في لحظة بالغة الحساسية من مسار الحرب الروسية – الأوكرانية، أعاد ادعاء موسكو بتعرض مقر إقامة الرئيس فلاديمير بوتين لهجوم أوكراني، ثم النفي الأمريكي لصحة هذه الرواية، طرح تساؤلات جوهرية حول اتجاهات الأزمة وما إذا كانت تقف على أعتاب تصعيد جديد أم أمام محاولة احتواء مدروسة.وبينما تصر موسكو على الاحتفاظ بهامش الردع، وتتمسك كييف بنفي أي دور في الحادث المزعوم، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يقود هذا التطور إلى إعادة خلط أوراق المواجهة، أم أنه سيستخدم كورقة ضغط لدفع الطرفين، مكرهين، نحو طاولة التفاوض من جديد؟
ضغط متبادل
يرى خبراء في الأزمة الروسية – الأوكرانية أن الاتهامات الروسية بشأن استهداف مقر سيادي للرئيس فلاديمير بوتين، رغم نفي واشنطن وتأكيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدم تورط أوكرانيا، لا يمكن فصلها عن سياق الضغط السياسي والعسكري المتبادل بين موسكو وكييف. ويؤكد الخبراء أن موسكو تتعامل مع مثل هذه الادعاءات باعتبارها "رسائل ردع سياسية"، تستخدم لتذكير الغرب وأوكرانيا بحدود الحركة العسكرية، وليس، بالضرورة، تمهيداً فورياً لتصعيد واسع النطاق.
وفي المقابل، يرى محللون أن موقف الرئيس ترامب الذي سارع إلى التشكيك في الرواية الروسية وتبرئة كييف يعكس رغبة أمريكية واضحة في منع انزلاق الأزمة نحو مواجهة مفتوحة قد تفشل تفاهمات ميامي قبل نضوجها.
ويشير هؤلاء إلى أن واشنطن، في هذه المرحلة، تميل إلى إدارة النزاع لا تفجيره، عبر احتواء الحوادث المثيرة للجدل ومنع تحويلها إلى ذريعة لنسف قنوات الاتصال القائمة. اختبار صعبوبشأن مستقبل تفاهمات ميامي، يجمع خبراء على أن المسار التفاوضي لا يزال قائماً، لكنه يواجه اختباراً صعباً. فروسيا، بحسب تقديرهم، تسعى إلى تحسين شروطها التفاوضية ميدانياً قبل تقديم أي تنازلات سياسية، في حين تخشى أوكرانيا من أن يتحول أي وقف مؤقت لإطلاق النار إلى فرصة تمنح موسكو وقتاً إضافياً لإعادة التموضع.
وعلى هذا الأساس، يرجح الخبراء أن المرحلة المقبلة ستشهد استمرار التفاوض بالتوازي مع تصعيد محدود ومدروس، دون الوصول إلى حرب شاملة أو تسوية نهائية قريبة.
احتواء أمريكي
وفي هذا السياق، يقول د. محمد عطيف، أستاذ العلاقات الدولية، إن الادعاء الروسي بتعرض مقر إقامة الرئيس فلاديمير بوتين لهجوم أوكراني يمثل تطوراً حساساً في مسار الأزمة الروسية-الأوكرانية، نظراً لما يحمله من أبعاد سياسية وأمنية قابلة للتوظيف التصعيدي.
ويوضح أن إبلاغ الرئيس الروسي نظيره الأمريكي دونالد ترامب بهذا الادعاء خلال اتصال هاتفي خلق في بدايته حالة من الارتباك داخل الجهود الأمريكية الرامية إلى إعادة إحياء مسار تفاوضي، خصوصاً أن الحادث – لو ثبت – كان من شأنه أن يغير قواعد الاشتباك ويبرر ردوداً عسكرية أوسع من جانب موسكو.
