يطوي عام 2025 صفحته، وتتأهب حرب أوكرانيا لدخول عام 2026 دون حسم عسكري أو اتفاق سياسي. الجمود العسكري يُرسي قاعدة الاستنزاف المفتوحة، ويرغم العواصم الكبرى على إعادة تقييم جدوى الصراع. مع إسدال الستار على عام 2025، تترسخ حرب أوكرانيا واحدة من أطول وأعقد الصراعات الأوروبية في القرن الحادي والعشرين.. فعام 2025 لم يكن عاماً للنصر الحاسم لأي طرف، بل كان عاماً ثقيلاً كرس واقع تحريك الجمود من الشرق والغرب دون الوصول إلى تفاهمات حتى اللقاء الأخير بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في فلوريدا تحدث عن تقدم بطيء مع الاعتراف بالعقبات، في حين تستمر المعارك الطاحنة على الجبهات الشرقية والجنوبية، لكن دون قدرة أي من موسكو أو كييف على تحقيق اختراق استراتيجي ينهي الحرب.
وكشفت أشهُر 2025 عن حدود القوة العسكرية، وأجبرت الجميع على التسليم بأن أي نهاية قادمة لهذا النزاع الطويل لن تكون عسكرية خالصة، بل ستكون نتاج تسوية سياسية مؤجلة، يفرضها واقع الاستنزاف على الطاولة في العام الجديد.
مقترح السلام
وخلال العام طرحت الإدارة الأمريكية مقترحاً للسلام، تضمن وقف إطلاق النار وترتيبات أمنية وضمانات دولية.. قوبل المقترح بتحفظات أوكرانية شديدة، إذ رأت فيه كييف أنه قد يثبت المكاسب الإقليمية الروسية قبل تحقيق انسحاب كامل، في حين قابلته روسيا بالرفض الجزئي، مشددة على أن أي حل يجب أن يعترف «بالواقع الجديد على الأرض» (أي سيطرتها على المناطق الأربع التي ضمتها).
جعل هذا الموقف المتبادل المقترح إطاراً للنقاش أكثر منه خطة قابلة للتنفيذ، لكنه أشار إلى أن واشنطن بدأت تبحث بجدية عن «سيناريو مخرج» لا ينطوي على استمرار مفتوح للحرب.
وتراجع ترامب بذلك عن الحلول المؤقتة مثل الهدنة أو تجميد القتال، بعدما كان هذا هاجسه في الأشهر الأولى لولايته، كما أنه أخذ على عاتقه مهمة صعبة هي الضغط على الأوروبيين والأوكرانيين، لحملهم على تقديم تنازلات مؤلمة. وقد تجلت نتائج القمة في مسودة الخطة الأمريكية للسلام التي كادت (في صياغتها الأولى) تكون نسخة حرفية من شروط بوتين، ورؤيته التي قدمها في جولة مفاوضات إسطنبول قبل قمة ألاسكا بشهرين. وهو أمر برز بوضوح خلال القمة الوحيدة التي جمعت الرئيسين ترامب وبوتين في ألاسكا خلال أغسطس 2025، إذ تبنى الرئيس الأمريكي -عملياً- كل شروط نظيره الروسي، منطلقاً من ضرورة معالجة «الأسباب الجذرية للأزمة».
جولات متعددة
وخلال عام، حافظ الكرملين على مواقف متشددة رغم أنه لم يغلق باب الحوار مع واشنطن في أي لحظة، وقد برز ذلك خلال جولات مفاوضات مكوكية أجراها مبعوث الرئيس الأمريكي ستيف ويتكوف الذي زار موسكو ست مرات. وشكلت كل زيارة منعطفاً مهماً خفف من غضب ترامب أحياناً، وحديثه عن «خيبة أمل» بسبب مماطلة بوتين وتشدده.
