عادت الحرب الروسية - الأوكرانية إلى صدارة المشهد الدولي مع تصاعد غير مسبوق في وتيرة الهجمات المتبادلة، خلال الأسابيع الأخيرة، ما أعاد طرح تساؤلات جوهرية بشأن مستقبل الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الصراع، وما إذا كانت موجة التصعيد الراهنة تمثل عملياً إعلاناً مبكراً لفشل مساعي السلام، التي سعت أطراف دولية إلى إحيائها خلال الأشهر الماضية.استعر لهيب الحرب بين روسيا وأوكرانيا، في ظل تبادل كثيف للهجمات المسيرة، أسفر عن سقوط قتلى وجرحى،
ونفذت روسيا ضربات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 18 شخصاً، بينهم طفلان في أنحاء متفرقة من أوكرانيا، في واحدة من أكبر الهجمات، التي شنتها موسكو خلال الأشهر الأخيرة.وشهدت الأسابيع التالية هجمات أوكرانية واسعة النطاق، استهدفت مواقع داخل العمق الروسي، بما في ذلك مناطق قريبة من العاصمة موسكو، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة من كييف لإثبات قدرتها على نقل المعركة إلى الداخل الروسي، وتعزيز موقعها التفاوضي.
في المقابل صعّدت موسكو عملياتها العسكرية عبر موجات مكثفة من الضربات الجوية والصاروخية ضد أهداف أوكرانية، مستخدمة أسلحة متطورة ورسائل ردع استراتيجية، هدفت إلى تأكيد قدرتها على فرض ضغوط عسكرية وسياسية متواصلة على القيادة الأوكرانية.
استنزاف بلا حسم
يأتي هذا التصعيد في وقت يواصل فيه الطرفان خوض حرب استنزاف طويلة دون تحقيق اختراق حاسم على الأرض، فعلى الرغم من نجاح القوات الأوكرانية في استعادة بعض المناطق المحدودة خلال الفترة الماضية واصلت القوات الروسية تحقيق تقدم تدريجي في محاور استراتيجية داخل مقاطعة دونيتسك، ما يعكس استمرار حالة التوازن النسبي، التي تحول دون قدرة أي طرف على حسم المعركة عسكرياً.
تعقيدات
ويرى مراقبون أن المشهد الميداني الراهن يؤكد أن الحرب دخلت مرحلة أكثر تعقيداً، حيث باتت المكاسب والخسائر تقاس بقدرة كل طرف على استنزاف خصمه، وإضعاف قدراته الاقتصادية والعسكرية، أكثر من السيطرة على مساحات جديدة من الأراضي
ويرى محللون أن الأزمة تجاوزت منذ فترة طويلة حدود المواجهة الثنائية بين موسكو وكييف، لتتحول إلى صراع أوسع بين روسيا والغرب، فموسكو تتهم الاتحاد الأوروبي وبريطانيا بإطالة أمد الحرب من خلال مواصلة الدعم العسكري والمالي لأوكرانيا، بينما تعتبر العواصم الأوروبية أن العمليات الروسية تشكل تهديداً مباشراً للأمن الأوروبي، وتستدعي تعزيز القدرات الدفاعية للحلفاء، كما زادت المخاوف الأوروبية مع امتداد بعض تداعيات الحرب إلى خارج الأراضي الأوكرانية، سواء عبر سقوط طائرات مسيرة بالقرب من حدود دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي أو عبر تصاعد التوترات الأمنية في البحر الأسود ومحيط أوروبا الشرقية.
تحسين شروط التفاوض
وفي ظل هذا التباعد الحاد في الرؤى والمواقف تبدو فرص التوصل إلى تسوية سياسية شاملة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، إذ لا يزال كل طرف يعتقد أن بإمكانه تحسين شروط التفاوض عبر الميدان العسكري قبل تقديم أي تنازلات جوهرية على طاولة المباحثات.
