تسعى روسيا لتفويض الحقائق الميدانية كي تتحدث على مائدة المفاوضات مع أوكرانيا والوسطاء الأمريكيين، فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين أوعز للجيش بضرورة إنجاز مهمة دحر القوات الأوكرانية من مدينتي كراسنوارميسك ودميتروف الاستراتيجيتين في منطقة دونيتسك، التي سبق لروسيا أن ضمتها وثلاث مناطق أخرى، ما يعني عملياً شبه إتمام السيطرة الكاملة على دونيتسك، وعدم إبقاء جزء من أراضي الدونباس مادة تفاوضية مع أوكرانيا.
رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية والنائب الأول لوزير الدفاع، فاليري غيراسيموف، تفقد أمس، سير العمليات القتالية، التي نفذتها تشكيلات ووحدات مجموعة قوات «المركز» على الجبهة، بحسب ما ذكرته وكالة سبوتنيك الروسية للأنباء.
غيراسيموف قال في مقطع فيديو بثته وزارة الدفاع الروسية، إن القوات الروسية أحكمت سيطرتها على 12 بلدة في شرق أوكرانيا منذ بداية الشهر الحالي، وخلال حديثه إلى ضباطه، شدد غيراسيموف على أن هذه المكاسب تحققت خلال أسبوعين فقط رغم «قسوة الظروف الشتوية»، مؤكداً أن الوحدات الروسية واصلت عملياتها بوتيرة متسارعة على محاور عدة.
وكشف أن قواته تواصل الزحف باتجاه مدينة سلوفيانسك الصناعية، التي سبق أن سقطت مؤقتاً بيد القوات الموالية لروسيا عام 2014، مؤكداً أن الوحدات الروسية باتت على مسافة تقارب 15 كيلو متراً منها.
وأوضح غيراسيموف أن الجيش الروسي يعمل على توسيع «المنطقة الأمنية» في المناطق الحدودية، ولا سيما في سومي وخاركيف شمال شرقي أوكرانيا.
واختتم غيراسيموف بالإشارة إلى أنه سيبحث مع قياداته الميدانية «الخطوات المقبلة» باتجاه إقليم دنيبروبتروفسك، الذي دخلته القوات الروسية خلال الصيف الماضي، في مؤشر على نية موسكو توسيع نطاق عملياتها، خلال المرحلة المقبلة.
عقدة لوجستية
توجيه بوتين الذي تحدث عنه غيراسيموف ليس مجرد تفصيل ميداني بنظر المراقبين والخبراء، إذ إن كراسنوارمييسك مدينة استراتيجية وعقدة لوجستية حاسمة، فهي مركز سكك حديدية وطرق يربط بين غرب دونيتسك وعمق الإقليم، والسيطرة عليها تعني تقطيع خطوط الإمداد الأوكرانية في غرب دونباس، وخنق التجمعات الأوكرانية شرقها (خصوصاً حول توريتسك وأفدييفكا سابقاً)، كما أن كراسنوارمييسك هي بوابة إلى سلوفيانسك – كراماتورسك، وخط دفاع متقدم قبل المثلث الصناعي سلوفيانسك - كراماتورسك، ما يعني أن سقوطها يفتح الطريق عملياً نحو المرحلة النهائية للسيطرة على كامل دونيتسك، أما ديميتروف فهي مدينة مناجم فحم صناعية، وجزء من حزام الفحم في دونباس، وتعني السيطرة عليها حرمان أوكرانيا من مورد طاقة محلي مهم، وتعزيز سيطرة روسيا على البنية الاقتصادية الثقيلة في الإقليم.
خط التماس
روسيا ميدانياً تعمل على تثبيت خط الجبهة غرب دونيتسك، وإذا سيطرت على هذا المحور فإن خط التماس سيتراجع غرباً، ما يخفف الضغط عن مدن دونيتسك الداخلية، التي تتعرض للقصف الأوكراني. أما سياسياً فنجاح موسكو في هذا المحور سيستخدم ورقة تفاوض قوية في أي مسار هدنة، إذ إنه في علم الصراع تأتي «الوقائع الميدانية أولاً، ثم التفاوض» وهو الأسلوب الذي اعتمدته روسيا في ماريوبول وأفدييفكا سابقاً.
كما أن الجيش الروسي يحقق مكاسب في مناطق أخرى، حيث نقلت وكالة تاس للأنباء عن وزارة الدفاع الروسية قولها، أمس، إن قواتها سيطرت على بلدة تسفيتكوفه في منطقة زابوروجيا جنوب شرق أوكرانيا.
وتسيطر روسيا حالياً على نحو 75 في المئة من منطقة زابوريجيا، لكن الأوضاع على جبهات القتال ظلت ثابتة إلى حد كبير منذ 2022 حتى التقدم الروسي الأحدث.