الحر يضرب أوروبا بلا هوادة.. 193 مليون شخص تحت درجات تتجاوز 35 مئوية

يعيش قسم كبير من أوروبا السبت يوما إضافيا من الحر الشديد الممتد من فرنسا إلى بولندا مرورا بالساحل الأدرياتيكي الكرواتي، مع توقع تخطي الحرارة 35 درجة مئوية بالنسبة لما لا يقل عن 193 مليون نسمة، ما يُشكل ضغطا كبيرا على الأنظمة الصحية.

ومع انتقال موجة القيظ إلى شمال شرق القارة، أُعلنت حال التأهب القصوى في فرنسا وسويسرا وألمانيا والنمسا والمجر.

وسيواجه ما لا يقل عن 193 مليون نسمة في أوروبا بينهم 75 مليونا في ألمانيا، حرارة تفوق 35 درجة مئوية خلال نهار السبت، وفق تحليلات وكالة فرانس برس، وهو ما يتخطى المستويات المسجلة الجمعة.

وفي منتصف اليوم، سجّلت حرارة قصوى في الدنمارك غير معهودة منذ بدء تسجيل البيانات سنة 1874 بواقع 36,6 درجة مئوية، بحسب معهد الأرصاد الجوية الدنماركي الذي أشار إلى أن "اليوم لم ينته بعد".

ويلجأ الأوروبيون إلى كل الوسائل الممكنة لتفادي الحر الشديد، فيحتمون في كنيسة أو ينامون في أقبية منازلهم أو يبللون أنفسهم في النوافير، حتى أن الفرنسية ناتالي قالت إنها تعمد إلى قضاء "بضع ساعات في بيكار"، سلسلة المتاجر الفرنسية المتخصصة في بيع المنتجات المجلّدة.

وفي ألمانيا، قال خبراء الأرصاد الجوية إنه "من غير المستبعد حتى أن تصل الحرارة إلى 42 درجة محليا". وسجلت ساربروكن قرابة الساعة 17,00 الجمعة 41,3 درجة، أعلى حرارة تشهدها ألمانيا على الإطلاق.

أما في العاصمة السلوفاكية براتيسلافا، فلم تنخفض الحرارة عن 26,3 درجة ليل الجمعة السبت، وأورد معهد الأرصاد الجوية السلوفاكي أن "المستوى القياسي السابق كان 24,8 درجة في 4 أغسطس 2017"، متوقعا أن تصل الحرارة إلى ذروتها عند 39 درجة السبت.

وتسببت موجة الحر بإلغاء "مسيرة الفخر" لمجتمع الميم في كل من باريس وليون (وسط فرنسا الشرقي)، كما ألغي مهرجان "سوليدايز" للموسيقى الذي كان من المقرر تنظيمه في العاصمة الفرنسية حتى الأحد.

ومع إلغاء "سوليدايز"، ستُحرم جمعية "سوليداريتيه سيدا" المنظِّمة للمهرجان من ثلاثة ملايين يورو كانت ستستخدمها لتمويل برامج لمكافحة الإيدز.

وفي ألمانيا، لن تجري مدينة هامبورغ سباق نصف الماراثون، في حين اختُصر مسار سباق الدراجات الهوائية "ايرونمان" في فرانكفورت.

وفي العاصمة برلين، خفّفت قاعة فيلهرموني الراقية للحفلات بعض القواعد المفروضة على اللباس وسمحت للرجال بالتخلّي عن السترات ورفع الأكمام.

وفي المجر، حُشد الجيش لتوزيع قوارير المياه خلال أحداث عامة في مدن صغيرة من البلد.

ارتفاع نداءات الطوارئ

وشكلت هذه الظاهرة المناخية مع ما يواكبها من تلوث ضغطا شديدا على الأنظمة الصحية في العديد من البلدان. وفي المنطقة الباريسية، سجلت خدمات الطوارئ ارتفاعا هائلا في الاتصالات الواردة بنسبة بلغت 80% هذا الأسبوع.

