غرينلاند.. صفقة استراتيجية لأمريكا بتسوية تحفظ خرائط السيادة

البيان

لا تبدو غرينلاند اليوم أمام صفقة تُبدّل صاحب السيادة، بقدر ما تقف أمام إعادة رسم لحدود النفوذ الأمريكي في القطب الشمالي، إذ إن واشنطن، التي أخفقت في تحويل الجزيرة إلى ملكية أمريكية، تبدو أقرب إلى انتزاع صيغة تمنحها ما هو أكثر أهمية من العنوان السيادي: حضوراً أمنياً أوسع، وموطئ قدم أكثر رسوخاً، وهوامش حركة تتناسب مع سباق النفوذ المتصاعد في المنطقة. بينما تتمسك كوبنهاغن ونُوك بالسيادة وحق تقرير المصير، يفتح الاتفاق المرتقب سؤالاً يتجاوز غرينلاند نفسها: هل اختارت الأطراف تسوية تحفظ خرائط السيادة، مقابل إعادة توزيع أوراق القوة في القطب الشمالي؟وقّعت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند اتفاقاً، يسمح لواشنطن ببناء قاعدتين عسكريتين جديدتين في الإقليم الواقع في القطب الشمالي، مع إعادة التأكيد على سيادة كوبنهاغن عليه. وقالت رئيسة الوزراء الدنماركية، ميته فريدريكسن، إن الاتفاق «جيد للولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند»، وكذلك لأوروبا وحلف شمال الأطلسي (ناتو)

فيما قال رئيس وزراء غرينلاند، ينس فريدريك نيلسن، إنه «مكسب للجميع»، ثم وقّع القادة الثلاثة على الاتفاق، ما بدا أنه يضع حداً لأكثر من عام من التوتر بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، بشأن الإقليم الواقع في القطب الشمالي.تشير آخر المعطيات إلى أن الحديث يدور عن تسوية أمنية استراتيجية، أكثر منه انتقالاً للسيادة أو سيطرة أمريكية كاملة على الجزيرة، إذ لم تُنشر بعد التفاصيل القانونية الكاملة للاتفاق، فيما ينتظر توقيعه رسمياً خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، إلى جانب استكمال الإجراءات البرلمانية اللازمة في الدنمارك وغرينلاند.

ويرى محللون أن جوهر التفاهم يتمثل في إعادة صياغة الترتيبات الدفاعية القائمة، بما يمنح واشنطن هامشاً أوسع للتحرك العسكري والاستخباراتي في القطب الشمالي، خصوصاً أن الولايات المتحدة تمتلك بالفعل قاعدة «بيتوفيك» الفضائية في غرينلاند، ضمن اتفاق دفاعي أمريكي ـ دنماركي، يعود إلى عام 1951.بينما يذهب محللون آخرون إلى أن صياغة الاتفاق تعكس محاولة لتوفير مخرج سياسي يحفظ ماء الوجه لجميع الأطراف، تحصل واشنطن بمقتضاه على ضمانات أمنية ووجود عسكري طويل الأمد، وإبعاد روسيا والصين عن القواعد والاستثمارات الحساسة، بينما تحتفظ الدنمارك رسمياً بالسيادة، وتبقى لغرينلاند حقوق تقرير المصير.

«صفقة استراتيجية»

في هذا السياق، يرى خبير العلاقات الدولية ونائب رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات الاستراتيجية، د. رامي زهدي، أن ما جرى بشأن غرينلاند يمكن قراءته باعتباره «صفقة استراتيجية»، لا تنطوي، وفق المعطيات المعلنة، على نقل ملكية الجزيرة إلى الولايات المتحدة، وإنما تعيد ترتيب النفوذ الأمني والعسكري فيها، مع بقاء السيادة الدنماركية، وحق سكان غرينلاند في تقرير مصيرهم.ويوضح أن أهمية التفاهم تتجاوز الجزيرة ذاتها، في ظل تصاعد التنافس على القطب الشمالي، الذي يكتسب وزناً عسكرياً واقتصادياً متزايداً، مع التغيرات المناخية وانفتاح مسارات بحرية جديدة، فضلاً عن الموقع الجغرافي لغرينلاند بين أمريكا الشمالية وأوروبا، وقربها من مجالات استراتيجية مرتبطة بروسيا.

ويضيف أن واشنطن تبدو معنية بضمان طويل الأمد، يحول دون إقامة روسيا أو الصين وجوداً عسكرياً أو نفوذاً استثمارياً حساساً في الجزيرة، بالتوازي مع توسيع حضورها العسكري، بينما تحصل كوبنهاغن وغرينلاند في المقابل على ترتيبات وضمانات أمنية، مع الحفاظ على الوضع السيادي القائم.ويحذر زهدي من المبالغة في وصف التفاهم بأنه «سيطرة أمريكية كاملة»، خصوصاً أن تفاصيله القانونية لم تُنشر بصورة نهائية، مشدداً على الفارق بين امتلاك أدوات التأثير في أمن الجزيرة وبين امتلاك سيادتها.

ويلفت إلى أن الاتفاق يأتي بعد أشهر من التوتر داخل حلف شمال الأطلسي، على خلفية الطرح الأمريكي للاستحواذ على غرينلاند، ما يتيح قراءته أيضاً باعتباره محاولة لمواءمة المتطلبات الأمنية الأمريكية، مع الحفاظ على تماسك التحالف الغربي.ويؤكد أن الحكم على طبيعة الصفقة سيبقى رهناً بتفاصيلها التنفيذية، وفي مقدمها حجم الوجود العسكري الأمريكي، ونطاق صلاحياته، ووضع الموارد والاستثمارات الاستراتيجية، ومدى ارتباط هذه الترتيبات بالمسار السياسي المستقبلي لغرينلاند، وهي عناصر ستحدد ما إذا كان الأمر يتعلق باتفاق أمني موسع، أم بإعادة تشكيل أعمق لميزان النفوذ في القطب الشمالي.

نموذج لإعادة تنظيم النفوذ

بدوره، يرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول في وجدة، المغرب، د. محمد بوبوش، أن الاتفاق بشأن غرينلاند يمكن قراءته باعتباره «صفقة نفوذ استراتيجية» متعددة الأبعاد، لا صفقة لشراء الجزيرة أو نقل السيادة عليها.

ويوضح أن مقاربة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسياسة الخارجية، تقوم بدرجة كبيرة على منطق تبادل المصالح والمكاسب الاقتصادية والأمنية، وهو ما يجعل غرينلاند نموذجاً لإعادة تنظيم النفوذ، بدلاً من تغيير الملكية الإقليمية.ويشير إلى أن الولايات المتحدة لا تحتاج بالضرورة إلى امتلاك الجزيرة لتحقيق جانب كبير من أهدافها الاستراتيجية، ما دام بإمكانها تأمين حضور عسكري وأمني طويل الأمد.