تتضاءل آفاق التسوية والسلام بين روسيا وأوكرانيا، مع تواصل التصعيد العسكري غير المسبوق بين البلدين، حيث يسعى كل طرف إلى رفع سقف مطالبه الميدانية، لتعزيز موقعه التفاوضي، وسط غياب أي مؤشرات فعلية على استئناف المفاوضات.
وشدد الكرملين موقفه، في ظل تصاعد الهجمات الأوكرانية داخل العمق الروسي، بما في ذلك استهداف موسكو، والتي تسببت في أضرار بمصافي النفط، وأدت إلى نقص في الوقود على مستوى البلاد.
وتسعى موسكو إلى التفاوض تكتيكياً لا مبدئياً، ساعية لتثبيت مكاسبها، مع إبقاء التصعيد ورقة ضغط لتحسين شروط أي اتفاق، وتحميل الطرف الآخر مسؤولية التعطيل، حيث أعلنت رفضها التام التراجع عن أي مناطق أوكرانية محتلة، كجزء من أي اتفاق سلام محتمل، معتبرة أن «روح السلام» قد ماتت، وأن أي تسوية يجب أن تقوم على سيطرة موسكو الكاملة على إقليم دونباس.
وقالت مصادر مقربة من الكرملين، لـ «بلومبرغ»، إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يسعى إلى السيطرة الكاملة على منطقة دونيتسك شرقي أوكرانيا بالقوة، لكنه سيحتفظ الآن بمناطق من إقليمي سومي وخاركيف القريبين من الحدود الروسية، باعتبارها «مناطق عازلة».
وأضافوا أن بوتين تخلى عن تقديم تنازلات بشأن الأراضي، لأن روسيا ترى أن التصريحات الأمريكية التي باتت تزداد في حدتها مؤخراً، تمثل دليلاً على انهيار التفاهمات غير الرسمية التي تم التوصل إليها خلال قمته في ألاسكا في أغسطس 2025، مع الرئيس دونالد ترامب.
ويريد بوتين من أوكرانيا التخلي عن السيطرة على الأراضي في دونيتسك، التي فشلت القوات الروسية في السيطرة عليها، رغم القتال منذ عام 2014. وترفض كييف هذا الطلب، واقترحت وقف الحرب على طول خطوط الجبهة الحالية.
وقال مصدران إن روسيا مستعدة للعودة إلى المفاوضات، فقط بعد أن يحقق بوتين هدف السيطرة على دونيتسك، وذكر أحدهما أن وزارة الدفاع الروسية أبلغت بوتين بأنها قادرة على فرض السيطرة الكاملة على المنطقة بحلول نهاية العام. لكن العديد من العسكريين الروس يرون أن هذا الجدول الزمني غير واقعي، ويعتقدون أن السيطرة على كامل منطقة دونيتسك لن تتحقق قبل عام 2027.
«تفاهمات ألاسكا»
ورغم إصرار الولايات المتحدة على أنه لم يتم التوصل إلى أي اتفاق لإنهاء الحرب الروسية في أوكرانيا خلال القمة التي عقدت في أغسطس الماضي، فإن مسؤولين في الكرملين أكدوا مراراً وجود حزمة من التفاهمات، ضمن ما وصفوه بـ «روح اتفاق أنكوراج» بين بوتين وترامب، في إشارة إلى قاعدة أنكوراج بألاسكا، حيث عقدت القمة.
وتعثرت المفاوضات التي تقودها الولايات المتحدة بين روسيا وأوكرانيا بشأن اتفاق سلام منذ فبراير، مع تركيز إدارة ترامب على الحرب مع إيران.
وفي يونيو، تحدى زيلينسكي بوتين في رسالة مفتوحة لعقد لقاء مباشر لمحادثات سلام تنهي الحرب التي دخلت عامها الخامس. لكن بوتين رفض العرض، وقال إن جيشه يجب أن «يواصل العمل».
استهداف مستودعات
إلى ذلك، أسفر هجوم أوكراني على روسيا، استهدف مستودعات لشركة «وايلبيريز» للتجارة الإلكترونية، عن مقتل شخص وإصابة 15 آخرين، وذلك بعد مقتل 3 أشخاص بهجوم روسي على زابوريجيا.
وأعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أن قوات بلاده شنت هجمات على مراكز لوجستية في منطقتي ستافروبول وكراسنودار، جنوبي روسيا.
وأوضح زيلينسكي في تدوينة على منصة شركة «إكس»، أن الهجمات استهدفت مراكز لوجستية «تزود الجيش الروسي بمكونات طائرات مسيرة ومعدات ملاحة وتجهيزات».
وتسعى أوكرانيا إلى تولي زمام المبادرة في الحرب، من خلال توجيه ضربات قوية لقطاع الطاقة الروسي، الذي يمثل المصدر الرئيس لإيرادات الميزانية وللعمليات اللوجستية.
وكان هذا ثاني هجوم خلال أيام قليلة على الشركة التي تلقى إقبالاً كبيراً في روسيا، بعد أن استهدفت أوكرانيا السبت مستودعين كبيرين تابعين لها قرب موسكو، ما أدى إلى مقتل ثمانية موظفين من طواقم الليل، واندلاع حرائق دمرت المنشآت تقريباً.
إلى ذلك، قال مسؤولون إن ثلاثة أشخاص على الأقل قتلوا، وأصيب أكثر من 12 آخرين، في هجوم شنته روسيا بقنابل موجهة على مدينة زابوريجيا بجنوبي أوكرانيا.
وكتبت الإدارة العسكرية بالمنطقة عبر تطبيق «تلغرام»، أن نيراناً اشتعلت في سبعة طوابق من مبنى سكني مؤلف من تسعة طوابق عقب الهجوم.
وصعّدت روسيا خلال الأسابيع الأخيرة هجماتها بالطائرات المسيّرة والصواريخ على كييف ومدن أوكرانية أخرى.
كما تتواصل المعارك العنيفة في منطقة دونيتسك، وتركزت حول مدينة كوستيانتينيفكا، وهي مركز لوجستي استراتيجي، وفي حال السيطرة عليه ستتمكن روسيا من فتح الطريق نحو المعاقل الدفاعية الرئيسة لأوكرانيا في كراماتورسك وسلوفيانسك.