ورغم هذا التصعيد المتسارع لا يذهب كثير من المحللين إلى حد إعلان وفاة خطة السلام بشكل نهائي، إلا أنهم يرون أن التطورات الأخيرة تمثل ضربة قوية لأي جهود دبلوماسية قائمة، وتؤكد أن موسكو وكييف ما زالتا تراهنان على تحسين موقعيهما التفاوضيين عبر القوة العسكرية قبل العودة إلى طاولة الحوار،كما تتزايد المخاوف من أن تستغل روسيا انشغال الولايات المتحدة وحلفائها بأزمات دولية أخرى لتعزيز عملياتها العسكرية، فيما تراهن أوكرانيا على استمرار الدعم الغربي للحفاظ على توازن الردع، ومنع حدوث اختراقات ميدانية كبيرة.
تراجع التسوية
وفي ضوء هذه المعطيات يبدو أن فرص التسوية السريعة تتراجع لصالح منطق الاستنزاف طويل الأمد، ما يجعل السلام هدفاً مؤجلاً أكثر منه خياراً قريب المنال.حرب أعصابخبير العلاقات الدولية الدكتور طارق البرديسي يرى أن الموجة الأخيرة من التصعيد العسكري لا يمكن فصلها عن استراتيجية «حرب الأعصاب»، واستنزاف القدرات التي يتبعها الطرفان منذ سنوات.
ويؤكد أن هذا الاحتدام الميداني يعكس محاولة كل طرف فرض شروطه وإظهار قدرته على الصمود في مواجهة الضغوط العسكرية والسياسية، بالتزامن مع تحركات دولية متباينة تهدف إلى إنهاء الأزمة.ويضيف أن التصعيد الراهن يقتل فرص السلام، حيث يسعى كل طرف إلى رفع سقف مطالبه وتحسين موقعه التفاوضي قبل أي جولة محتملة من المفاوضات.
ويشدد البرديسي على أن الحسم النهائي للصراع لن يكون عسكرياً بقدر ما سيكون سياسياً، مرجحاً أن تبقى خطط السلام مطروحة باعتبارها المسار الوحيد القادر على إنهاء الحرب، وإن كانت فرص تحقيق اختراق فعلي ما زالت مرتبطة بمدى استعداد الأطراف المتصارعة لتقديم تنازلات متبادلة.
تصعيد انتقامي
من جانبه يرى أستاذ العلاقات الدولية ومدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، ديميتري بريجع، أن الضربات الروسية الأخيرة تندرج ضمن سياسة الضغط المتبادل، التي تحكم مسار الحرب منذ عام 2022، موضحاً أن الصراع لم يعد عسكرياً فقط، بل تحول إلى مواجهة سياسية واقتصادية واستراتيجية شاملة.
ويعتبر أن التصعيد الحالي يحمل طابعاً انتقامياً بالدرجة الأولى، إذ يمثل رداً روسياً على الهجمات الأوكرانية التي استهدفت العمق الروسي خلال الأسابيع الماضية، مشيراً إلى أن موسكو تسعى من خلال توسيع دائرة الضربات إلى استهداف مراكز صنع القرار السياسي والعسكري، وزيادة الضغوط على الاقتصاد الأوكراني، فضلاً عن توجيه رسائل ردع إلى الدول الداعمة لكييف.
تحذير
كما يحذر من أن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى اتساع نطاق الأزمة خارج الحدود الأوكرانية، خصوصاً مع تكرار الحوادث المرتبطة بالطائرات المسيّرة والاحتكاكات الأمنية في محيط البحر الأسود وأوروبا الشرقية، مشيراً إلى أن الحروب الحديثة باتت تعتمد بصورة متزايدة على الضربات بعيدة المدى والمسيّرات، ما يرفع احتمالات المواجهات غير المباشرة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي.
ويخلص إلى أن إنهاء الحرب يتطلب تسوية سياسية شاملة، تتجاوز وقف إطلاق النار المؤقت، وتشمل معالجة الملفات الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية العالقة، محذراً من أن غياب الحلول الجذرية قد يقود إلى مرحلة أكثر خطورة من الصراع، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع التوترات الجيوسياسية، بما يهدد بإطالة أمد الأزمة الأوروبية الأكثر تعقيداً منذ عقود.
