نيران أوكرانيا ومصافي روسيا.. الحرب تدخل مرحلة كسر العظم

تصاعد الدخان في مدينة كييف الأوكرانية خلال غارة صاروخية روسية
تصاعد الدخان في مدينة كييف الأوكرانية خلال غارة صاروخية روسية

انتقل الصراع الروسي-الأوكراني في الشهرين الأخيرين من مرحلة استنزاف الجبهات التقليدية، إلى حرب كسر عظم استراتيجية في عمق المدن والمنشآت الحيوية لكلا الطرفين.

ولم تعد المعادلة تقتصر على مناوشات الحدود، بل تحولت إلى قصف تدميري متبادل، يضع حسابات الدبلوماسية الدولية على حافة الهاوية.

شنت القوات الروسية أمس هجوماً صاروخياً على العاصمة الأوكرانية كييف، أدى إلى إصابة 10 أشخاص على الأقل، في المقابل، نفذت موسكو ضربات بأسلحة عالية الدقة، استهدفت مؤسسات تابعة للمجمع الصناعي العسكري في كييف، إلى جانب مرافق البنية التحتية في ميناء «يوجني» بمحافظة أوديسا، يستخدم كمركز لوجستي للقوات الأوكرانية.

بدورها، لم تقف كييف في موقع الدفاع، بل نقلت المعركة إلى عصب الاقتصاد الروسي، عبر استراتيجية «حرب المصافي».

وأعلنت القيادة العسكرية في كييف، أمس، أن أوكرانيا استخدمت الطائرات المسيرة للهجوم على 21 سفينة نفط روسية في بحر أزوف ليل.

ووثقت التقارير الميدانية نجاح المسيرات الأوكرانية طويلة المدى في ضرب وتعطيل منشآت طاقة بالغة الحيوية في العمق الروسي، خلال الأسبوع الأول من يوليو، أبرزها مصفاة «تانيكو» في جمهورية تاتارستان، ومصفاة «إيلسكي» في كراسنودار، إلى جانب استهداف خزانات وموانئ النفط في «تاغانروغ» و«أزوف».

وهي ضربات عنيفة، اعترف الجانب الروسي ضمنياً بتأثيرها، عقب اتخاذ قرار حكومي بفرض قيود على صادرات الديزل، لحماية السوق المحلي من نقص الوقود.

تصاعدت حدة «حرب المصافي»، لتصبح محوراً رئيساً في الحرب الروسية الأوكرانية، حيث تُنفذ كييف ضربات استراتيجية بطائرات مسيرة في العمق الروسي، لتعطيل نحو 43 % من طاقة التكرير، وتقليص إيرادات الكرملين.

وترد موسكو بقصف واسع لمنظومة الطاقة والوقود الأوكرانية، ما وسّع نطاق الصراع، ليصبح حرب استنزاف اقتصادية وجيوسياسية.

تغيير جذري

وسط هذا التراشق الميداني الحاد، يرى المحللون العسكريون أن إعلان بريطانيا عن حزمة دعم عسكري تاريخية بقيمة 60 مليار يورو، مصحوباً بالخطط المشتركة لإنتاج صواريخ منظومة «باتريوت» على الأراضي الأوكرانية، يمثل تغييراً جذرياً في طبيعة الصراع.

ويعتقد الخبراء السياسيون أن هذه التحولات الاستراتيجية تدفع الأزمة نحو «خط لا رجعة فيه»، وتؤكد أن القوى الغربية تستعد لحرب ممتدة لسنوات، ما يقلص هوامش المناورة الدبلوماسية على المدى المنظور.

وتُشير التوقعات إلى أن صيف 2026 سيستمر تحت لغة النار، حيث يسعى كل طرف عبر ضرباته الموجعة، لتقويض أوراق القوة لدى خصمه، فروسيا تضغط لإنهاء مخزون الدفاع الجوي الأوكراني قبل الشتاء.

