار النظام السياسي الأمريكي.

ويضيف بوبوش إن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مطلع عام 2026 جسد عودة «عقيدة مونرو» بنسخة عسكرية خشنة، ويؤكد أن نجاح العملية في الإطاحة برأس النظام لم يمنع من فتح الباب أمام «لا يقين» أمني في منطقة الكاريبي،

مشدداً على أن هذه القضية تتجاوز الشأن الفنزويلي الداخلي لتندرج ضمن إطار استراتيجي أوسع، مرتبط بتعامل واشنطن مع الأنظمة المصنفة كقوى «مارقة» أو مهددة لمصالحها الحيوية في المنطقة.

ويخلص بوبوش إلى أن العام الأول من ولاية ترامب الثانية أثبت قدرته على «تحطيم الجمود»، مشيراً إلى أن السياسة الأمريكية حققت مكاسب فورية في العديد من الملفات في الداخل والخارج، لكنه يحذر من أن الانحيازات والشروط التي فرضها ترامب قوضت النفوذ العالمي،

وترك النظام الدولي أمام سؤال محوري: هل القوة التي تفرض الصفقات قادرة على بناء استقرار مستدام؟

تعميق الانقسام

بينما ترى خبيرة العلاقات الدولية والأمريكية د. أماني القرم، أن العام الأول من الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب يمكن توصيفه، داخلياً وخارجياً، بأنه عام «عدم اليقين والقلق الدائم»، حيث لم يؤدِّ الاستقطاب الداخلي إلى كبح سياسات الإدارة، بل أسهمت هذه السياسات في تعميق الانقسام داخل الولايات المتحدة وعلى الساحة الدولية، إلى درجة الحديث عن ملامح أزمة هيكلية في النظام الأمريكي.

وتوضح القرم أن قدرة إدارة ترامب على التحرك خارجياً ارتكزت على ما تصفه بـ«القوة الثلاثية»، الناتجة عن الفوز الساحق في انتخابات 5 نوفمبر 2024، والذي منح ترامب تفويضاً شعبياً واسعاً، وسيطرة جمهورية على البيت الأبيض والكونغرس، إضافة إلى أغلبية حكام الولايات.

هذا الواقع وفّر للرئيس شبكة أمان سياسية سمحت له بتنفيذ أجندته الخارجية دون قيود مؤسسية تذكر.غير أن القرم تشير إلى أن هذا التفويض لم ينعكس إيجاباً على صورة الولايات المتحدة عالمياً، بل أسهم في إضعافها.

فالاستقطاب تجاوز الانقسام الحزبي ليطال القيم والهوية، وأضعف الخطاب الأمريكي التقليدي القائم على المؤسسية والانضباط في التعامل مع الحلفاء.

وتستشهد بسلسلة مواقف مثيرة للجدل، مثل الدعوة لضم كندا، وطرح فكرة السيطرة على غرينلاند، والسياسات تجاه روسيا وأوكرانيا، ورفع التعريفات الجمركية، وصولاً إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو، معتبرة أنها عكست قلقاً عالمياً متزايداً من سلوك واشنطن، وأحدثت شرخاً داخل التحالف الغربي استفادت منه الصين وروسيا.

وتؤكد القرم أن الانقسامات تعمّقت بفعل سياسات الهجرة والهوية، وكثافة اللجوء إلى الأوامر التنفيذية التي بلغت 225 أمراً، ما يثير تساؤلات حول قدرة المؤسسات على ضبط صلاحيات الرئيس.وتخلص إلى أن الانقسام بات يطال الحزب الجمهوري نفسه، بين قياداته التقليدية وقاعدة «ماجا»، ما يعمّق حالة عدم اليقين في الداخل والخارج.