وقادت جولات ويتكوف إلى استئناف المفاوضات المباشرة مع أوكرانيا ثم ترتيب القمة الروسية الأمريكية، وفي بعض الحالات دفعت لإجراء مكالمة هاتفية حاسمة بين ترامب وبوتين في توقيت حساس، مثلما حدث في نوفمبر، عشية لقاء مهم لترامب مع الرئيس فولوديمير زيلينسكي، كان يفترض أن يوافق خلاله على رزمة مساعدات عسكرية ضخمة، لكن المكالمة هدأت الموقف وسرعان ما دفعت نحو طرح مبادرة السلام التي تناقَش حالياً. وجمع لقاء بين زيلينسكي وترامب في فلوريدا يوم 28 ديسمبر الجاري، ورغم استمرار اجتماعهما أكثر من ثلاث ساعات، لم يعلن الطرفان عن أي اختراقات كبرى لإنهاء الحرب. وقد أكد الزعيمان أن العملية معقدة وقد تستغرق وقتاً أطول، في حين لاحظ مراقبون أن موقف ترامب لا يزال يميل ناحية موسكو، في حين لا تزال الدول الأوروبية تراقب الوضع عن كثب دون تدخل، حيث طالبت بقوة متعددة الجنسيات بقيادة أوروبية في أوكرانيا، بمشاركة قوات من الحلفاء في تحالف الراغبين، وبدعم من الولايات المتحدة. ستساعد هذه القوة على تأمين أجواء أوكرانيا وبحارها، ومنها العمليات داخل أوكرانيا. ووضع آلية لمراقبة وقف إطلاق النار بقيادة الولايات المتحدة، تشمل مشاركة دولية.
وعُقدت في أغسطس قمة استثنائية بين ترامب وبوتين في ولاية ألاسكا، في سابقة جغرافية نادرة. وتركزت المباحثات على مستقبل الصراع في أوكرانيا، الذي يدخل عامه الرابع دون تسوية واضحة.
وأعلن الطرفان أن اللقاء «كان بنّاءً ومثمراً»، واتفقا على إطلاق مسار دبلوماسي جديد يهدف إلى التوصل إلى تسوية سياسية تُنهي الحرب، مع تلميحات إلى احتمال تجميد خطوط التماس الحالية مقابل ضمانات أمنية متبادلة.
ركزت المحادثات في ميامي وعدد من العواصم الأوروبية والعربية على الضمانات الأمنية لأوكرانيا لردع أي هجوم روسي محتمل في المستقبل، وهي مسألة - رغم التصريحات الإيجابية - لا تزال نقطة خلاف رئيسية في المفاوضات مع موسكو. أما العقبة الرئيسية الأخرى فهي مستقبل منطقة دونباس، التي تطالب روسيا كييف بالتنازل عن السيطرة عليها شرطاً لإتمام الاتفاق.
المرونة الأمريكية
حتى الآن، فإن قمح المساعي لتوقيف الحرب في أوكرانيا ما زال يبدو زواناً، والمرونة الأمريكية التي دفعت عجلات الحل، اصطدمت بتشدد أوروبي كبير، وهو ما قد يُجهض مبادرة الرئيس ترامب، الذي كان قد أدرك -ولو متأخراً- أن نهاية الحرب بهزيمة روسية - كما يطمح قادة في أوكرانيا وفي أوروبا - مستحيلة، ولا بد من توليف تسوية مؤلمة لوقف الحرب. ولا شك أن الاتحاد الأوروبي يمر بمرحلة غير مسبوقة في علاقته مع أمريكا، كما يواجه صعوبات في تعزيز النمو الاقتصادي، في حين تضيف وتيرة التغير التكنولوجي السريع المزيد من الضغوط.
كلفة ثقيلة
لم يكن 2025 عاماً لانتصارات كبرى تُغير الخريطة، ولا لانكسارات تُنهي الصراع، بل كان عاماً تراكمياً في كلفته، ثقيلاً في تداعياته، كشف حدود القوة العسكرية، وحدود الإرادة السياسية، وحدود قدرة المجتمع الدولي على فرض حل.