بينما تحاول أوكرانيا شل شريان الطاقة الروسي، لتجبر موسكو -مستقبلاً- على التفاوض من موقف ضعف!

يقول السفير رخا أحمد حسن مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، إن الصراع الروسي-الأوكراني يفتقر تماماً لأي بوادر حل سياسي، في عهد الرئيسين فلاديمير بوتين وفولوديمير زيلينسكي، معتبراً أن «الأرض» هي لُب المشكلة، وعقدتها المستعصية، التي تمنع أي مرونة للتنازل من كلا النظامين الحاليين.

ويشير السفير رخا، في تصريحات خاصة لـ «البيان»، إلى أن روسيا باتت تتعامل مع الأقاليم الأربعة التي ضمتها على أنها «أراضٍ روسية سيادية»، وليست أوكرانية، وتتحرك عسكرياً للدفاع عنها، في حين ترفض كييف هذا الواقع رفضاً قاطعاً، لدرجة دفعها لرفض ضغوط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتنازل عن تلك الأراضي لتسوية الوضع، وكييف هنا مدعومة بموقف الاتحاد الأوروبي، الذي يرى في انتصار موسكو خطراً وجودياً ومستقبلياً على أمن دول الحلف.

ويوضح السفير رخا أن مساحات التفاوض الممكنة بين الطرفين، تنحصر فقط في القضايا الأمنية والسياسية القابلة للنقاش، مثل: ضمان عدم حصول أوكرانيا على سلاح نووي، أو التراجع عن انضمامها لحلف شمال الأطلسي «الناتو».

أما في مسألة الحدود والسيادة الإقليمية، فإن المواقف الصفرية السائدة، تجعل الحل الدبلوماسي مستحيلاً في المدى المنظور، وتؤكد بوضوح أن هذا الصراع العنيف سيبقى مستمراً ومفتوحاً على جبهات الاستنزاف المتبادل.

استنزاف متقدم

بدوره، يرى د. عمرو الديب مدير مركز العمليات الجيوسياسية الدولية في موسكو، أن التصعيد العسكري المتبادل لن يقود إلى حسم ميداني قريب، بل يدفع الصراع نحو مرحلة استنزاف متقدمة، يستهدف فيها كل طرف رفع سقف شروطه قبل أي تسوية سياسية مقبلة.

ويؤكد أن الضربات الروسية القوية على كييف، تحمل رسائل حازمة للغرب، بأن موسكو قادرة على رفع وتيرة التصعيد إلى أي مستوى، فضلاً عن جهوزيتها لتدمير أي منظومات دفاعية أو قواعد إمداد تصل إلى أوكرانيا.

ويوضح الديب، في تصريحات خاصة لـ «البيان»، أن مراهنة كييف على بناء منظومة تصنيع دفاعية ذاتية لإنتاج صواريخ «باتريوت» محلياً بمليارات أوروبية، ينطوي على نوع من «الانتحار العسكري»، لأن أوكرانيا لا يمكنها مواجهة السلاح الروسي القوي، بدون تدفق الدعم الغربي المباشر والمستمر.

ويضيف أن الرسائل الأوكرانية الغربية من وراء مشروع التصنيع المحلي، تركز على المدى المستقبلي لإثبات عدم الاستسلام، بينما تعتمد الأدوات الروسية على الحسم في الوقت الراهن، ما يفشل هذا المشروع على المدى المنظور، لا سيما مع قناعة واشنطن المتزايدة بضرورة التسوية.

وينتهي الديب إلى أن المشهد لم يدخل مرحلة انسداد كامل، بل يمر بمرحلة صراع بالغة الخطورة، يسعى فيها كل جانب عبر القوة العسكرية لتحسين تموضعه وتغيير المعادلة لصالحه، محذراً من أن القادم قد يحمل اتساعاً غامض التوقيت لرقعة الحرب خارج نطاقها الحالي، إذا فشلت جهود التسوية.