التصعيد في أوكرانيا.. هل أغلق نافذة الحلول الدبلوماسية؟

متطوعون عسكريون روس يقومون بدورية في قرية كورينيفو بمنطقة كورسك
متطوعون عسكريون روس يقومون بدورية في قرية كورينيفو بمنطقة كورسك

مع دخول الحرب في أوكرانيا مرحلة جديدة من التصعيد، تتشابك التطورات الميدانية مع التحولات السياسية الدولية، مما يضيف مزيداً من الغموض حول مستقبل هذا الصراع.

وبينما تواصل القوى الغربية دعمها العسكري لكييف في مواجهة التصعيد الروسي، تتعالى التساؤلات حول إمكانية التوصل إلى حلول دبلوماسية تضع حداً لهذه الحرب التي باتت تمثل اختباراً حقيقياً للأمن العالمي والنظام الدولي.

تسويات

ومع اقتراب وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير المقبل، يتزايد الجدل حول تأثير ذلك على فرص الحل الدبلوماسي.

ترامب، الذي لطالما دعا إلى تقليص التدخلات الخارجية، قد يفتح المجال أمام تسويات سياسية توازن بين مصالح الطرفين، بما في ذلك تخفيف الدعم العسكري الأمريكي لأوكرانيا مقابل التزامات روسية. ورغم ذلك، يبقى نجاح مثل هذه التسويات مرهوناً بقدرة الأطراف على التوصل إلى اتفاقات تضمن الحد الأدنى من الاستقرار، في ظل بيئة دولية مشحونة ومرتبطة بمصالح استراتيجية معقدة.

ومع ذلك، فإن الحديث عن فرص الحل الدبلوماسي لا ينفصل عن التطورات الميدانية. وقال المشرعون في الجمعية البرلمانية لحلف شمال الأطلسي، إن حلفاء الناتو يجب أن لا يتراجعوا عن دعمهم لأوكرانيا وأن يقدموا لها بشكل عاجل الأسلحة الحيوية لمساعدتها على الحفاظ على خطوطها وتحويل مسار الحرب. وأكد تقرير وافقت عليه لجنة الدفاع والأمن في الجمعية، على الحاجة الملحة لتزويد أوكرانيا بالذخائر وأنظمة الأسلحة التي تحتاجها.

ووفق التقرير الذي أعده عضو الكونغرس الأمريكي ريك لارسن، فإن أنظمة الدفاع الجوي الحديثة والأسلحة الموجهة بدقة بعيدة المدى وأنظمة المدفعية والمركبات القتالية وطائرات «إف 16» المقاتلة وذخائر الأسلحة الصغيرة، تشكل أولويات واضحة.

تعقيدات دبلوماسية

في تصريحات لـ«البيان»، يؤكد الأستاذ المساعد في معهد العلاقات الدولية والتاريخ العالمي بجامعة لوبيشيفسكي الحكومية الروسية، الدكتور عمرو الديب، أن الأوضاع الراهنة تعكس تعقيدات دبلوماسية قد لا تتيح التوصل إلى حلول في المستقبل القريب.

ويوضح أن التصعيد الأخير في الأزمة يمكن أن يُفهم في سياق محاولات إدارة بايدن لتقويض قدرة ترامب على الوفاء بأحد أهم وعوده الانتخابية، وهو إنهاء النزاع الروسي الأوكراني. وقد أدى هذا إلى السماح لأوكرانيا باستخدام صواريخ لاستهداف العمق الروسي، وهو ما تبعته بريطانيا بتقديم دعم مماثل. ويضيف: ردود الفعل الروسية على هذه التصعيدات كانت قوية، مع تغيير موسكو عقيدتها النووية وإطلاق صاروخ عابر للقارات ضد أهداف أوكرانية.

مسار العلاقات

كما يشير إلى أن شهر ديسمير سيكون حاسما في تحديد مسار العلاقات الروسية الغربية والأمن الدولي بشكل عام. ومع اقتراب وصول ترامب، قد تظهر فرص أكبر للوصول إلى حلول دبلوماسية، لكنه يحذر من أن التصعيد الأوكراني قد يزيد من تعقيد الأمور، مما قد يدفع روسيا إلى اتخاذ خطوات حاسمة، بما في ذلك استخدام الأسلحة النووية.

حياد أوكرانيا

وبحسب تقرير للمجلس الأطلسي، يُعد مطلب الحياد الأوكراني ثابتاً في سياسات الكرملين منذ بداية الحرب، حيث كان أحد الشروط الرئيسية في محادثات السلام الفاشلة في بداية الحرب، وعاد ليبرز في مقترح بوتين المحدث للسلام في يونيو 2024. ورغم أن بعض الأصوات الدولية ترى هذا المطلب معقولاً، إلا أن فرض الحياد قد يعرض أوكرانيا لخطر جديد، إذ يضعها تحت رحمة موسكو ويمهد لغزو مستقبلي.

ووفق التقرير، فإن التاريخ يثبت أن الحياد لم يحفظ أوكرانيا من روسيا. فرغم تبنيها وضعية الحياد بين 2010 و2014، واجهت محاولات روسية لإعادة دمجها اقتصادياً ثم دخولها عسكرياً بعد إسقاط نظام فيكتور يانوكوفيتش.

ويضيف التقرير: «رغم ادعاء بوتين أن توسع الناتو يهدد أمن روسيا، فإن أفعاله تكشف عن سياسة توسعية. فعلى سبيل المثال، لم يعترض بوتين على انضمام فنلندا والسويد للناتو، بل أبدى تجاهلاً واضحاً، مما يؤكد أن اعتراضه على عضوية أوكرانيا لا يتعلق بأمن روسيا».

المحلل السياسي الروسي، ديمتري بريجع، يقدم لدى حديثه مع «البيان» رؤى حول السيناريوهات المحتملة للحل الدبلوماسي في الصراع بين روسيا وأوكرانيا، خاصة في ظل التغيرات السياسية في الولايات المتحدة، مبرزاً في البداية سيناريو «تخفيف الدعم لأوكرانيا»، إذ يتحدث بريجع عن إمكانية أن تقوم الإدارة الأمريكية المقبلة، برئاسة ترامب، بتخفيف الدعم لأوكرانيا، مقابل تقديم ضمانات للطرفين وتحقيق بعض الالتزامات من روسيا بعدم استهداف الأراضي الأوكرانية.

من بين السيناريوهات التي يشير إليها أيضاً ما يتعلق بالاتفاق على «إدارة منطقة منزوعة السلاح» تمتد على طول 1300 كيلومتر، مما يمكن أن يسهم في تجنب الاصطدام المباشر بين القوات.

كما يعتقد بأن هناك إمكانية لاستمرار الدعم الأمريكي لأوكرانيا، بشرط عدم انضمامها لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، مما قد يقلل من حدة التوترات. ويسلط الضوء على الطريقة التي يمكن أن تؤثر بها السياسات الداخلية الأمريكية على الصراع، مشيراً إلى أن إدارة بايدن تسعى لدعم أوكرانيا بشكل مكثف، بالتوازي مع التوجهات الانتخابية والمصالح الاقتصادية المرتبطة بالصناعات العسكرية.

ويرى أن الوضع السياسي في الولايات المتحدة، سواء كان بإدارة بايدن أو ترامب، له تأثير كبير على كيفية التعامل مع الأزمة الأوكرانية، وأن هناك فرصاً للحلول الدبلوماسية إذا تم استغلال الفرص المناسبة.