تداخلت في هذا العام، الجبهات العسكرية مع غرف التفاوض، وارتبط القصف الصاروخي بالرسائل الدبلوماسية، وتقدمت مبادرات السلام في الوقت ذاته الذي كانت فيه المدافع لا تتوقف. وهو ما جعله عاماً معقداً بامتياز، تختلط فيه السياسة بالحرب، والرهانات الداخلية بالحسابات الدولية.
استنزاف عسكري
منذ مطلع عام 2025، واصلت روسيا عملياتها العسكرية وفق نهج محسوب يقوم على التقدم البطيء والقضم التدريجي، بدل الهجمات الواسعة والمكلفة.
وتركزت العمليات البرية في الشرق والجنوب، خصوصاً في محاور دونيتسك ولوغانسك وزاباروجيا، حيث سعت موسكو إلى تثبيت مكاسبها وتوسيع نطاق السيطرة خطوة بخطوة.
وشهد الربعان الثاني والثالث من العام تصعيداً في المعارك البرية حول بلدات صغيرة ومتوسطة، بعضها لا يحمل أهمية استراتيجية كبرى، لكنه يشكل عقدة ميدانية في خطوط الإمداد والدفاع. وكانت هذه المعارك مرهقة للطرفين، وأسفرت عن خسائر بشرية كبيرة مقابل تغييرات محدودة على الأرض، ما يذكرنا بطبيعة «حرب الخنادق» الحديثة.
ضغط على العمق
في موازاة العمليات البرية، كثفت روسيا اعتمادها على الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيرة، مستهدفة البنية التحتية الحيوية داخل أوكرانيا.
ولم تقتصر الضربات على المناطق القريبة من الجبهات، بل طالت مدناً في الغرب والوسط، في محاولة لإيصال رسالة مفادها أن لا منطقة آمنة من تبعات الحرب. ومع اقتراب الشتاء، عاد استهداف منشآت الطاقة إلى الواجهة، في تكرار لسيناريو الأعوام السابقة، ما وضع الحكومة الأوكرانية أمام تحديات إنسانية واقتصادية إضافية، وأعاد ملف الكهرباء والتدفئة إلى صدارة الأولويات، في محاولة لكسر إرادة الصمود المدنية.
حرب المسيّرات
دخلت أوكرانيا عام 2025 وهي أكثر واقعية في تقدير قدراتها. فبعد محاولات هجومية في أعوام سابقة (لم تحقق أهدافها الاستراتيجية بالكامل)، اتجهت القيادة العسكرية إلى التركيز على الدفاع المتماسك، والحفاظ على الخطوط الأمامية، مع تفادي المغامرات العسكرية الواسعة. كان الهدف الأساسي هو إطالة أمد الاستنزاف الروسي وتحقيق توازن القوى الدفاعي.
ساعد الدعم الغربي، خصوصاً في مجال الدفاع الجوي (مثل أنظمة باتريوت وNASAMS)، على تقليص تأثير الضربات الروسية، وإن لم يمنعها بالكامل.. كما اعتمدت كييف بشكل متزايد على الطائرات المسيّرة، سواء في الاستطلاع أو الهجمات الدقيقة، ما أدى إلى نشوء ما يمكن تسميته بـ«حرب الطائرات المسيرة» على جبهة واسعة وغير مسبوقة.
رفع كلفة الحرب
خلال 2025، نفذت أوكرانيا مئات الهجمات بالطائرات المسيّرة داخل العمق الروسي، استهدفت منشآت عسكرية وصناعية ومخازن وقود.
ورغم محدودية الأثر العسكري المباشر لبعض هذه الهجمات، فإنها حملت بعداً نفسياً وسياسياً، تمثل في نقل كلفة الحرب إلى الداخل الروسي، وإظهار أن الصراع لم يعد محصوراً داخل الأراضي الأوكرانية.
هذا التكتيك أثار جدلاً غربياً، حيث تخوفت بعض العواصم الأوروبية من تصعيد روسي محتمل رداً على استهداف أهداف على أراضيها المعترف بها دولياً.
كما كثفت أوكرانيا استهدافها لسفن أسطول البحر الأسود الروسي، محققة نجاحات تكتيكية أدت إلى تراجع نشاط هذا الأسطول.