ويرى عطيف أن نتائج التحقيقات الاستخباراتية الأمريكية، التي خلصت إلى عدم وجود أدلة تؤكد تورط أوكرانيا، شكلت نقطة تحول في إدارة هذا الملف، حيث دفعت ترامب إلى إعلان تبرئة كييف بشكل علني، والتأكيد على أن الهجوم "لم يحدث" وفق التقييمات الأمريكية.
ويشير إلى أن هذا الموقف يعكس رغبة واشنطن في احتواء الموقف ومنع انزلاق الأزمة نحو تصعيد غير محسوب، لا سيما في ظل سعي الإدارة الأمريكية إلى تثبيت نفسها كطرف وسيط قادر على دفع الأطراف نحو تسوية سياسية، بدل الانجرار خلف روايات قد تستخدم كذريعة لتوسيع رقعة الصراع.
احتمالات التصعيد
وفيما يتعلق بمآلات الأزمة، يرى د. عطيف أن احتمالات التصعيد لا تزال قائمة، حتى في ظل التبرئة الأمريكية، مشيراً إلى أن روسيا قد توظف الادعاء داخلياً لتعزيز خطابها السياسي أو لتبرير خطوات عسكرية مستقبلية، بغض النظر عن الموقف الأمريكي. لكنه في المقابل يوضح أن تمسك واشنطن بمسار التهدئة، واستمرارها في دعم التفاهمات السياسية، يحد من فرص الانزلاق نحو مواجهة شاملة،ويمنح مسار التفاوض فرصة جديدة، ولو كانت هشة.
ويخلص د. محمد عطيف إلى أن المشهد الحالي يعكس صراعاً بين مسارين متوازيين: مسار تصعيدي تحركه حسابات الردع والهيبة لدى موسكو، ومسار تفاوضي تسعى واشنطن إلى تثبيته عبر نزع الذرائع ومنع توسيع دائرة الصراع.
ويرى أن مستقبل الأزمة سيبقى مرهوناً بمدى تجاوب روسيا مع هذه المقاربة، وبقدرة الأطراف الدولية على تحويل التفاهمات القائمة إلى أرضية سياسية صلبة تفضي في النهاية إلى تسوية، وإن كانت تدريجية، لأحد أكثر النزاعات تعقيداً في النظام الدولي الراهن.
رسالة سياسية وأمنية
من جانبه، يرى د. عمرو الديب، مدير مركز العمليات الجيوسياسية الدولية في موسكو، أن إعادة طرح مسألة استهداف مقر الكرملين أو أحد المقرات السيادية المرتبطة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، جاءت في توقيت بالغ الحساسية، لا سيما بعد اللقاء الذي جمع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب،
وما تردد عن تفاهمات أولية بينهما، وكذلك بعد ما سبق أن تم التوصل إليه في محطات سابقة من اتصالات مباشرة وغير مباشرة بين الرئيسين الروسي والأمريكي.
ويوضح الديب أن المرحلة الأخيرة شهدت بالفعل كثافة غير مسبوقة في المحادثات الهاتفية والاتصالات السياسية والأمنية والعسكرية على أعلى المستويات بين موسكو وواشنطن، في إطار محاولات احتواء الأزمة الأوكرانية وفتح مسارات ممكنة للحل، سواء عبر تفاهمات مرحلية أم عبر ترتيبات أوسع تتعلق بوقف إطلاق النار أو خفض التصعيد.لكن،
وبحسب الديب، فإن الحديث عن عملية استهداف مقر إقامة الرئيس بوتين في فالداي، حتى وإن لم تثبت رسمياً، يمثل إشارة شديدة الخطورة في هذا التوقيت، إذ يمكن قراءته على أنه رسالة سياسية وأمنية قوية مفادها أن هناك أطرافاً لا ترغب في إنجاح أي مسار سلام، ولا في الوصول إلى تفاهمات حقيقية تنهي الحرب أو حتى توقفها مرحلياً.