وقال مساعد رئيس بلدية باريس المكلف الشؤون الصحية أنطوان أليبير صباح السبت إن المستشفيات الباريسية تشهد "حالة اكتظاظ استثنائية" غير مسبوقة مؤكدا "إننا في وسط أزمة صحية. إنها ظاهرة قيظ استثنائية وقصوى" تفاقمت بسبب "ذروة من التلوث بالأوزون".

وحذر رئيس قسم الطوارئ في مستشفى "جورج بومبيدو"، أحد المستشفيات الرئيسية في باريس، من أن الوضع "خطير للغاية"، واصفا "أروقة مكتظة" بالمرضى "معظمهم مسنون" إنما بينهم أيضا من هم "في الخمسين والستين"، يعانون من "ارتفاع حاد جدا في حرارة الجسم".

من جانبها، أعربت وزارة الصحة الفرنسية عن "قلقها" من حصول "وفيات في المنازل".

وأوضح روبان لاغاريغ وماتيلد باسكال من الوكالة الوطنية للصحة العامة الفرنسية لوكالة فرانس برس أن "بضع درجات إضافية تترجم إلى زيادة قوية جدا في مخاطر الوفاة"، وأشارا إلى أن موجات الحر لها "مفاعيل متعاقبة" على معدل الوفيات.

وحذّر مكتب رئيس الوزراء في فرنسا من أنه "حتّى لو تراجع القيظ، فإن آثاره على النظام الصحي ستبقى ماثلة أمامنا"، في إشارة خصوصا إلى المدّة التي يستغرقها ظهور بعض الأعراض.

وفي ستراسبورغ في شمال فرنسا، استولى الإرهاق على نيلي (37 عاما) التي لم تعد تنام "سوى أربع إلى خمس ساعات، في حين أنني بحاجة إلى ما بين ست وسبع ساعات... وقد طفح الكيل".

وأفادت السلطات الإسبانية عن تسجيل أكثر من 200 حالة وفاة، كما سجلت وفيات في باقي أنحاء أوروبا، لمسنين ومرضى مصابين بأمراض مزمنة وأطفال ومراهقين، بالإضافة إلى مشردين في الشوارع. وتتسبب الحرارة بالوفاة بعدة طرق كالغرق وارتفاع حرارة الجسم والنوبة القلبية وغيرها.

"ليال استوائية" في رومانيا

واعتبرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية الجمعة أنه "من المحتمل" أن تكون موجة الحر الحالية ظاهرة غير مسبوقة من حيث حجمها، وإن كان من السابق لأوانه تأكيد ذلك.

وتُعد موجات الحر المتكررة مؤشرا لا لبس فيه إلى التغير المناخي، الناجم بشكل أساسي عن استخدام البشر لمصادر الطاقة الأحفورية.

ولموجات الحر هذه تبعات كثيرة، منها وقف محطات الطاقة النووية، كما في بيزناو في سويسرا، وارتفاع حرارة البحيرات الساحلية الضحلة في دلتا بو بشمال شرق إيطاليا، وتسارع ذوبان نهر الرون الجليدي في سويسرا وغيرها.

لكن الموجة بدأت بالانحسار تدريجيا في فرنسا حيث يتوقع رفع حال التأهب القصوى مساء الأحد مع تدفق "هواء أكثر برودة" من الغرب والشمال الغربي. كما ستشهد ألمانيا بحسب التوقعات "استراحة" اعتبارا من الإثنين مع تدني الحرارة عن 40 درجة.

وفي شرق القارة، تستعد رومانيا لإعلان الإنذار الأحمر اعتبارا من الإثنين على كافة أراضيها تقريبا، إذ تتوقع الأرصاد الجوية الوطنية "درجات حرارة قصوى" و"ليالي استوائية" تستمر حتى الأول من يوليو.

وتعتزم مولدافيا المجاورة حظر حركة السير للآليات التي تزيد عن 12 طنا بين 28 يونيو والأول من يوليو.