خسائر بشرية
لم تعلن موسكو ولا كييف أرقاماً دقيقة لخسائرهما خلال 2025، لكن تقديرات أممية وغربية تشير إلى أن العام كان من أكثر الأعوام كلفة بشرية منذ بداية الحرب، الأمر الذي وضع ضغطاً هائلاً على قيادات البلدين العسكرية والسياسية.
وشكلت المناطق القريبة من خطوط التماس، إضافة إلى المدن التي تعرضت للقصف الصاروخي، بؤراً رئيسية للمعاناة الإنسانية.
كما ظهرت أزمة حقيقية في ملف التعبئة العسكرية، حيث واجهت الحكومة الأوكرانية تحدياً في تجنيد أعداد كافية لتعويض الخسائر، ما اضطرها لتشديد القوانين المتعلقة بالتجنيد والسفر.
في المقابل، اعتمدت روسيا على عقود «المرتزقة» أو المتطوعين بعقود عالية الأجر، إضافة إلى استمرار التجنيد الإجباري والدوري.
غياب الحسم في 2025
يعود غياب الحسم إلى مجموعة من العوامل المتشابكة التي عززت حالة الجمود الميداني والتناقض السياسي:
• التوازن العسكري النسبي: رغم تفوق روسيا في الموارد البشرية والعتاد التقليدي، فإن الدعم الغربي النوعي (صواريخ بعيدة المدى، ودفاع جوي متقدم) حافظ على توازن القوى الدفاعي لأوكرانيا.
• استمرار الدعم الغربي (الحد الأدنى): رغم التباينات الداخلية، حافظ الغرب على تدفق ثابت (وإن كان متذبذباً) للأسلحة والمال، ما منع أوكرانيا من الانهيار، دون أن يمكنها من تحقيق انتصار حاسم.
• قدرة روسيا على تحمل كلفة طويلة: نجاح روسيا في تجاوز صدمة العقوبات الأولية وتحويل اقتصادها إلى اقتصاد حرب، سمح لها بتحمل كلفة الاستنزاف البطيء.
• غياب توافق دولي على صيغة سلام: لا يوجد طرف دولي رئيسي مستعد للضغط على حليفه لتقديم تنازلات كبرى (روسيا ترفض الانسحاب من المناطق المضمومة، وأوكرانيا ترفض تثبيت الوضع الحالي).
• الرهانات الداخلية: كلا الرئيسين (بوتين وزيلينسكي) يربط بقاءه السياسي وقبوله الشعبي بنتائج الحرب، ما يجعلهما غير قادرين على تقديم التنازلات الضرورية للسلام.
ومع نهاية 2025، لم تضع الحرب أوزارها، لكنها كشفت بوضوح أن الحسم العسكري الكامل بات بعيد المنال، وأن أي نهاية محتملة ستكون سياسية، تدريجية، ومعقدة. لقد كرس هذا العام مفهوم «الحرب الباردة الساخنة»، حيث تستمر الجبهات مشتعلة، لكنها محكومة بقواعد استنزاف لا تسمح بالانتصار الكامل لأي طرف. أثبتت أوكرانيا صموداً لم يكن متوقعاً، وأثبتت روسيا قدرة على التحمل تفوقت على توقعات الغرب.
ويبقى السؤال مفتوحاً مع دخول 2026: هل تنضج ظروف التسوية الإقليمية والدولية لإخراج الصراع من دائرة الاستنزاف، أم يستمر الصراع كأحد أطول حروب القرن الحادي والعشرين؟
أرقام الحرب:
20
مليون متضرر من انقطاع الكهرباء
12
عملية وساطة شملت 3500 أسير
15
مدينة دُمّرت بنيتها بأكثر
من 50 %
3.7
ملايين شخص من النازحين داخلياً
07
قمم كبرى تناولت ملف السلام
في أوكرانيا
110
اجتماعات دبلوماسية
حول الحرب
20
جولة من التفاوض غير المباشر