صيف 2026.. قيظ يحصد الأرواح ويغذي التضخم

سكان يبردون أنفسهم في نافورة مياه وسط موجة حر في بوردو جنوب غربي فرنسا
سكان يبردون أنفسهم في نافورة مياه وسط موجة حر في بوردو جنوب غربي فرنسا

ترك صيف 2026 وراءه أكثر من مجرد أرقام قياسية لدرجات الحرارة، بعدما تحولت موجاته القاسية إلى فاتورة بشرية واقتصادية طالت أكثر من 1.3 مليار شخص، وارتبطت بعشرات آلاف الوفيات الإضافية في أوروبا، في حين امتدت تداعيات الجفاف والحرائق من طرق التجارة العالمية إلى المحاصيل وأسعار الطاقة.

وفي أحدث مؤشر على اتساع كلفة الصيف الاستثنائي، حذرت الأمم المتحدة، أمس، من أن موجات الحر التي اجتاحت أوروبا لم تضغط فقط على الصحة والحياة اليومية، بل أضافت أيضاً أعباء تضخمية جديدة على الأسر والشركات والحكومات، في وقت تواجه فيه القارة خطر أزمة وقود جديدة خلال الشتاء.

وقال الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ سايمون ستيل، أمام لجنة في البرلمان الأوروبي في بروكسل، إن صيف أوروبا اللاهب تزامن مع استمرار أزمة تكاليف الوقود الأحفوري، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار في «ضربة مزدوجة» للاقتصاد.

وأضاف أن اعتماد أوروبا على واردات الوقود الأحفوري المتقلبة ظل نقطة ضعف اقتصادية، محذراً من أن أزمة وقود جديدة تلوح في الأفق هذا الشتاء.

وجاء التحذير في حين كشف تحليل موسع أجرته وكالة فرانس برس، استناداً إلى مليارات البيانات من نموذج «ERA5» التابع لمرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي، أن أكثر من 1.3 مليار شخص عاشوا بين يونيو وأغسطس تداعيات أحر صيف مسجل في مناطقهم في النصف الشمالي من الكرة الأرضية.

وحطمت 52 دولة في قارات مختلفة أرقامها القياسية لدرجات الحرارة خلال الصيف، لكن الأرقام المناخية لم تكن سوى الوجه الأول للأزمة.

ثمن بشري

في أوروبا الغربية والجنوبية، سجلت 11 دولة، بينها إسبانيا وإيطاليا، متوسطات قياسية جديدة لحرارة الصيف، في حين تجاوزت درجات الحرارة في فرنسا وسويسرا متوسط الفترة بين 1991 و2020 بأكثر من ثلاث درجات مئوية.

والأشد قسوة كان الثمن البشري، إذ أحصت «فرانس برس»، استناداً إلى تقارير صحية في ألمانيا وإنجلترا والنمسا وبلجيكا وإسبانيا وفرنسا وهولندا والبرتغال، ما لا يقل عن 35 ألف وفاة إضافية قد تكون مرتبطة مباشرة بالحر بين منتصف يونيو ونهاية أغسطس. وأكدت بيانات منفصلة صدرت، أمس، حجم التحول المناخي.

فقد أعلنت خدمة «كوبرنيكوس»، أن متوسط الحرارة العالمية في أغسطس بلغ 16.96 درجة مئوية، أعلى بنحو 0.01 درجة فقط من الرقم المسجل في يوليو 2023، ما يضع الشهرين عملياً عند مستوى قياسي متقارب.

كما تجاوز متوسط أغسطس مستويات ما قبل الثورة الصناعية بنحو 1.65 درجة مئوية.

وفي إسبانيا، أعلنت وزارة التحول البيئي أن صيف 2026 كان الأكثر حرارة في تاريخ البلاد منذ بدء التسجيل عام 1961، بمتوسط 24.5 درجة مئوية، في حين سجلت بلجيكا بدورها أحر صيف في تاريخها.

التجارة تحت الضغط

وخارج أوروبا، تحولت الحرارة والجفاف إلى اضطرابات مباشرة في الاقتصاد والتجارة.

ففي بنما، أجبر الجفاف السلطات على تقليص حركة السفن عبر القناة التي يمر من خلالها نحو 5% من التجارة البحرية العالمية، ما أضاف بعداً جديداً إلى تأثير الظواهر المناخية على سلاسل الإمداد الدولية.

وفي إندونيسيا، عاش نحو 100 مليون شخص أحر صيف مسجل، وأسهم الجفاف في إشعال حرائق بالغابات الاستوائية في بورنيو وسومطرة، قبل أن يعبر الدخان إلى ماليزيا، متسبباً في تفاقم مشكلات الجهاز التنفسي وإغلاق مدارس.

وفي أفريقيا وحدها، عاش نحو 450 مليون شخص أحر صيف مسجل في مناطقهم، وسجلت 18 دولة أرقاماً قياسية جديدة، من موريتانيا وسيراليون غرباً إلى إريتريا وإثيوبيا شرقاً.

وكانت التداعيات أكثر خطورة في الدول التي تواجه أصلاً أزمات غذائية ونزاعات.

ففي السودان، الذي يعاني أزمة غذائية حادة على خلفية الحرب، انخفض منسوب نهر النيل إلى مستوى غير معتاد، في حين أدى تأخر الأمطار المرتبط بظاهرة «إل نينيو» إلى بقاء أراضٍ زراعية دون زراعة.